عيد ميلاد رابطة قضاة المغرب و مسألة الخطاب
الأستاذ عبدالهادي الأمين
تحل اليوم ذكرى ميلاد رابطة قضاة المغرب، و لابد من التذكير أن تأسيس الربطة كان نتيجة عوامل موضوعية فرضت نفسها، و دفعت إلى ضرورة تأسيس إطار جمعوي متميز، يختلف عن باقي الجمعيات التي تنشط في الساحة. فرابطة قضاة المغرب انبثقت عن مجموعة قضاة التغيير، بعد انتخابات مغشوشة عرفتها الودادية الحسنية للقضاة، قضاة التغيير هؤلاء، اجتمعوا حول برنامج أعده الأستاذ نورالدين الرياحي المحامي العام بمحكمة النقض، يشرح الوضع القضائي و يطرح بدائل للخروج من الجمود الذي تعرفه الودادية، و من النمطية التي تعيش عليها منذ إحداثها، و التي تقوم أساسا على حصر دائرة القرار في مجموعة محددة تربط بينها في الغالب رابطة انتماء جهوي، و تتدرج الامتيازات داخلها حسب درجة القرب و الطاعة، بينما جمهور القضاة خارج الدائرة المغلقة إنما تابعون و منفذون بدون أدنى حضور حقيقي في تسيير الودادية و إبداء الرأي حول توجهاتها، و يزيد من عنصر التبعية استئثار أغلب التابعين و المرتبطين بالدائرة المغلقة المشار إليها بالمسؤوليات بالمحاكم، مما يزيد القضاة خارج الدائرة المذكورة تبعية، بحكم الترهيب أو الترغيب. هذا الوضع رفضه قضاة التغيير و ثاروا عليه و عبروا بملء الفم عن الرفض المطلق، و لما كان مآلهم هو الإقصاء فإنه لم يبق بدا من القطيعة مع هذا الكيان و البحث عن إطار ينسجم مع أفكار قضاة التغيير و يتلاءم مع رغبتهم في المساهمة بإيجابية في الحراك الذي تعرفه الساحة القضائية، و رغبة البلاد في إصلاح منظومة العدالة.
لقد كان الاختيار صعب بالنسبة لقضاة التغيير، في أن ينسحبوا من الساحة و يرموا ببرنامجهم الطموح جانبا، و يتوقفوا عن أي نشاط يروم المساهمة في إصلاح القضاء، و يقفوا موقف المتفرج فيما يجري، أو الانضمام إلى إحدى الجمعيات المتواجدة على الساحة، و لما كانت هذه الأخيرة في وضعية لا تحسد عليها من الصراعات الداخلية و الانشقاقات المعلنة و الخفية، حتى و إن كان لبعضها برنامج واضح كنادي قضاة المغرب، الذي بدأ مشواره بنجاج باهر استطاع أن يستقطب أكثر من ثلثي القضاة خاصة الشباب، إلا أن سرعة الأحداث على الساحة أدت إلى ارتكاب أخطاء في اتخاذ القرارات المصيرية، كان لها أثر على تصنيف النادي كجمعية راديكالية متعصبة ، رغم وجود عناصر به ذات توجهات معتدلة إلا أن الغلبة كانت دائما للجناح الذي يستعجل في تنفيذ التصورات و بأي ثمن و بأية طريقة فلم يجد قضاة التغيير في هذا المجال مكان لهم.
أمام هذا الوضع كان لابد لقضاة التغيير من الاجتماع و طرح كل التصورات، فكان أولا الخطاب، فالمنهجية، ثم التسيير. أما الخطاب فهو الدفاع عن كرامة القضاة و استقلالهم و البحث عن كل السبل لخدمة الجانب الاجتماعي في حياتهم باعتباره عنصرا مهما في الاستقرار النفسي للقاضي و المهني أيضا. و أما المنهجية فهي الحوار مع المؤسسات المرتبطة بالشأن المهني للقضاة و إعداد دراسات واقعية للتصورات و طرحها للمناقشة في إطار مراعاة هيبة القضاء و الوضع العام للبلاد، مع الإيمان بأن السلطة القضائية هي جزء من الدولة و لا يمكن أن تنشط خارجها أو تباشر أي نشاط إلا من داخلها و بشراكة معها و في إطار برامجها و مخططاتها العامة.
أما التسيير و التدبير فقد تم الاتفاق على اعتماد الديمقراطية سبيلا لاتخاذ القرارت، و إفساح المجال للشباب للتعبير عن أفكارهم بكل حرية بتأطير من قدمائهم و ترسيخ مبادئ الكرامة و الاستقلالية في نفوسهم، بنبذ التملق و التبعية العمياء و الطاعة و التعود على التعبير عن الرأي بموضوعية مع احترام الأشخاص و المؤسسات و خوض حوار هادئ و مسؤول. و هذا سر نجاح رابطة قضاة المغرب، فعيد ميلاد سعيد.



