مقالات و آراء

ملاحظات أولية حول منشور السيد رئيس الحكومة رقم 02.2017 المتعلق بالحوار الاجتماعي القطاعي

يشكل مجال الحقوق والحريات النقابية ومأسسة الحوار الاجتماعي باعتباره آلية لتحقيق والحفاظ على السلم داخل الدولة، أحد أبرز المجالات التي عرفت مستجدات مهمة جاء بها دستور المملكة المغربية لفاتح يوليو 2011.
فقد أولى هذا الدستور عناية بالغة لدور المنظمات النقابية وتسييرها وخصص لها عددا من الفصول سواء في الباب الأول منه المخصص لنظام الحكم أو الباب الثاني المخصص للحقوق والحريات الأساسية وهو ما يصطلح عليه بقواعد القانون الدستوري الجوهري.
في هذا الاطار نص الفصل الأول من الدستور على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما تطرق الفصل الثامن للمنظمات النقابية ودورها ووجوب خضوعها من حيث الهياكل والتسيير للمبادئ الديمقراطية وحث السلطات العمومية على تشجيع المفاوضة الجماعية وعلى إبرام اتفاقيات الشغل الجماعية.
كما أقر الفصل التاسع حصانة للمنظمات النقابية ضد الحل والذي لا يمكن أن يتم إلا بحكم القضاء.
ونص الفصل 29 على أن حريات الانتماء النقابي والسياسي مضمونة.
لكن ورغم كل هذه القواعد الدستورية التي أعطت للعمل النقابي مكانة متميزة، فقد تميزت ولاية أول حكومة منتخبة بعد دستور 2011 بتشنج كبير في العلاقة بين رئاسة الحكومة والمركزيات النقابية التي أجمعت على تعطيل مؤسسة الحوار الاجتماعي والتراجع عن المكتسبات بلغت حد الدعوة الصريحة للمركزية النقابية الأولى في المغرب وهي الاتحاد المغربي للشغل إلى التصويت ضد أحزاب الأغلبية في اقتراع 07 أكتوبر 2016.
وقد شكل تمرير المقتضيات القانونية المتعلقة بمراجعة نظام التقاعد في الوظيفة العمومية قضية صراع مرير بين هذه المركزيات والحكومة أدى في نهاية المطاف إلى تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق المغربي للتقاعد.
إن هذا الصراع العلني بين المنظمات النقابية والحكومة الذي يتنافى مع ما كان يصبو إليه المشرع الدستوري أبان عن محدودية القواعد الدستورية في ضمان حوار اجتماعي سلس يؤدي إلى توافقات كبرى بين المركزيات النقابية والحكومة وهو ما يفرض ضرورة الانتقال إلى تنظيم وسن الآليات العملية والفعلية التي تحقق غاية المشرع الدستوري.
ولعل منشور السيد رئيس الحكومة الثانية بعد دستور 2011 الصادر تحت رقم 02/2017 بتاريخ 05 يونيو 2017 في موضوع الحوار الاجتماعي القطاعي جاء لتجاوز الأزمة التي ورثها عن الحكومة السابقة، ومحاولة لإعادة الروح لمؤسسة الحوار الاجتماعية بعد أن قاربت على استنفاذ وظيفتها في ظل وضع اجتماعي صعب متسم بتعالي الأصوات حول ضرورة الاستجابة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية للمواطنين.
لكن المنشور المذكور سيطرح من الناحية العملية صعوبات عديدة في تطبيقه نجملها بإيجاز فيما يلي:
أولا: حدد المنشور أطراف الحوار الاجتماعي في السلطة الحكومية المعهود لها بتدبير القطاع مع ممثلي المركزيات النقابية الأكثر تمثيلا، وهو ما سيطرح إشكالية التمثيلية النقابية داخل القطاعات الوزارية بحدة بالنظر لانعدام التطابق بين نتائج انتخابات اللجان الثنائية مركزيا وقطاعيا. فمن المعلوم للجميع أن المركزيات النقابية تتحدد تمثيليتها على أساس الحصول على عتبة 6 في المائة من المقاعد المتبارى عليها على الصعيد الوطني، وفي هذا الصدد فإن أربع مركزيات نقابية بالمغرب هي المعتبرة أكثر تمثيلية. لكن هذه المركزيات ليست لها تمثيلية في جميع قطاعات الوظيفة العمومية بل على العكس من ذلك تماما بالنظر لكون المقاعد المحصل عليها في القطاع الخاص هي التي تحسم تمثيلية هذه المركزيات.
هذا الوضع يجعل مركزية نقابية معينة تتمتع بصفة النقابة الأكثر تمثيلية وطنيا لكن النقابة التابعة لها قطاعيا لا تتوفر على تمثيلية نقابية داخل القطاع الوزاري المعني. وبالمقابل نجد نقابة قطاعية تتوفر على صفة النقابة الأكثر تمثيلية لكنها تنتمي لمركزية نقابية لا تتوفر على صفة الأكثر تمثيلية.
فالسؤال المطروح هنا هل بالاستناد لمنشور السيد رئيس الحكومة يتعين على وزراء حكومته التحاور مع المركزيات النقابية الأربعة الأكثر تمثيلية وذلك بغض النظر عن كون المركزية المذكورة لها تمثيلية على صعيد القطاع الوزاري المعني أم لا؟ أم أنهم ملزمون أو على الأصح مدعوون فقط إلى التحاور مع المركزيات النقابية التي تتوفر على نقابة قطاعية لها تمثيلية وفي هذه الحالة أيضا هل سيتم إقصاء النقابات القطاعية الأكثر تمثيلية والتي تنمي لمركزية نقابية لا تتوفر على صفة الأكثر تمثيلية؟
إن هذه الاشكالات الحقيقية تجعل المنشور المذكور محل شك في مدى قدرته على تجاوز حالة التشنج وسوء الفهم الكبير التي طبعت علاقة الحكومة بالمركزيات النقابية.
والحقيقة أنه كان على السيد رئيس الحكومة التعامل بشكل واقعي مع نتائج انتخابات اللجان الثنائية التي تفرز خريطة قطاعية قد تختلف تماما مع ما هو مفرز على الصعيد المركزي، إن مركزية مثل الفيدرالية الديمقراطية للشغل مثلا لا يمكن إقصاؤها من الحوار القطاعي في قطاعات تعتبر هي الشريك الأول وحصلت على عدد كبير من المقاعد كقطاع العدل فضلا عن حصولها عن تمثيلية وازنة بقطاعات التعليم والصحة والمالية.
فضلا عن ذلك فإن هذا المنشور جاء متنافيا تماما مع عدد من النصوص التشريعية التي تعتبر أعلى منه من ناحية الالزام، ونخص بالذكر القوانين المتعلقة بإحداث مؤسسات الأعمال الاجتماعية بقطاعات الوظيفة العمومية والتي منها مؤسسات ذات طبيعة استراتيجية يتم تعيين مدرائها في المجلس الوزاري من قبل جلالة الملك فضلا عن تصرفها في ميزانيات مالية ضخمة.
وبمراجعة بسيطة لهذه القوانين فإنها نصت فيما يتعلق بتشكيل اللجنة المديرية أو لجنة التوجيه والمراقبة حسب القطاعات، على أحقية النقابات الأكثر تمثيلية داخل القطاع في عضوية اللجنة المذكورة، ولم تنص بتاتا على تمثيلية المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية وهو ما يتجلى صراحة من القوانين المحدثة لمؤسسات الأعمال الاجتماعية بقطاعات التربية والتكوين، الصحة، الشبيبة والرياضة، الفلاحة والمالية بل إن القانون رقم 82.12 القاضي بإحداث مؤسسة الأعمال الاجتماعية لموظفي وزارة الاقتصاد والمالية اكتفى بإعطاء ممثل واحد للمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية والتي لم تحصل على التمثيلية قطاعيا، للحضور بصفة استشارية فقط في اجتماعات لجنة التوجيه والمراقبة.
إن تطبيق منشور السيد رئيس الحكومة بالاعتماد على القراءة الظاهرة والسطحية سيجعل النقابات الممثلة في مؤسسات الأعمال الاجتماعية والتي تقرر في صرف الملايير من المال العام وتدبر ملفات اجتماعية كبرى وحيوية، مقصية ومستبعدة من الحوار القطاعي لعلة عدم انتمائها لمركزية نقابية أكثر تمثيلية والحال أن الجزء الهام من الحوار القطاعي يتمحور حول الخدمات الاجتماعية التي تعتبر مدخلا جوهريا إن تم التعامل معه بالشكل المطلوب والناجع فسيمكن من تقديم الجواب على عدد من المطالب القطاعية.
ثانيا: إن منشور السيد رئيس الحكومة بالإضافة إلى مشكل أطراف الحوار فإنه يطرح إشكالا آخر حول مضمون الحوار والجدوى منه ما دام انه اعتبر الحوار القطاعي بما يتمخض عنه من نتائج هو فقط أرضية للحوار الاجتماعي الوطني وهو ما يؤشر على إفراغ هذا الحوار من مضامينه وتحويله إلى جلسات لرفع المطالب والانصات بدل التفاوض المنتج لاتفاقات في صالح الشغيلة.
والحال أن عددا من المطالب القطاعية لا تحتاج للحوار الوطني بل لها صبغة خصوصية مرتبطة بطبيعة القطاع، كما أن مطالب أخرى لا تحتاج أصلا لاعتمادات مالية من قبيل الحريات النقابية و تعديل بعض النصوص التشريعية سيما في الشق المتعلق بالجانب الاعتباري لبعض الوظائف مثل ما هو مطروح حاليا في القواعد المتعلقة بممارسة أطر الوكالة القضائية للمملكة لمهام الدفاع عن الادارات العمومية أمام المحاكم وتمكينهم من حقوق وحصانة الهيئة المكلفة بالدفاع بالنظر لكون وظيفتهم تتطابق تماما مع وظيفة المحامي.
إن منشور السيد رئيس الحكومة يتطلب تدخلا عاجلا من أجل إعطائه تفسيرا يتماشى مع معطيات الواقع ومقتضيات القانون فلا يعقل أن نقابة قطاعية لم تحصل على أي مقعد في انتخابات اللجان الثنائية ولم يقتنع أي من الموظفين بملفها المطلبي أو حتى لم تشارك في الانتخابات ستستدعى للحوار القطاعي وتقرر في مصير الموظفين في مقابل نقابة أخرى استطاعت تعبئة موظفي القطاع وتم اختيارها بشكل ديمقراطي لتمثيلهم والدفاع عنهم وإيصال صوتهم للإدارة والحكومة.
كما أن القراءة السياسية للمنشور المذكور تطرح سؤال الأغلبية الحكومية وتماسكها مادام أن تطبيقه الشكلي يعني الإقصاء غير المبرر لمركزية نقابية وازنة من الحوار القطاعي -رغم توفرها على التمثيلية داخل القطاعات المذكورة- منتمية لحزب سياسي أساسي داخل المؤسسة التشريعية والأغلبية الحكومية وهو الذي يضطلع بتدبير ملف الوظيفة العمومية والاصلاح الاداري؛ مما يتطلب تنسيقا أكثر بين مكونات الأغلبية لتفادي منطق المحاباة والاقصاء فيما يتعلق بتدبير الشأن العام والتعامل مع جميع الفرقاء على مسافة واحدة علما أن الحقل النقابي يحتاج حاليا وبشكل مستعجل للقانون المنظم للنقابات حتى تتماشى وضعيتها مع القواعد والضوابط الدستورية السالف ذكرها وينتقل مفهوم التمثيلية من تمثيلية عددية تصطدم دائما بتمثيلية المستقلين إلى تمثيلية حقيقية متفرعة عن هياكل ديمقراطية تقطع مع منطق الفوضى والذاتية وتعبر حقيقة عن هموم وانتظارات الطبقة العاملة عبر التداول الديمقراطي على مراكز القرار من قبل من لهم صفة الانتماء إلى فئة المأجورين، وشفافية تدبير أموالها الخاصة والأموال العامة التي تتلقاها من الدولة.

*باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق أكدال بالرباط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock