أي دور للمثقف في الوقت الراهن؟

لسنا بحاجة للتذكير بأهمية العامل الثقافي في التحولات العاصفة الجارية الآن على مستوى العالم بأسره وفي جميع المجالات. فالانفجار المعرفي المستمر منذ ردح من الزمن، والثورة التقنية في وسائل الاتصال والدور الذي لعبه الإعلام الاجتماعي والفضائي في تحريك الثورات العربية وإسقاط الأنظمة الاستبدادية، جعل الثقافة أولا وقبل كل شئ، فعل تغيير وتطوير للواقع المعيش، وذلك استنادا إلى الطاقات البشرية والمادية القادرة على إنجاز ذلك الفعل. إن أزمة المثقفين تجد جذورها في نفس طبيعة الأدوار الاجتماعية المحددة والمفروضة عليهم والتي لا يجرؤون على مخالفتها، وفي الواقع، فإن مجتمعنا يفرض على الفرد المثقف أدوارا، بمعنى أنه ليس له علاقة في شغلها وقد لا تطرح مشكلة لدى الموظف أو الإنسان العادي، فالكثير من الناس لا يشغلون أنفسهم كثيرا بالأدوار التي يقومون بها ، إلا أنها تشكل أزمة نفسية ومأزقا ذاتيا لدى المثقف الذي ألزم نفسه بالقيام بدور يؤديه كمفكر، أكاديمي، روائي، كاتب، شاعر، فنان.. أكد الكثير من علماء الاجتماع، أن أسباب عزلة المثقفين وانفصالهم عن قضايا أمتهم ترجع إلى عدم تلاؤم ظروف مجتمعهم مع قيامهم بدورهم من جانب، وإلى انفصالهم العضوي عن ذلك المجتمع من جانب أخر. إن العقل الإنساني – كأي كائن آخر من كائنات الوجود لا يعمل منفردا في فراغ، بل إنه يعتمد في وجوده على بيئة ملائمة تحيط به، فالحياة العقلية، كما لأي حياة أخرى، شروط تكفل لها البقاء والنماء. على هذا الأساس، فإن العقول تهاجر إلى حيث تجد ظروف الحياة ملائمة لها، تهيئ لها مناخا أفضل للعمل والنماء وبطبيعة الحال فإن عدم تلاؤم الظروف يرجع إلى العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ولعل أكثرها أهمية هي الظروف السياسية التي لا تتيح المساحة الكافية لحرية الفكر وحرية الممارسة بالنسبة للمثقف، حيث انه كما أكد إيسينيلاتير على ذلك، حيث يقول “كلما اتجه النظام السياسي نحو الاتجاهات القمعية ضد منتقديه، لاحظ المرء هجرة متزايدة من جانب مثقفيه “ومن جهة أخرى فإن الكثيرين من المثقفين يمتنعون عن توجيه النقد علانية للأوضاع القائمة وذلك لئلا يعرضوا للخطر تلك المكاسب التي تمنحها إياهم الحكومة لممارسة مهامهم الثقافية. والسؤال الذي يبرز هنا، هل لدينا حقا مثقف بمعناه الغرامشي ؟ أي ذلك المثقف المتورط بصورة فاعلة في المجتمع من أجل تغيير العقول…



