مقالات و آراء

تسريبات المهداوي تهز الصحافة المغربية وتضع شرعية لجنة الأخلاقيات على المحك.

أعاد الفيديو الذي بثه الصحافي المهداوي لأطوار جلسة لجنة الأخلاقيات التابعة للجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، فتح ملف حساس داخل الجسم الصحفي ، بعدما تضمن عبارات وأوصافا أثارت صدمة واسعة لدى الرأي العام عامة والصحافيين والحقوقيين خاصة. الأمر لم يعد يتعلق بملف شخصي، بل تحول إلى مرآة تعكس عمق أزمة الثقة داخل قطاع الصحافة، وتضع سؤال الأخلاقيات والمؤسسات على طاولة نقاش مفتوح.

تفاعلات هذا التسجيل لم تتأخر، إذ خرجت الجمعية الوطنية للمحامين ببلاغ قوي تستنكر فيه، بوضوح وبمسؤولية، ما ورد من تعابير تمس كرامة المحامين، معتبرة أن التشهير بالمحامين أو الانتقاص من أدوارهم يشكل إساءة مباشرة لهيئة الدفاع ومساسا بثقة المتقاضين في منظومة العدالة. واستحضرت الجمعية رمزية المهنة ووزنها الحقوقي والأخلاقي، مطالبة باحترام أدوار الدفاع، وصون صورة المحامين باعتبارهم ركنا أساسيا في حماية الحقوق والحريات.

وبموازاة ذلك، دخلت النقابة الوطنية للصحافة المغربية على الخط بما يشبه “الإنذار المهني”، حيث أدانت ما وصفته بـ”الاستهتار بسمعة التنظيم الذاتي”، واعتبرت أن ما تضمنه الفيديو يشكل ضربة لجهود عقود من النضال من أجل مؤسسة مستقلة لأخلاقيات المهنة. النقابة أكدت ضرورة التحقيق الجدي وتحديد المسؤوليات، والدفاع عن كرامة الصحافيين الذين طالهم الاستهداف بدورهم، ورفض تحويل آليات التقويم الأخلاقي إلى فضاءات للتهجم أو تصفية الحسابات.

غير أن الموضوع لا يتوقف عند مستوى اللغة المتداولة في الفيديو، بل يمتد إلى سؤال أكبر ، هل اللجنة المؤقتة، أصلا، في وضع قانوني يخول لها الاستمرار في ممارسة صلاحياتها؟ فوفق عدد من الفاعلين، قد أنهت هذه اللجنة ولايتها المحددة في سنتين، دون تجديد قانوني أو انتخاب مؤسسة بديلة، مما يجعل استمرارها في إصدار القرارات والتوصيات والبلاغات أمراً يفتقر إلى السند القانوني ويثير شبهة “انتحال الاختصاص”. وفي هذا السياق، تصبح شرعية أي قرارات أو أحكام أخلاقية صادرة عنها موضع جدل دستوري ومؤسساتي قائم الذات.

إن خطورة ما جرى تداوله في الفيديو لا تقف عند حدود الجدل المهني، بل تمتد لتلامس الثقة العامة في المؤسسات التي يفترض أن تكون حامية لحرية الصحافة . لذلك، فإن فتح تحقيق قضائي أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل، من أجل كشف كل الحقائق للرأي العام، وترتيب المسؤوليات ، وتحصين التنظيم الذاتي من أي شبهة استغلال أو انحراف عن أهدافه. كما أن هذه اللحظة الحساسة تستدعي رص صف الجسم الصحافي وتغليب منطق الحكمة والمسؤولية، لأن قوة الصحافة المغربية تكمن أولا في وحدتها وقدرتها على الدفاع عن شرف المهنة من داخل مؤسساتها وبآليات الشفافية والعدالة. فالإصلاح لن يتحقق إلا بإعادة بناء الثقة، والشفافية لن تكتمل إلا بإظهار الحقيقة كاملة دون لبس أو تأويل. صحيح ان الفيديو قد فجر أزمة، لكن في الوقت نفسه قد يشكل فرصة لإعادة بناء جسر الثقة مع الرأي العام، وفرصة لصياغة مستقبل الصحافة المغربية على أساس متين لا يخضع للأهواء ولا للحسابات الضيقة، بل يخدم حق المواطن في إعلام مهني حر ومسؤول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock