مجتمع

نعيمة الفتحاوي تكشف اختلالات حصيلة الحكومة في ختام الدورة التشريعية

تصريح النائبة نعيمة الفتحاوي حول اختتام الدورة الاولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة (2025-2026)
وهي على مشارف نهاية ولايتها: التضخم، البطالة، ضعف الحماية الاجتماعية، أزمة السكن، وتراجع الثقة في المؤسسات. الأرقام التي تقدمها الحكومة لا تعكس الواقع، بل تكشف عن فجوة كبيرة بين الوعود والإنجازات، وهذا يضعها على عتبة أزمة سياسية حقيقية
على المستوى التشريعي
مرة أخرى، كما في الدورات السابقة، يسجل المجلس ضعف الحصيلة التشريعية في هذه الدورة، حيث لم تتجاوز النصوص المصادق عليها 27 مشروع قانون، وهو رقم يعكس محدودية الفعالية التشريعية، بينما قدمت أربع مقترحات القوانين من الفرق النيابية والمجموعة النيابية وتم رفضها، في سابقة غير مألوفة، لكون الحكومة وأغلبيتها تتصدى لمقترحات القوانين التي تتقدم بها فرق المعارضة والمجموعة النيابية. كما غابت لأول مرة الاتفاقيات الدولية بما فيها الاتفاقيات الثنائية والاتفاقيات متعددة الأطراف التي عادة ما تُصادق عليها ضمن القوانين. هذا الغياب يطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة على مواكبة التزامات المغرب الخارجية.
ورغم أن الحكومة عرضت مشروع قانون المالية لسنة 2026 باعتباره رؤية متكاملة لترسيخ الدولة الاجتماعية، إلا أن التنفيذ العملي يظل بعيداً عن الواقع المعيشي للمواطنين، حيث لم تنعكس بنوده على تحسين القدرة الشرائية أو على معالجة الاختلالات الاجتماعية العميقة. فالأرقام التي قدمتها الحكومة حول النمو الاقتصادي والحد من البطالة لم تجد ترجمة فعلية في حياة الأسر المغربية، التي ما تزال تواجه ارتفاعاً في الأسعار وتراجعاً في فرص الشغل.
كما أن مشاريع قوانين أساسية مثل مدونة الأسرة، قانون الإضراب، وقانون النقابات قانون المجلس الوطني للصحافة ..ما تزال معلقة رغم أهميتها الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يعكس ضعف الأداء الحكومي وغياب الإرادة السياسية الحقيقية لإصلاح البنيات القانونية الكبرى. هذه النصوص ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل هي مفاتيح لإصلاحات هيكلية تمس مباشرة حياة المواطنين، من حقوق المرأة والأسرة، إلى ضمان الحق في الإضراب، إلى تنظيم العمل النقابي العمل الصحفي .. استمرار تعطيلها يضعف الثقة في المؤسسات ويؤكد أن الحكومة عاجزة عن فتح أوراش الإصلاح الكبرى التي وعدت بها في برنامجها.
وإذا أضفنا إلى ذلك غياب رؤية واضحة لتسريع وتيرة التشريع، وتكرار تأجيل مناقشة نصوص ذات أولوية، فإننا أمام دورة تشريعية تكاد تكون فارغة من الإنجازات النوعية، وهو ما يكرس صورة حكومة تفتقر إلى المبادرة، وتكتفي بتدبير يومي للأزمات دون القدرة على صياغة حلول استراتيجية.

على المستوى الرقابي:
أنتج النواب والنائبات في هذه الدورة 2269 سؤالا كتابيا، منها 692 للمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، بنسبة %30,50، علما أن المجموعة النيابية تمثل %3,29 فقط من المجلس. فيما توصل النواب بـ 1052 جوابا فقط من الحكومة.
أما رئيس الحكومة فلم يحضر الا في جلستين فقط من أصل أربع جلسات مخصصة للمساءلة الشهرية بمجلس النواب في هذه الدورة.
ولم يعرض في هذه الدورة على المجلس أي تقرير من تقارير المهام الاستطلاعية المؤقتة، والشيء نفسه بالنسبة لتقارير المجموعات الموضوعاتية؛ ومنها تقارير منتهية منذ مدة؛ اذكركمثال تقرير المهمةالاستطلاعية حول مقالع الرخام والرمال بالمغرب ، وأخرى توقفت دون معرفة السبب.
على المستوى الاقتصادي
للسنة الخامسة على التوالي، ما تزال الحكومة عاجزة عن إيقاف موجة ارتفاع الأسعار التي تنهك الأسر. فرغم أن الناتج الداخلي الخام تجاوز 160 مليار دولار حسب الأرقام الرسمية، إلا أن هذا لم ينعكس على تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، بل ظل مجرد رقم في تقارير الحكومة.
الواقع اليوم يؤكد أن النمو الاقتصادي المعلن لم يصل إلى جيوب المواطنين، حيث تتزايد تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق. والتضخم الذي أعلنت الحكومة تراجعه إلى أقل من 1% عاد للارتفاع بشكل مقلق في المواد الغذائية الأساسية، فسجلت أسعار الخضر والحبوب زيادات تفوق 15% في بداية 2026، فيما ارتفعت أسعار اللحوم والدواجن بنسبة قاربت 12%. كما شهدت أسعار الزيوت والمواد الأساسية الأخرى زيادات متواصلة، مما جعل سلة الاستهلاك اليومية للأسر أكثر كلفة، وأدى إلى تآكل القدرة الشرائية حتى لدى الطبقة المتوسطة التي كانت تعتبر صمام أمان اجتماعي.
أما البطالة فما زالت عند حدود 13% سنة 2025، وهي نسبة غير مسبوقة على مدى عقدين، مع استمرار فقدان آلاف الشباب للأمل في سوق الشغل، خاصة في المدن الكبرى والجهات المهمشة. البطالة لم تعد مقتصرة على الشباب حديثي التخرج، بل طالت أيضاً فئات من ذوي الخبرة، مما يعكس أزمة بنيوية في سوق العمل.
الوعود الحكومية بخلق مليون منصب شغل خلال خمس سنوات لم تتحقق والرقم المعلن تبخر! ولم تستطع الحكومة تحقيق حتى رُبعه، في سابقة أخرى؛ إذ لم يتجاوز عدد المناصب المحدثة 213 ألفاً، أغلبها هشّة ومؤقتة، بينما أغلقت أكثر من 12 ألف مقاولة صغيرة أبوابها بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والضرائب، وهو ما أثر بشكل مباشر على النسيج الاقتصادي الوطني وأدى إلى فقدان آلاف فرص العمل.
القطاع الفلاحي الذي كان يفترض أن يشكل رافعة للنمو عرف تراجعاً ملحوظاً بسبب الجفاف وارتفاع أسعار المدخلات، وعدم اتخاذ سياسات ناجعة؛ مما أثر على الأمن الغذائي الوطني. الإنتاج الزراعي تراجع بنسبة 8% مقارنة بالسنة الماضية، فيما ارتفعت واردات الحبوب بنسبة 20%، وهو ما جعل المغرب أكثر عرضة للتقلبات الدولية في أسعار الغذاء.
إلى جانب ذلك، تم تسجيل ضعف في دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، حيث لم تتجاوز نسبة المستفيدين من برامج الدعم 18% من مجموع المقاولات، في حين بقيت الأغلبية خارج أي مواكبة أو تحفيز. كما أن الاستثمارات العمومية لم تحقق الأثر المنتظر في تحريك عجلة الاقتصاد، إذ تركزت في مشاريع كبرى دون أن تنعكس على التشغيل المحلي أو على تحسين الخدمات الأساسية.
كل هذه المؤشرات تؤكد أن الحكومة لم تنجح في مواجهة الأزمة الاقتصادية، وأن خطابها حول الدولة الاجتماعية ظل بعيداً عن الواقع، حيث يعيش المواطنون يومياً ضغط الأسعار، ضعف فرص الشغل، وتراجع الأمن الغذائي، في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة قادرة على مواجهة التحديات المتتالية.

على المستوى الاجتماعي
ورش الحماية الاجتماعية يشهد ارتباكاً واضحاً؛ ملايين الأسر فقدت حقها في الدعم المباشر بسبب معايير غير شفافة وغير عادلة، فيما بقيت فئات واسعة خارج التغطية الصحية رغم الوعود المتكررة بتعميمها. هذا الارتباك جعل المواطنين يفقدون الثقة في قدرة الحكومة على إدارة هذا الورش الاستراتيجي، خاصة وأنه يُفترض أن يشكل العمود الفقري للدولة الاجتماعية.
الإضرابات في التعليم والصحة والجماعات الترابية تواصلت بشكل غير مسبوق، وأدت إلى شلل فعلي في الجامعات وكليات الطب والصيدلة، وتوقف الدراسة في آلاف المؤسسات التعليمية. برنامج مدرسة الريادة الذي تعول عليه الحكومة لإصلاح منظومة التربية والتعليم يواجه مشاكل عديدة تتعلق بضعف الموارد، غياب التنسيق، وعدم وضوح الأهداف، مما جعله عاجزاً عن تحقيق التغيير المأمول.
القدرة الشرائية تراجعت بشكل خطير، حيث لم تعد الطبقة المتوسطة قادرة على الادخار أو مواجهة تكاليف الحياة اليومية، مما يضعها على عتبة الانحدار نحو الهشاشة. هذا التراجع لم يقتصر على الاستهلاك، بل امتد إلى فقدان الثقة في المستقبل، حيث باتت الأسر عاجزة عن التخطيط طويل المدى، سواء في السكن أو التعليم أو الصحة.
السكن الاجتماعي الذي وعدت الحكومة بتوسيعه عرف ركوداً كبيراً، حيث لم يتجاوز عدد الوحدات المنجزة 30% مما كان مبرمجاً، تاركاً آلاف الأسر في مواجهة أزمة السكن، وارتفاع أسعار الكراء بشكل غير مسبوق. هذا الوضع أدى إلى تفاقم الهشاشة في المدن الكبرى، وإلى بروز أحياء عشوائية جديدة في ضواحي المدن.
الخدمات الصحية تعاني من نقص حاد في الموارد البشرية، حيث تشير الأرقام إلى عجز يفوق 32 ألف طبيب وممرض، في وقت تتزايد فيه حاجيات المواطنين. القطاع عرف أزمة خانقة طيلة السنة المنصرمة، عجزت الحكومة أمامها عن الإصلاح وعن تدارك ما يمكن تداركه، مما أدى إلى اكتظاظ المستشفيات، طول مواعيد الانتظار، ونقص الأدوية الأساسية.
إلى جانب ذلك، سُجل ضعف كبير في برامج التشغيل الموجهة للشباب، حيث لم تتجاوز نسبة المستفيدين من برامج الإدماج 10% من مجموع الباحثين عن العمل، فيما بقيت الأغلبية خارج أي مواكبة أو دعم. كما أن برامج الدعم الاجتماعي المباشر فقدت فعاليتها بسبب اعتماد مؤشرات غير دقيقة، مما أدى إلى إقصاء أسر فقيرة كانت تستفيد سابقاً من الدعم.
كل هذه المؤشرات تؤكد أن الحكومة، وهي في أشهرها الأخيرة، لم تنجح في مواجهة الأزمة الاجتماعية، وأن خطابها حول الدولة الاجتماعية ظل بعيداً عن الواقع، حيث يعيش المواطنون يومياً ضغط الأسعار، ضعف الخدمات، وتراجع الأمن الاجتماعي، في ظل غياب رؤية واضحة قادرة على مواجهة التحديات المتتالية.

