نهاية السير

الاستاذ عبد الهاذي الامين
في جو حار خانق، أتصبب عرقا، ولجت محطة القطار أكدال، مثقل بمحفظة جمدت الدم في أصابع يدي، و ألمت كتفي، تزيدني ربطة العنق اختناقا، صوت نسائي مشبع بالأنوثة حد التخمة، يردد في جنبات المحطة: ” القطار القادم من القنيطرة في اتجاه الدارالبيضاء الميناء يدخل المحطة بعد قليل، ابتعدوا عن الرصيف” صوت يدغدغ المشاعر و يلطف حرارة الجو، وصل القطار توزع الناس بين العربات، توجهت إلى عربة الدرجة الأولى و صعدت الدرج فلطمتني برودة المكيفات أنعشتني و جففت عرقي، أخذت مقعدي، المقعد على اليمين المحاذي للنافذة شاغر، الآخر المقابل لي جهة النافذة تشغله شابة أفريقية جميلة، لون بشرتها أقرب إلى البني تماما كما تكون عليه بشرتي لما تتعرض للشمس، تضع في كلتا أدنيها سماعة الهاتف، و منشغلة بكتابة الرسائل عليه، تتلقى جوابا فتبتسم، قد يكون عاشقها يحاورها في مكان ما من العالم، و قد يكون أهلها، أكيد أنها طالبة إفريقية من عائلة ميسورة، لباسها الأنيق يوحي بذلك، أتت حتما للدراسة هنا، بقيت منشغلة بهاتفها لا تأبه لما يجري حولها، مطمئنة البال لا تكلم أحدا و لا يكلمها أحد، هكذا حال هؤلاء الأفارقة يعيشون مع بعضهم قلما ينفتحون على غيرهم، هكذا أراهم، و في المقعد المقابل لي مباشرة، تجلس امرأة أربعينية لا تزال حروف جمال الشباب مرسومة على وجهها، وسيمة و أنيقة، قد تكون إطارا في مؤسسة ما، كانت تحمل بيديها قصة تلتهمها بنظرات توحي بجدية زائدة، رفعت رأسها و نظرت إلي تم عادت إلى قصتها، مثل هؤلاء النساء لابد من التلطف معهن إلى أقصى حد، نطقت بلغة فرنسية و بصوت خافت bonjour و وضعت محفظتي بالمكان المخصص للأمتعة، ردت السيدة المحترمة التحية بنفس الكلمات و اللغة و الأسلوب مع ابتسامة خفيفة، قلت مع نفسي، عالم النساء عالم فريد و غريب، له قوانينه و ضوابطه، لا تدخله إلا بتأشيرة صعبة المنال، لا ينالها أي كان، إذا أتيح لك الدخول إلى عالمهن فعليك احترام قوانينهن، و كل علامات التشوير التي تضعنها في طريقهن، قوانين صارمة لا تقبل الجدال، كل تجاوز مصيره الطرد من هذا العالم الغريب، إذا حظيت بالقبول و طال بك المقام في مملكتهن، فلا بأس لك أن تفرض بعض قوانينك لكن ليس كلها، و التعامل معهن علم قائم بذاته فيه مستويات و درجات تترقى فيها إلى أن تبلغ أعلاها فتنال شهادة تقديرهن، عنوان نجاحك، و إذا أخفقت فاعلم أن العيب فيك و انك غير مرغوب فيك في هذا العالم الفريد، و الكلام معهن فن له قواعده، فليس كل الكلام يقال لهن، عليك أن تختار من الحديث أجمله و من الألفاظ أحسنها و أكثرها رقة و تلطفا، فأنت أمام كائن بشري كله أحاسيس و مشاعر، قلت، بعدما ردت التحية انكبت على كتابها. بدأت أسترجع أنفاسي و استلذ برودة العربة ارمي نظراتي هنا و هناك، من عادتي أن اعرف من معي و من بجانبي تكفيني نظرة إلى هيئته لأعرف من يكون و ربما حتى مهنته، دون أن أحتاج إلى سؤاله أو الحديث معه. لم ارغب في قراءة شيء، فأنا مرهق و يكفيني ما اطلعت عليه طوال اليوم و ما قرأته من صفحات مذكرات و مستندات، تحكي قصص الناس و معاناتهم و تلتمس الحل، قصص الناس و حكيهم هي روايات واقعية كافية لإلهام أي كاتب أو قاص أو روائي. سأغمض عيناي لأستريح و أريحهما، ذاك ما فعلت، أنصت إلى هدير القطار و احتكاك عجلاته بالسكة، الحديد يحتك ببعضه و يسير القطار من محطة إلى أخرى، تماما مثل الحياة كلاهما يسير نحو الأمام و لا يعود إلى الوراء، من محطة إلى أخرى، يصعد هذا و ينزل ذاك، و يستمر السير و تستمر الحياة، و كل محطة تم تجاوزها تصبح جزء من الماضي، و أنا اربط القطار بالحياة، عادت بي الذاكرة ثلاثين سنة إلى الوراء لما ركبت هذا القطار مرة متوجها إلى المعهد القضائي، و أنا منتشي و كلي فرح و لا ادري ما يخبئ القدر لمسيرتي، ثم تذكرت أول جلسة أعقدها في حياتي ثم كل المحطات التي عبرتها طيلة الثلاثين سنة من عمري المهني، كبوة هنا، و خطا هناك، نجاح هنا و تفوق هناك، دروس كلها الحياة لحظات سعادة و لحظات حزن، شريط من الذكريات يمر بمخيلتي، استحضرت كل الزملاء و كل الأصدقاء و كل الذكريات، تذكرت هذه و تلك و الأخرى و هذا و ذاك و الآخر و هؤلاء و أولائك، استعرضت كل اللحظات، تم تساءلت مع نفسي، ما هذا العالم ينوء بالمتناقضات و بأشكال من البشر و بألوانهم و طباعهم المختلفة، نموذج لا يشبه آخر،طابور من الأخيار، و شرذمة من المنافقين، و جماعة من الوصوليين و حفنة من المتملقين. كلام و عهود و وعود مثل الصدف البحري قد تفتحه و لا تجد فيه سوى الفراغ، شعارات و مبادئ لا تعلم صدقها أو جديتها أو زيفها، و تبقى الحياة كلها صراع بين الخير و الشر، صراع أزلي لم يحسم فيه بعد، و لا يبدو أن الحسم فيه قريب. استفقت من غفوتي على تململ السيدة المحترمة و هي تجمع حقيبتها اليدوية من النوع الرفيع في لون حدائها، تنورتها السوداء ارتفعت شيئا ما عن ركبتيها، احتكتا بركبتاي عن غير قصد، سرى تيار كهربائي من ضغط عالي في جسدي كاد أن يحرق كل مصابيح ذاتي و قالت pardon ابتسمت لأوحي لها أن لا شيء حصل، المصابيح لا تزال على حالها الصعقة مرت بسلام، توقف القطار بمحطة عين السبع فوقفت و عدلت تنورتها و قالت bon continuation أجبتها على الفور merci و أضفت على سلامتك، ابتسمت و انصرفت. نظرت إلى نافذة القطار أرى بالكاد ما بخارج العربة فقط انعكاس لصورتي على الزجاج، بدا لي شاحبا و متهجما، فناجيته، ما بك متقد في أعماقك هادئ في صورتك مثل بركان موشك على الانفجار، تكتب بقلم من حرير ينساب منه حبر من ذهب و تكتب تارة بقلم مثل أفعى ينفث السم و يلدغ لدغات قاتلة، مداد تارة من طيب و تارة من قطران، ما بك و غيرك استطاب العيش و تكيف مع الزمن، أما وقفت لتراجع كلام زميلتك و هي تخاطبك بلطف و رقة و خوف نابع من محبتها لك، داريهم ما دمت في دارهم، لكن زميلتي عن أي دار تتكلمين، هذه الدار ليست لأحد، ألم يقل الشاعر هذه الدار لا تبقي على أحد و لا يدوم على حالها شان. و هو يرثي الأندلس بعدما فرط في حمايتها أهلها. لكن مع ذلك في كلامك زميلتي معنى آخر ربما تقصدين أولئك المتخاذلين يشتكون في السر و يصمتون عند معرض الحاجة إلى الكلام إذا كان هذا قصدك فأنت على حق. انقطع حبل تفكيري على إيقاع الصوت الرخيم الأنثوي و هو يردد بكل اللغات: ” القطار يدخل محطة الدارالبيضاء الميناء نهاية السير. قمت من مكاني متثاقلا أحمل محفظتي و طنطنة تتردد برأسي: نهاية السير، نهاية السير، نهاية السير.



