الصدمة كانت قوية
كنا نتوقع اكتساحا لرابطة قضاة المغرب للساحة القضائية، و كذلك نجاحها و أن توفق في إقناع قضاة بارزين و مرموقين و لهم وزن في مجال القضاء، علما و كفاءة و نزاهة، بالانضمام إليها، و كنا نتوقع أيضا أن تحدث رجة عنيفة في الوسط القضائي، و أن تكون الصدمة قوية لمن ألف تأثيث المشهد و البروز المسرحي أمام عدسات الكاميرات و ملء صفحات الجرائد بصوره، و مقالاته التي تطبعها لغة الخشب. إلا أن ما لم يكن يخطر بالبال هو ردود الفعل القوية و غير المحسوبة التي طالت الرابطة و أعضاءها، إلى حد المساس بشرفهم و أخلاقهم و نزاهتهم، لكن حكمة الرابطة جعلتها تترفع عن الدخول في سجالات عقيمة و ردود فعل قد تسيء للقضاء و سمعة قضاتنا و مصلحة بلدنا.
هذا الاكتساح الكبير و النجاح الباهر، لرابطة قضاة المغرب، لم يأت من عدم أو فراغ، و إنما هو نتيجة خط متميز رسمته لنفسها، و آمن به أعضاؤها، و هو أولا اعتماد الخطب الملكية كمرجع أساسي لكل موقف أو رأي تتبناه، تلك الخطب نعتبرها في الرابطة دستورا مقدسا لا نحيد عنه قيد أنملة، و ثانيا اعتبار القضاء جزء لا يتجزأ من مكونات الدولة و أي رأي يرمي إلى الإصلاح لا يمكن أن يتخذ إلا عبر المؤسسات الرسمية للدولة المعنية مباشرة بالقضاء، و ثالثا اعتماد الحوار البناء و الجاد و الموضوعي و الواقعي كمنهجية لبلوغ الأهداف المرسومة المتفق عليها من طرف أعضاء الرابطة بشكل ديمقراطي، هذه الأهداف المتمثلة حصرا في خدمة القضاة و القضاء و التفرغ الكلي للشأن المهني الصرف.
و ما يميز رابطة قضاة المغرب عن غيرها، على وجه الخصوص، باعتبار أعضائها قضاة ممارسون و حتى متقاعدون هو استخدامها في تحليل الأمور و إصدار أحكامها بخصوص ما يجري على الساحة على آليات العمل القضائي، تلك الآليات المتمثلة في تمحيص الأدلة و الحجج و الترجيح بينها و إبراز ما اعتمدته منها فيما انتهت إليه في منطوق قراراتها و أحكامها ، فلا يمكن بناء موقف أو رأي إلا على حيثيات واضحة متماسكة و منسجمة، تستعرض الأدلة و الحجج لإقناع المتلقي بنتيجة الحكم. إن ما يجري على الساحة هو في الواقع قضية و دعوى مرفوعة تنتظر البت فيها، تجمع طرفين أو أكثر، فيكون لزاما الاستعانة في تقدير الحجج على آليات العمل القضائي من تمحيص و تريث و تعليل سائغ يبرر النتيجة التي آلت إليها القضية. و الحكم لهذا الطرف أو ذاك لا تعني التملق للمحكوم له و لا محاباته و لا استدرار عطفه و إنما باعتباره صاحب حق استنادا لدليل تبسطه الحيثيات و تبرر قوته.
فالرابطة لما تعلن انتهائيا و علنيا و حضوريا عن مواقفها، إنما تبني قرارها على أسباب واضحة و أدلة راجحة مستمدة من الواقع المعلوم و المرئي، و ليس على مجرد الاستنتاج و التخمين. فتكريم شخصية مثلا سواء كانت وزارية أو قضائية أو إدارية، لا تكون عبثا و إنما نتيجة دراسة متأنية لوقائع ثابتة تدعمها حجج دامغة، و إذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن تكريم وزير العدل مثلا إنما يتم لصفته كنائب لرئيس المجلس الأعلى للقضاء و هذه هي الزاوية التي تعني الرابطة أما صفته الحزبية فهي لا تعني لها شيء، ولابد قبل تكريمه من إبداء أسباب و مسببات هذا القرار حتى يكون له معنى، كما أن تكريم قاض من القضاة يقتضي تقديمه و إبراز الحجج التي بني عليها قرار تكريمه، و في كل الحالات لا يعتبر الأمر تملقا و لا تزلفا.
و إذا كانت مواقف الرابطة واضحة للعيان و ما تعلن عنه في العلن هو ما تعبر عنه في اللقاءات الخاصة و المغلقة مع أصحاب الشأن القضائي و المعنيين بأموره، فإن الأمر ليس كذلك بخصوص بعض الجمعيات التي تتبنى مواقف رنانة و شعارات كبيرة، هذا في العلن طبعا، و لما تغلق الأبواب يكون هناك أمر آخر، و بقليل من التوضيح و بحيثيات واضحة، فإنه على سبيل المثال لا الحصر، فقد كانت الرابطة شاهدة يوم اجتماع الجمعيات القضائية بالسيد الوزير و طاقمه من اجل طلب الدعم لأنشطتها، على مشهد مقزز،عندما قام أحد أو إحدى المسؤولات بجمعية ما، كانت و لا زالت ترفع شعار معارضة نصوص قانون السلطة القضائية و النظام الأساسي للقضاة، بالإعلان للسيد الوزير أن تلك القوانين من أجود القوانين على الإطلاق و أن لسيادته فضل كبير في إعدادها، فعلى من يضحكون؟ كما قام آخر أو أخرى من جمعية أخرى، كانت و لا زالت تنافح عن المتابعين من القضاة، فوصفتهم أمام أعين الرابطة بالعاقين و طلب أو طلبت من السيد الوزير باعتباره أبا أن يصفح عن أبنائه العاقين؟ فأي تملق هذا و أي انبطاح هذا، أكتفي بهذا فللمجالس أسرارها.
إن التحدي الذي ينتظر الرابطة مستقبلا، هو المساهمة في تنظيم الشأن القضائي، و بسط مراقبتها على ما يجري بخصوص التعيينات في مناصب المسؤولية، و الدفاع بشدة بأن تعتمد معايير واضحة مبنية على الكفاءة و النزاهة و القدرة على التأطير لتقلدها، و أن تفتح للتباري وفق برامج محددة و ترتبط المسؤولية بالمحاسبة و تقديم الحصيلة الحقيقية و هي قضاء عادل و قوي يخدم المواطن، و التصدي بكل قوة لما كان يعتمد سابقا من توزيع لا يعتمد الشفافية، مما أعطى لجمعية معينة قوة مستمدة من هذه الوضعية التي تسيء لعدالتنا و التي تقطع الطريق أمام كفاءات بإمكانها إظهار القضاء بشكل يليق ببلد يسير بخطى سريعة نحو النمو الشامل، إن السنة الثانية من حياة الرابطة و بعد توسع قاعدتها و انضمام خيرة القضاة إلى صفوفها مطالبة بمضاعفة الجهود لتلميع صورة القضاء قولا و فعلا و أن تواجه التحديات و أن تتخذ مواقف شجاعة في سبيل خدمة القضاء و القضاة و هو الطريق الوحيد لتقديم أحكام عادلة لصالح المواطن.




