جريمة التحرش الجنسي وفقا للمادة 503-1-1 من مسودة مشروع القانون الجنائي المغربي ( الجزء الأخير)
بقلم ذ، شني عبد الصمد، عضو رابطة قضاة المغرب.
ثالثا: إثبات الجريمة مع بعض الملاحظات والاقتراحات
يعرف الإثبات بوجه عام على أنه إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها.
والإثبات الذي يلزم المحكمة ويكون مفروضا عليها هو القائم على أسس قانونية محددة بنصوص تشريعية، رغم أن مجاله يبقى واسعا في الميدان الجنائي، لكن الواقع العملي يفرض في الغالب وسائل تبدوا حصرية، من قبيل محاضر الضابطة القضائية وما ضمن بها، وشهادة الشهود.
وإذا كان القانون أعطى للمحكمة كامل الحرية في تقدير الأدلة المقدمة إليها تطبيقا لمبدأ حرية الإثبات كما هو منصوص عليها من خلال قانون المسطرة الجنائية المغربي في المادة 286 وما بعدها، هذه الأخيرة تنص على أنه:” يمكن إثبات الجرائم بأي وسيلة من وسائل الإثبات ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها خلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم ويجب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناع القاضي وفقا للبند 8 من المادة 365 الآتية بعده.
إذا ارتأت المحكمة أن الإثبات غير قائم صرحت بعدم إدانة المتهم وحكمت ببراءته”
وعليه فإن المادة 503-1-1 محل الدراسة لم تأت بوسائل إثبات محددة تدخل ضمن الإثبات القانوني، إسوة بجريمتي الخيانة الزوجية والفساد المنظمتان تباعا في المادتين 490 و 491 من مجموعة القانون الجنائي، ليفهم أن إثبات جنحة التحرش الجنسي حر، بمعنى أن أي دليل يكون منتج في إقناع المحكمة يمكن الإستدلال به، ليكون الإثبات القضائي بهذا الخصوص هو الغالب.
لكننا نرى أن إثبات هذا الفعل ينبغي أن يقتصر على محضر رسمي تحرره الشرطة القضائية أو بناء على اعتراف تتضمنه مكاتيب أو أوراق صادرة عن المتهم أو اعتراف قضائي كما في الجنحتبن السابق ذكرهما، مضافا إلى ذلك الإثبات عن طريق القرائن القوية المتساندة.
أما عن الإثبات بواسطة شهادة الشهود عن طريق تقرير شفوي يصدر عن شخص بشأن واقعة تمت معاينتها ببصره أو تلقاها بسمعه يدلي بها أمام المحكمة، ( عبد الواحد العلمي، شروح في القانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، 2012)، فإنها تبقى محل نقاش، لعدة اعتبارات نذكر منها:
– فهي وإن كانت مبنية على ما رآه الشاهد أو ما سمعه فإنها تبقى مؤسسة على ضميره ومدى نزاهته، لكن في بعض الأحيان يغيب هذا الضمير فتطفو شهادة الزور على السطح.
– فهي وإن كانت مؤسسة على شروط تعد مسبقا قانونا، كتأسيسها على قواعد التجريح، فإنها لا تخلو من المحاباة خصوصا في علاقة طرف تجاه الآخر، فقد يعمد مشتكي( رجل كان أم امرأة) إلى محاولة استفزاز أو انتقام من المشتكى به دون مبرر، فيعتمد على شاهد يحابيه، رغم أن القانون فرض عليه أداء القسم، لكنه لا يباليه.
عموما، يبقى لمحاضر الشرطة القضائية دور بارز في إثبات جنحة التحرش الجنسي، باعتبار ما ضمن بها، أداة قاطعة لإثبات التلبس بها، ويكون بالتالي على المتحرش إثبات عكسها، إذ كيف للمحكمة أن تلزم المتحرش به إثبات شكواه، مادام المتحرش يستعمل وسائل تارة سرية وأخرى للضغط والإكراه من أجل إيقاع المتحرش به تحت هيمنته وسلطته؟؟
لذلك نص المشرع في الفقرة الثانية من النص موضوع الدراسة على أنه:
“تضاعف العقوبة إذا كان مرتكب الفعل زميلا في العمل أو من الأشخاص المكلفين بحفظ النظام والأمن في الفضاءات العمومية أو غيرها.”
أما الاعتراف وإن اعتبر شهادة المتحرش على نفسه، فإنه يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة في تقديره، تطبيقا لقاعدة الأدلة سيدة الإعتراف وليس العكس.
أما بشأن المحررات فإنها تشمل الأدلة الكتابية التي يمكن أن تقدم للمحكمة كدليل إثبات مادي في جنحة التحرش الجنسي و هي نوعان:
يتمثل النوع الأول في المحررات التي تحمل جسم الجريمة، كالورق الذي يتضمن التهديد بالفصل من العمل أو كشف أسرار شخصية… أما النوع الثاني من المحررات فيكون مجرد دليل على الجريمة كورقة تحمل اعتراف المتهم.
وينبغي طرح السؤال الآتي: هل يمكن اعتبار الفايسبوك محررا كتابيا يعتمد عليه في الإثبات؟؟
للجواب على هذا السؤال نستحضر أحد قرارات محكمة النقض الفرنسية، الذي جاء فيه أن التصريحات التي يتم تدوينها عبر الفايسبوك هي تصريحات خاصة، ولا يمكن أن تشكل سببا للمتابعة .
– قرار عدد 344 الصادر بتاريخ 10 أبريل 2013، الغرفة المدنية الأولى.
إذ نشرت أحد الأجيرات ألفاظ قدحية بحق مشغلتها على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، هذه الأخيرة طالبت بالتعويض بنوعيه المادي والمعنوي، فصرحت المحكمة أن الفايسبوك حيز خاص، ويظل بالتالي شخصيا عكس الفضاءات العمومية.
بناء على هذا المفهوم يعد محدود المتابعة، على أساس أن المطلعين عليه هم أشخاص لا تجمعهم سوى روابط اجتماعية بسيطة، بمعنى أن محكمة النقض الفرنسية تخرج الفايسبوك من مرتكزات ووسائل الإثبات، عكس مسودة مشروع القانون الجنائي المغربي، الذي يعترف به كوسيلة للتحرش وبالتالي كوسيلة لإثبات هذا الأخير، وهو ما يقرأ صراحة من خلال مصطلح “… الإلكتروني…” الذي ضمنه المشرع الجنائي في النص موضوع الدراسة، والذي شرحناه خلال الجزء السابق، في النقطة الثانية.
لكن على اعتبار هذا الأخير غير آمن فإننا نرى استبعاده للعلة المذكورة وللعلل التي أفرزتها محكمة النقض الفرنسية.
وعليه فإن مسألة إثبات جريمة التحرش الجنسي تدخل ضمن الجرائم الصعبة في الإثبات لاعتبارات عديدة من بينها، أن مرتكب جريمة التحرش الجنسي يقترف فعله في سرية تامة متخذا كل التدابير و جميع الاحتياطات التي من شأنها استبعاد كشف سلوكه الإجرامي، لذا فإن نطاق الإثبات لا يقتصر على إقامة الدليل أمام قضاة الحكم بل يتسع إلى سلطات أخرى من قبيل الشرطة القضائية، والنيابة العامة، قضاء التحقيق.
إذن حسب رأينا المتواضع، فالركن المعنوي لجريمة التحرش الجنسي يشمل نية الإضرار بضحية هذا الفعل الشنيع، وأنه خلافا للقواعد العامة، تظل هذه النية مفترضة في عبارات التحرش نفسها، ومن تم



