البرلمانية نعيمة الفتحاوي تكتب: “تعزيز المشاركة السياسية للشباب: رهان وطني مشترك”

المحور الأول: الإطار الدستوري والقانوني لمشاركة الشباب
– دستور 2011 شكّل نقطة تحول في مكانة الشباب، حيث نص الفصل 33 على ضرورة إشراكهم في الحياة العامة، وأقرّ آليات مؤسساتية مثل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.
– اللائحة الوطنية للشباب كانت خطوة مهمة لإدماجهم في البرلمان، لكنها ظلت محدودة من حيث العدد والتأثير.
– إلغاء هذه اللائحة سنة 2021 مثّل تراجعًا في التمثيلية، وأعاد النقاش حول جدوى الإصلاحات الدستورية والقانونية إذا لم تُترجم إلى نتائج ملموسة.
– هذا الإطار القانوني يبرز التناقض بين المرجعية المعيارية التي تضمن المشاركة، والواقع العملي الذي يحد منها.
المحور الثاني: العوائق والتحديات أمام المشاركة السياسية
العزوف الانتخابي: الشباب لا يرون في الانتخابات وسيلة فعالة للتغيير، ما ينعكس في نسب مشاركة ضعيفة.
ضعف الثقة في المؤسسات: الأحزاب والبرلمان لا يُنظر إليهما كقنوات تمثيلية حقيقية، بل كفضاءات تهيمن عليها النخب التقليدية.
الفساد الانتخابي: استمرار مظاهر شراء الأصوات والزبونية يضعف مصداقية العملية الديمقراطية.
الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية: البطالة وصعوبات الاندماج تجعل الشباب منشغلين بقضايا معيشية أكثر من انخراطهم السياسي.
ضعف الوساطة الحزبية: الأحزاب لم تنجح في استقطاب الشباب أو تأطيرهم بشكل فعّال، مما زاد من فجوة الثقة.
المحور الثالث: الجيل الجديد وتحولات أنماط المشاركة
يتميز الجيل الجديد (مواليد منتصف التسعينيات وبداية الألفية الثالثة) بارتباطه المكثف بالفضاء الرقمي، ما جعله يطور أشكالًا جديدة من المشاركة.
المشاركة الرقمية: عبر الحملات على وسائل التواصل الاجتماعي، الترافع الافتراضي، والنقاشات العمومية الإلكترونية.
الاحتجاج الرمزي: أشكال تعبير جديدة مثل المقاطعة الافتراضية أو الحملات التضامنية الرقمية.
الابتعاد عن القنوات التقليدية: ضعف الانخراط في الأحزاب والنقابات، مقابل حضور قوي في الفضاء العمومي الرقمي.
هذا التحول لا يعكس عزوفًا، بل إعادة تعريف للمشاركة السياسية، حيث أصبحت أكثر مرونة وتفاعلية.
المحور الرابع: المستجدات التشريعية والمؤسساتية
خطاب العرش لسنة 2024: شدد على ضرورة إعادة بناء الثقة مع الشباب عبر إصلاحات بنيوية في التشغيل والعدالة الاجتماعية.
خطاب افتتاح البرلمان لسنة 2024: أكد على إدماج الشباب في المؤسسات التمثيلية وتجديد النخب السياسية.
قانون المالية لسنة 2026: لأول مرة تضمّن دعمًا ماليًا مباشرًا لترشيحات الشباب دون 35 سنة، وحوافز للأحزاب التي تمنحهم مواقع متقدمة في اللوائح.
برامج تكوين سياسي ومؤسساتي، مع إدماج المهارات الرقمية في تدبير الشأن العام، بما يعكس وعيًا بخصوصيات جيل الشباب.
هذه المستجدات تمثل محاولة لإعادة هندسة المشاركة السياسية وفق مقاربة أكثر تكاملًا، تتجاوز الطابع الشكلي نحو إدماج فعلي.
المحور الخامس: آفاق ورهانات المستقبل
ضرورة اعتماد مقاربة شمولية تدمج البعد السياسي والمؤسساتي ضمن السياسات الشبابية، بدل الاقتصار على برامج اجتماعية أو اقتصادية.
انتخابات 2026 ستكون محطة اختبار حقيقية لإمكانات تجديد العلاقة بين الشباب والمؤسسات، وفرصة لإعادة بناء الثقة.
مسؤولية الأحزاب: فتح المجال أمام الشباب، تقديمهم في مواقع متقدمة، وتطوير آليات جديدة للتأطير.
مسؤولية المؤسسات: ضمان نزاهة وشفافية العملية الانتخابية، وتبسيط الإجراءات لتسهيل المشاركة.
مسؤولية الشباب أنفسهم: تحويل حماسهم الرقمي والاحتجاجي إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار، عبر التصويت والترشح والانخراط في العمل المؤسساتي.
الرهان الأكبر: أن تصبح مشاركة الشباب رافعة لتجديد النخب وتعزيز الديمقراطية، لا مجرد شعار سياسي.
الخلاصة:
مشاركة الشباب في الحياة السياسية بالمغرب ليست مجرد حق دستوري، بل هي ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية المشروع الديمقراطي وتجديد النخب السياسية بما يتلاءم مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع. فالشباب يمثلون نسبة وازنة من الساكنة، ويشكلون قوة حيوية قادرة على الدفع نحو إصلاحات عميقة إذا ما أُتيحت لهم الفرصة الكاملة للانخراط في المؤسسات وصناعة القرار العمومي.
رغم وجود عوائق مرتبطة بالعزوف الانتخابي وضعف الثقة في الأحزاب والمؤسسات، فإن هذه التحديات لا تعكس بالضرورة رفضًا للسياسة، بل تعبيرًا عن الحاجة إلى قنوات جديدة أكثر شفافية وفاعلية. هنا تبرز أهمية المستجدات التشريعية والآليات المؤسساتية التي أُحدثت في السنوات الأخيرة، والحوافز المقدمة للأحزاب التي تمنحهم مواقع متقدمة في لوائح الترشيح، إضافة إلى برامج التكوين السياسي والرقمي التي تستجيب لخصوصيات الجيل الجديد من الشباب.
الإصلاحات التي تم القيام بها تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات، ولتحويل الحماس الرقمي والاحتجاجي إلى مشاركة فعلية في الانتخابات المقبلة والعمليات الديمقراطية عامة. فانتخابات 2026 ستكون محطة اختبار أساسية لإثبات قدرة المغرب على إدماج الشباب بشكل أوسع، ليس فقط كناخبين، بل كفاعلين سياسيين قادرين على صياغة السياسات العمومية والمساهمة في تجديد النخب.
الرهان اليوم هو أن تتحول مشاركة الشباب من مجرد شعار إلى ممارسة واقعية، وأن تصبح جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة تعزز الديمقراطية، وتضمن أن صوت الأجيال الجديدة حاضر بقوة في رسم مستقبل البلاد.