على المستوى السياسي
سجلنا غياباً متكرراً ومزمناً لأعضاء الحكومة عن الجلسات الرقابية، في مؤشر سلبي على تعاملها مع المؤسسة التشريعية، وهو ما يضعف الدور الرقابي للبرلمان ويكرس صورة حكومة غير مبالية بمبدأ المحاسبة. هذا الغياب لم يعد مجرد حالات معزولة، بل أصبح سلوكاً ممنهجاً يعكس استخفافاً بالمساءلة الديمقراطية.
الحكومة واصلت نهج المقاربة الأحادية في تنزيل الإصلاحات، متجاهلة الحوار المجتمعي الحقيقي، وهو ما أدى إلى توتر العلاقة مع المعارضة والنقابات، وخلق حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي. المقاربة المنفردة جعلت الإصلاحات الكبرى رهينة قرارات فوقية لا تراعي التوازنات ولا تشرك الفاعلين الأساسيين، مما أضعف فرص نجاحها وأفقدها الشرعية المجتمعية.
مشاريع قوانين أساسية مثل مدونة الأسرة، قانون الإضراب، قانون النقابات ،قانون الصحافة ..ما تزال معلقة رغم أهميتها الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يعكس ضعف الأداء الحكومي وغياب الإرادة السياسية الحقيقية لإصلاح البنيات القانونية الكبرى. هذه النصوص ليست مجرد أوراق مؤجلة، بل هي ملفات حيوية تمس مباشرة حياة المواطنين، واستمرار تعطيلها يضعف الثقة في المؤسسات ويؤكد عجز الحكومة عن فتح أوراش الإصلاح الكبرى التي وعدت بها.
الثقة في المؤسسات تراجعت بشكل مقلق، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن أكثر من 60% من المواطنين لا يثقون في قدرة الحكومة على تحسين أوضاعهم. هذا التراجع في الثقة يعكس فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع الملموس، ويضع مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي على المحك.
إلى جانب ذلك، برزت أزمة داخل الأغلبية الحكومية نفسها، حيث اهتزت بفعل الخلافات الداخلية وعدم انسجام مكوناتها، مما انعكس على ضعف التنسيق في البرلمان وتعثر تمرير عدد من النصوص. هذا الارتباك داخل الأغلبية يعكس غياب رؤية موحدة ويؤكد أن الحكومة تفتقر إلى قيادة سياسية قوية قادرة على ضبط إيقاعها.
الأكثر دلالة هو تراجع رئيس الحكومة عن قيادة حزبه، وهو مؤشر خطير على تهربه من تقديم حصيلة الحكومة التي يقودها، ومحاولة التنصل من المسؤولية السياسية المباشرة أمام الرأي العام. هذا الانسحاب من القيادة الحزبية يضعف موقعه السياسي ويؤكد أن الحكومة تعيش أزمة ثقة داخلية وخارجية، وأن رئيسها لم يعد قادراً على الجمع بين قيادة الحزب وتدبير الشأن العام.
كل هذه المعطيات تؤكد أن الوضع السياسي الراهن يتسم بغياب الانسجام، ضعف القيادة، وتراجع الثقة، مما يجعل الحكومة أمام تحديات كبرى لم تستطع معالجتها، حتى الآن، وهي على مشارف نهاية ولايتها: التضخم، البطالة، ضعف الحماية الاجتماعية، أزمة السكن، وتراجع الثقة في المؤسسات. الأرقام التي تقدمها الحكومة في حصيلتها المرحلية لا تعكس الواقع، بل تكشف عن فجوة كبيرة بين الوعود والإنجازات، وهذا يضعها على عتبة أزمة سياسية حقيقية. والراجح أنها بعيدة عن تبني مقاربة تشاركية حقيقية تعيد الثقة للمواطنين والمؤسسات. المطلوب اليوم هو إطلاق حوار وطني شامل حول الإصلاحات الهيكلية الكبرى، وتبني مقاربة تشاركية حقيقية، بدل الاكتفاء بخطاب الإنجازات الذي لا يجد له المواطن أثراً في حياته اليومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock