يوميات نائب في المدينة
نور الدين الرياحي
كلما قرأت لمنارة سوس أتعلم من جديد دروسا جديدة في العلم و الأدب و الشعر و الأخلاق و الجمال و الحب ، و تستفزني دائماً كتاباتك سيدي عز الدين و لو كنت في عطلة و لا تكفي القراءة فقط و إنما أستفز استفزازا ينعدم فيه حتى عنصر الإرادة لدي خصوصا عندما تشاركني أقلام ادبية رفيعة مثل ذ المؤذن و ذ عبد الهادي و ذ الشني و للا كريمة الإدريسي و عندما بحثت عن ذالك و جدت ان الأديب الحقيقي و الأسلوب الراقي و المعبر في الكتابة هو ما يجعل القارئ كيفما كان نوعه يلهم و يتسابق الى الرد كذلك السكران المنتشي بالخمرة او الموسيقى فلابد له ان يعبر و لو بكلمة الله الله الله حمدا للخالق ان أعطاه هذه اللذة الممتعة ، و انا لا يمكن ان أقول لك شيئا سوى انني تعلمت في مدرسة بعد التحاقي كقاضي نائب في الدار البيضاء في إطار النظام القديم سنة 1979 و انت تعلم بان ذاك النظام كنا نمارس العمل القضائي مباشرة بعد اداء اليمين شهورا قليلة من الالتحاق بالمعهد القضائي و بالتالي فإن تكويننا في عمل كالدار البيضاء و بنيابة عامة يترأسها المرحوم المكي نو شريف مع مجموعة من أساتذة كبار فيها مثل ذ مصطفى مداح الوكيل العام للملك الحالي بمحكمة النقض و ذ الطيب انجار رئيس الغرفة الجنائية الاولى و المرحوم ذ امنزول محمد و ذ الطيب الأزرق المترافع الكبير آنذاك و الذي مارس المحاماة فيما بعد و ذ الياسيني سعيد و ذ مولاي التهامي المتواضع ، أطال الله عمره كان العمل فعلا يحتاج الى تكوين على يد هؤلاء الجهابذة القانونيين من جهة و على يد كبار المحامين الذين كانوا يترافعون في ملفات كبيرة ، و من جملة ما اذكر ان تمثيلية النيابة العامة كانت تجبرني ليس فقط على دراسة الملفات بكل ثقلها و إنما الاستعداد للترافع بالرجوع الى اجتهادات المجلس الأعلى آنذاك و محكمة النقض المصرية و محكمة النقض الفرنسية ، مما اكسبنا أسلوبا في البحث سهل لنا فيه دالوز كثيرا من الأمور و ذ احمد الخمليشي و المرحوم ذ المجبود و الفقيه جارسون الابن و الأب كل ذلك من اجل مبارزة كبار المحامين أمثال المرحوم ذ محمد التبر و المرحوم ذ خليل مبارك و المرحوم ذ الطاهري و المرحوم النقيب وزير العدل ذ الناصري و المرحوم النقيب ذ الودغيري و المرحوم النقيب ذ عبد الرحمان الخطيب وزير الداخلية السابق و المرحوم النقيب ذ المعطي بوعبيد الوزير الاول ووزير العدل و النقيب ذ درميش و النقيب ذ الشهبي و ذ حميد الأندلسي و ذ الطيب عمروغيرهم من قضاة القضاء الجالس و رؤساء المحاكم أمثال الفقيه ذ امحمد بناني و الذي انصح جميع القضاة بالاطلاع على قراراته في المادة التجارية في مجلات المجلس الأعلى و التي كانت متعة في الأسلوب و القانون يا حسرة على رحم قضائنا الذي لم ينجب بعد قضاة في مثل هذه القامات و قرارات ذ احمد عاصم رحمه الله في ظهير 1955و قرارات ذ حمو مستور و قرارات ذ العزوزي و قرارات ذ الطاهر سميرس و قرارات ذ ابو مسلم الحطاب و قرارات ذ ماكسيم ازولاي في القضاء الاداري و قرارات ذ الحمياني و قرارات ذ الضحاك عندما كان ممارسا في النيابة العامة و قضاء التحقيق و قرارات ذ سعيد بناني في مادة الشغل و قرارات ذة زهور الحر و أبحاثها ، و ملتمسات ذ احمد الموساوي و قرارات سيدي عبد العالي لعبودي و قرارات ذ احمد قسطيط في المادة المدنية و ذ عبد الواحد الجراري و ذ الفقيه رئيس القسم التاسع احمد صبري الذي علمنا تقنية النقض و أسرارها و التي كان يمكث القضاة سنين طويلة في البحث على أساليبها و لا يفوز الا القليل منهم بتعلمها ، وكنا حتى بعد التحاقنا بمحكمة النقض منذ 15 سنة عندما نحرر تعليقات في المجلة ننتظر من لجنة كانت متكونة من فقهاء للقانون أمثال ذ بلمحجوب لمعرفة فيما اذا تم قبول كتاباتناو تعليقاتنا للنشر و التي كانت و الحمد لله تقبل بقبول حسن ،وكانت مجلات محكمة النقض تخرج في أبهى الصور و أجملها أسلوبا و علما و بحثا و كم اذكر و انا في بداية التحاقي بمحكمة النقض التي اخترتها عن طيب خاطر و تشرفت بالانتماء اليها رغبة في بلوغ ذلك المحراب القانوني و النهل من معينه زيارة ذ محمد التبر الذي جاء بنفسه للبحث عن آخر القرارات و قال لي تلك الكلمة التي كان يرددها بعد كل مرافعة كنا خصوما قانونيين فيها :
ان ما يجمعنا هو حب الفن القانوني .
و كانت هذه العبارة جد بليغة لان القانون فن قبل ان يكون نصوص و ان تفسيره فن آخر و ان تطبيقه مجموعة من الفنون ، و كم كان الاعتزاز بانتمائنا لمحكمة النقض يزيد من عزمنا عندما نسمع من أساطين القانون العالميين كالمرحوم هرناندو رئيس المحكمة العليا بإسبانيا و الاستاذ ناضال الوكيل العام لد محكمة النقض بفرنسا و الذي كان كلما بعث لي برقية تهنئة زاد بخط يده الى المحامي العام و صديقي العزيز ، و الاستاذ كانيڤي رئيس محكمة النقض الفرنسية الذي هنأ أستاذنا ادريس الضحاك بترجمة أزيد من 1000قرار جنائي و في مختلف المواد لا زالت تضمها خزانة محكمة النقض الى يومنا هذا ترجم العبد الضعيف أكثر من خمسها و تولت لجنة من كبار القضاة و الأساتذة الجامعيين المنتمين الى محكمة النقض آنذاك في مطلع العقد الأخير انتقاءها فكانت روعة في الإبداع شهد بها هؤلاء القضاة العالميين امام الملأ بمقدرة القضاة المغاربة و تشعب ثقافاتهم ، و لم ادري كيف استطاع الاستاذ ادريس الضحاك ان يجمع في طاولة واحدة مجموعة من كبار القضاة الذين كانوا مديرين في وزارة العدل و التحقوا بمحكمة النقض أمثال المرحوم ذ عمر درمو و المرحوم ذ عبد الصمد الحجوي و ذ ادريس ملين و كنا مجموعة من القضاة معهم نتنافس على من يترجم اكبر عدد من القرارات ، مع العلم بان المشكل كان في المحافظة على روح الاجتهاد بالعربية و نقله سليما الى الفرنسية ، و قد نجح معلمنا الجليل ذ ادريس الضحاك في ذلك و أصبحت بواسطة تلك القرارات محكمة النقض المغربية عضوا في l ajucafا اي جمعية المحاكم العليا الناطقة باللغة الفرنسية عبر العالم و استمعنا في مراكش الى كلمة الرئيس الفرنسي التي قالها في رئيسنا بواسطة سفير فرنسا آنذاك وسمعنا لأول و ربما لآخر مرة كلمة تشيد بعبقرية قاض مغربي كالاستاذ ادريس الضحاك ، و تناول الكلمة بعد ذلك الرئيس السابق عبدو ضيوف بقامته الطويلة كرئيس للجمعية الفرنكفونية و الذي أشاد هو الاخر بالمستوى العالمي لقضاة محكمة النقض ، فعلا كنا نشعر بان انتماءنا لهذا الصرح القانوني شرف ما بعده شرف و كنا بمعية من التحق بنا من القضاة الشباب آنذاك أمثال ذ امين عبد الهادي و ذ التهامي الدباغ و ذ احمد لكسيمي قيدوم قضاة التحقيق و ذ محمد صبري و ذ أعبابو و ذ المنتصر الداودي و ذ مرشان حسن و ذ رشيد عثمان و ذ بلعياشي و ذ مولاي يوسف الإدريسي و ذ عامر و ذ الجعفري و ذة بيزوط.و ذة التكلانتي و ذ عبد اللطيف مشبال و ذ طريبق و ذ عبد الصمد بنعجيبة و أخيه ذ سيدي محمد بن عجيبة أخوال سيدي نوفل بن عجيبة نائب كاتب عام رابطة قضاة المغرب و ذ عمر الدهراوي و زوجته المصونة ذة نزيهة الحراق و ذ بن حمو و ذ جليل خالد الذين جمعتني معهم النيابة العامة بالجديدة حين كنت اترأسها في سنة 1987و ذ القيسوني و ذ بلقسيوية و ذ بناني و زوجته المصونة ذة الفاسي الفهري سلوى زميلي في الفوج و ذة عتيقة السنتيسي و ذة أمينة الجراري و ذ فجر و ذة الكتاني و ذة عنتر زوجة الفقيه الدستوري الاستاذ منوني و ذ إكرام الرئيس الاول السابق لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء و ذ بو رمضان و ذ و ذ سجلماسي وكان هناك قضاة في الظل يعملون وراء الكواليس و يسهرون الى ساعات متأخرة من الليل في جنبات محراب محكمة النقض أمثال الاستاذ ميلود لقصير للتنسيق في صمت و تواضع بين هذه المجموعة التي لم تسعفني ذاكرتي لتذكر باقي أفرادها و التي سوف يأتي الوقت للتكلم عليها في مناسبة لاحقة ان شاء الله فلتعذرني ، و قد سماها استاذنا ادريس الضحاك اثناء ذلك الحفل التكريمي الذي اصبح عادة للقضاة الذين تقاعدوا و كان الحفل يكون بهيجا و رسميا تلقى فيه الخطب للتذكير بالشخصيات التي أنهت مسارها المشرف في محكمة النقض و كان لي شرف رئاسة جمعية قضاة و موظفي المجلس الأعلى لمدة اربع سنوات و كم كنا سعداء حينما نسلم بمعية امين المال القاضي الاداري ذ الفرخ و ذ ميلود لقصير و المرحومة فاطمة الحلاق و الموظفين المشكلين لمكتب الجمعية هدايا رمزية لجميع القضاة و بدون استثناء ممن وصفهم ذ ادريس الضحاك بتلك العبارة التاريخية الفسيفساء القضائية و الذي عبر عن أسفه كلما غير التقاعد و غيب عنها قضاة و قاضيات في ذلكم المستوى لتتغير و تصبح من جديد فسيفساء اخرى سرعان ما تتغير هي الاخرى و تلك سنة الحياة .
و كم كانت تتزين هذه الفسيفساء بمسؤولين قضائيين كبار أمثال ذ مصطفى مداح الذي بمجرد التحاقه بمحكمة النقض بعدما كان مسؤولا و مديرا لإدارة السجون لمدة كبيرة ان يوثر الالتحاق كرئيس غرفة و يقوم بتحرير قرارات تحمل اسمه لحد الان و استطاع بنبوغه المعهود ان يتسلح بتقنيات النقض و يسبر أغوارها و يتحكم فيها تحكما اعفاه من تلك الخبرة لما عينه صاحب الجلالة على رأس النيابة العامة في المملكة ، كما انه ذكرني عندما التحقت بمحكمة النقض منذ 15 سنة مضت و خيرني الوكيل العام آنذاك الاستاذ حسن العوفير بها شافاه الله بين العمل في الديوان وسط المديرين الملحقين بمحكمة النقض و بين تمثيلية النيابة العامة في الجلسة ، و قد سبقني و نصحني الرئيس الاستاذ أحمد قسطيط عضو المجلس الأعلى للقضاء سابقا و الذي كان يشغل منصب رئيس غرفة الى ان اختار الجلسة قائلا :
ان القاضي لا يمكن ان يعتبر كذالك الا اذا كان يقوم بعمل قضائي فهل يتصور لاعب او فنان خارج ملعب او مسرح ليسمى لاعبا او فنانا كذلك القضاء يجب ان يبقى القاضي قاضيا .
و قد ترحمت عليه و هو على قيد الحياة على هذه النصيحة اذ لولاها لما تعلمت و لما نشرت القرارات التي شاركت فيها زملائي و لما علقت عليها بذلك الأسلوب القانوني الذي من الصعب اكتسابه و سط أساطين الفكر القضائي .
كما ذكرني قيدومنا سيدي احمد الموساوي و انا احكي له الواقعة بان الاستاذ محمد الفاسي القاضي و الكاتب العام لوزارة العدل و قاضي محكمة لاهاي الدولية كان رحمة الله عليه ينصح رؤساء محكمة النقض أصدقاؤه المتعاقبين بضرورة ترأس و لو جلسة رمزية حتى يخلدوا أسماءهم في سجلات هذه المحكمة و قد قرأت للأستاذ الفقيه عبد الهادي امين ان احد الرؤساء في احدى محاكم النقض بدول الخليج كانت له جلسة أسوة بباقي قضاة محكمة النقض و كان يبحث يوميا في النقط القانونية كباقي زملاءه الذين لا يعتبرهم مرؤوسين و إنما قضاة أمثاله ، و كم أعجبني حديث الاستاذ امين عن هذه الشخصية بأسلوبه الساخر حينما قال لي ان هذا الرئيس كان اول من يأتي لمحكمة النقض بهذه الدولة الشقيقة و كان يسبق القضاة الى مكاتبهم ليبارك لهم الأعياد مقارنا و هي دروس في التواضع و عدم التكبر على الزملاء و الزميلات و تمعن في حكمة الترفع على بعض النقائص التي تفضحها سلوكات معينة .
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
مهما خالها تخفى عن الناس تعلم
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده
فلم تبق الا صورة اللحم و الدم
كما كان يقول الشاعر.
و كم كان يروقنا و نحن قضاة شباب ملتحقين بمحكمة النقض ان نتبادل الحديث على هامش المداولات و نشرب كؤوس الشاي و نستمع الى أهرام قضائية كنا فقط نسمع عنها او نقرأ لها او نهتدي باحتهادتها و كنا نضعها في مصاف الآلهات اليونانية فإذا هي أشخاص عادية تأكل الطعام و تمشي في الاسواق و تتبادل معنا الضحك على نكتة او قولة ، فندرك حينئذ طيبوبتها و هي تشعرنا بأننا نتقاسم الزمالة معها حفاظا على شعورنا باي نقص يمكن ان يعتري نفسيتنا من شهرتها فيزيد تواضعها إكبارا فينا لها ، و كم كانت تعجبني اطلالة احد القضاة الكبار و هو يمشي الهوينا مبتسما و محييا بيده اليمنى كل من صادفه ممن يعرفه ، و كنت أتساءل مع نفسي هل لقضاة النقض مشية خاصة ، و أدركت فيما بعد ان ذلك الهرم القضائي كان يعاني من بعض الأمراض في ساقيه تمنعه من المشي العادي الا ان حركات عينيه و تصلب رقبته اللتين تغطيهما ابتسامته الحلوة و نظرة عينيه و أدبه الجم يجعلك تنحني إجلالا له و تقديرا .
و نفس الشيئ تشعر به امام قاضيات محكمة النقض اللواتي كنا ننظر إليهن كأنصاف آلهة سرعان ما تستفيق من أحلامنا عندما ندرك بأنهن يتسارعن نحو مرأب السيارات لتقول إحداهن بأنها ذاهبة الى تفقد أحفادها و القيام بواجباتها المنزلية لان زوجها لا يأكل الا من طابق صنعته يدها ، فتتساءل هل مصدرة تلك القرارات لا زال لها الوقت للقيام بالاعباء المنزلية . و لا زالت صورة ذة الجليلة زبيدة الناظم أمامي و هي تقبل عليك بابتسامة سحرية وسط ذلك الركام من الملفات التي تنظمها اسما على مسمى ، و قد عودتنا ذة زبيدة من الدلال درجة جعلتنا نستبق القول و الدعايات أمامها احيانا فتبتسم في أوجهنا بحضور المرحوم ذ عبد الله الحنفي الذي كان اول من قدمني لها في نهاية تسعينات القرن الماضي و انا حديث الالتحاق بمحكمة النقض .و كلما تذكرت حادثة و قعت لي مع احدى رئيسات الغرف الا انتابني خجل شديد ذلك انه من فرط احترامي لهن و تقديري كنت اصافحهن و رأسي الى الأسفل دليل اتيكيت السلام على القاضيات الكبيرات علما و عقلاً بحيث كما ان قواعد الاتيكيت تفرض على جنتلمان تقبيل يد الجميلات و الانحناءة لهن في السهرات فإنها تفرض على القضاة مصافحة القاضيات باليد و النظر الى أسفل الارض حتى لا تلتقي العيون ببعضها ، و عندما كنت احاول تطبيق قواعد الاتيكيت هذه مع احد الرئيسات كعادتي بادرتني الى القول :
ارفع رأسك و انظر إلينا و كانت بصحبة زميلتها ألاننا تقدمنا في السن لا تريد النظر في وجهنا .
فعلا اختلط علي الامر و ما عرفت ان كانت تمزح زميلتي ام تنتقد سلوكي ، فحاولت ان أفسر لها موقفي الحرج لاقتعها بأنني افعل ذلك زيادة في الاحترام لهن كزميلات .
لما بادرتني بالقول و ها انت سترفع رأسك و ستصافح ذة الفلانية بطريقة اخرى و لم أكد اسمع صوت زميلتي في الكلية و المعهد التي التحقت بمحكمة النقض حتى رفعت رأسي لانها كانت آتية من ورائي و كانت تنظر آلى خطواتها محذثتي و كان الله أعطاها دليل لادانتي ، لكن مرافعة صديقتي القديمة لتبرير سلوكي مع الزميلات كانت كافية للفوز ببراءتتي .و منذ ذلك اليوم فرطت في قواعد الاتيكيت و كلما أردت مصافحة زميلة في محكمة النقض خصوصا من هي اكبر مني علما ضربت الف حساب و حملقت فيها جيدا درجة ان بعضهن أصبحن يسألني عن بعض النكت التي كانت تتسرب إليهن عن طريقة بعض زميلاتي اللواتي كن يعتبرنني بمثابة اخيهن الصغير المدلل ، و كم كانت لنا ذكريات جميلة داخل المغرب و خارجه في عدة مؤتمرات و كانت إحداهن تخبر زوجتي بأنها نصبت نفسها نائبة عليها لإحصاء المرات العديدة التي كنت اخرج اتبضع فيها في بعض العواصم المغرية سرعان ما تجيبها بأنها أعطت لها تفويضا خاصا لمراقبة حسن السلوك و الانظباط .
و كم هي ذكريات بريئة تجعل الانسان يشعر بانه يقضي اجمل أوقاته في العمل و التعلم كلما دخل ذلك المحراب الذي يصعب فيه حتى التعود على الابتسامة نظرا للجدية البالغة لمرتاديه الذين يحمل كل واحد فيهم تاريخا و قصة حياة بليغة و ماضيا من الصعب تدوينه .
هذه الفترات تجعل من قاضي محكمة النقض قاضيا آخر فهو ليس قاضي الموضوع لذلك علمت بان سر انشاء القضاء العالي في الديمقراطيات العريقة يشترط سنا معينا للولوج اليه فكيفما كانت عبقرية القاضي و درجته و نبوغه لا تشفع له الانتماء بقدر ما يشفع السن و انا اذكر كلمة جليلة لأقوى وزير في العدل شهده القضاء المغربي المرحوم مولاي مصطفى بلعربي العلوي و قد تم تكليفي بالدرجة الاولى سنة 1993 بعدما انعم علي جلالة المغفور له الحسن الثاني بذلك في احدى المحاكمات الشهيرة ، عندما عبرت عن طلبي في الالتحاق بالمجلس الأعلى و انا لا زلت في بداية الثلاثينيات من عمري فأجابني مبتسما :
لا عليك يا ابني انت تريد ان يستهزئ بي قضاة النقض لأرسل اليهم شابا في سن أبنائهم ان لم اقل حفدتهم ، ان محاكم النقض هي نهاية مطاف القاضي و يجب ان يعطي فيها عصارة حياته كلها في القضاء تجربة و عملا و ليس جزء من حياته ، ثم تظن ان هؤلاء الأهرام القضائية يرضون ان يشاركهم شباب في علمهم و تجربتهم و يكون له صوت معهم ، هذا ليس إقصاء للشباب عندما فهم من ملامحي تساؤلي عن تأكدي من أن ذلك يتنافى مع ثقته في مقدرة الشباب ليجيبني بجواب لم أدرك مغزاه الا بعد قضائي ما يزيد على 15 سنة بهذه المحكمة :
لو كان الامر في سهولة ما تبتغي لما كانت الدول العريقة قد انشأت المحاكم العليا فهي ليست كذلك فقط بعلم و شواهد أصحابها و إنما بتجربتهم و سنهم و تاريخهم و الشاب اذا كان في استطاعته الحصول على الدرجة فليس في استطاعته الحصول على التجربة و التاريخ الذي لا يصنع بين عشية و ضحاها .
لذلك عمر كثير من القضاة في المحاكم العليا و لم يخرجوا بالدرجة الاستثنائية التي كانت تعرض في المجلس الأعلى للقضاء بصفة فريدة يتبارى عليها قضاة و قاضيات و لا يفوز بها الا من رحم ربك و كم من القضاة الأكثر اجتهادا و علما و نزاهة لم تكتب لهم في القرن الماضي و لم يتيسر ذلك الا بعد نضال طويل للقضاة التزمت فيه الحكومة في بداية القرن الحالي تعويض الرفع من أجور القضاة بتسهيل ولوجهم الى الدرجات حسب التقييد في جدول الترقي و طلب وزارة المالية بتخصيص مناصب مالية لهذا الغرض و هو مما سهل على أزيد من 1400 قاض اليوم التمتع بالدرجة الاستثنائية في حين الى حدود 2004 لم تكن تتعدى العشرات ، و كانت الطامة الكبرى هي قبل تسوية الوضعية في سنة 1995 حيث ان غالبية القضاة الذين أدركتهم هذه السنة في سن التقاعد و خرجوا بالكاد بالدرجة الاولى او حتى الدرجة الاستثنائية يتقاضى البعض ممن لا زال على قيد الحياة أطال الله عمرهم او أراملهم ما لا يزيد عن سدس أمثالهم من الأجرة الذين تقاعدوا في سنة 1996 اي بعد دخول قانون التسوية المادية لهم ، و لا زلت اذكر ان وضعية بعضهم أحيلت على الجناب الشريف آنذاك للاحتفاظ برواتبهم حتى وفاتهم ، و من جملتهم المرحوم المكي نوشريف الذي قضى في المسؤولية القضائية وحدها منذ سنة 1962 عندما عين وكيلا للملك بوجدة الى غاية سنة 1989التي توفي فيها وكيلا عاما للملك بالدار البيضاء التي مكث فيها منذ 1970 الى حين وفاته رحمة الله عليه و لما دخلنا و نحن قضاة شبابا و شيوخا و مسؤولين لمنزله أصابنا ذهول كبير على المستوى البسيط الذي ظل يقبع فيه هذا المسؤول القضائي الكبير الذي كان من بين قضاة صادقوا ما عاهدوا الله عليه ، و عاش شريفا و مات شريفا اسما على مسمى ، و كم أتمنى من الله ان يعطيني الفرصة لنشر محاضر الاجتماعات الأسبوعية التي كان يحررها نائبه آنذاك في السبعينات من القرن الماضي و الثمانينات بواسطة محاضر قانونية و بحضور أهرام للنيابة العامة و التي كانت تشكل ما اطلعت عليه فيما بعد نموذجا لما آلِ اليه القضاء المصري في النيابة العامة و سموها بتعليمات النيابة العامة المصرية و صاغوها في أوامر مكتوبة تشكل أصول قضاء النيابة العامة ، و تذكرت كيف كان القضاء المغربي سباقا الى ذلك الا ان مشكلتنا نحن القضاة المغاربة اننا لا نعطي عملية التوثيق حقها ، و لو تمكنا بواسطة محاضر تلك الاجتماعات من رسم سبل السياسة الجنائية و رصد تطور الجرائم و متابعة مستجدات العوامل الاجتماعية و الاقتصادية و تأثيرها على المحيط القانوني بواسطة دراسات ميدانية لوفرنا على بلادنا مجموعة من الجهود لمكافحة الجريمة و التطلع الى تشريع يأخذ بعين الاعتبار سلامة المجتمع و تطوره و التصدي لآفات التقدم التكنولوجي و التجاري و الاقتصادي بقوانين ملائمة ، و هي مهمة يجب ان توكل لهذا الجيل من القضاة وأخص بهم جميع القضاة و القاضيات ، و أهيب بقضاة رابطة قضاة المغرب الذين استشعروا عند تأسيس رابطتهم و جعلوا من أهدافها تفعيل الخطابات المولوية السامية و هي كلها تصب في هذا الاتجاه ، ولعل مهمة هذه الأجيال الجديدة التي نشأت بعد تعريب ومغربة الجهاز القضائي و توحيده و تأسيس مؤسساته ، ان تضطلع بتنزيل السلطة القضائية عمليا بعد مستجدات دستور 2011 و هي مهمة من اصعب المهمات بالنسبة لهذا الجيل الجديد المسلح بالتكنلوجيات الحديثة ، و الشواهد العليا و التجارب التي راكموها في وقت وجيز بقياس مع أسلافهم الذين لم يكونوا يملكون منها الا النزر القليل ، و سوف نشهد في المستقبل القريب المحاكم الرقمية ان شاء الله وسوف نشهد معها إبداعات هذا الجيل في تطوير العمل القضائي ليكون شفافا اكثر و موسوم بدينامكية و نجاعة ظاهرة تجعل قضاءنا في المستوى المطلوب منه في الألفية الثالثة التي سوف تقطع مع بعض الممارسات البائدة التي اثرت على صورته ، و هذا جهاد اكبر مطلوب من الأجيال الجديدة المؤمنة برسالتها من اجل الرفع من قيمة العدل .
مدونات نور الدين الرياحي



