مقالات و آراء

دور بصمة العين البصرية في الإثبات

الدكتور ادريس النوازلي

 

  يعتبر مسرح الجريمة هو المكان الذي تنبثق منه كافة الأدلة، وقد يكون مكانا واحدا أو متعددا متصلا أو متباعدا، غايته الوصول إلى سر كشف غموض الجرم، والتعرف على الجاني بإقامة الدليل رغم حرصه على إتلاف الأدلة والمعلومات، لأن المعلومات تكون على درجة عالية من الدقة والصدق باعتبارها ترتبط بالآثار المادية لمسرح الجريمة، وهي تمثل صدق الدافع وخلاصة الخبرة وعلمية النتائج، مما يضعها في مرتبة متميزة بالمقارنة مع المعلومات المحصل عليها بالوسائل الأخرى.

  ولقد أجاز القانون الإثبات بجميع الطرق وأن الأدلة المادية الناتجة عن بحث علمي يقيني حقائق ثابتة ولا يطالها التغيير مهما تغيرت الظروف والأوقات كبصمة الأصابع وبصمة العين وبصمة الأذن التي تلازم الإنسان من المهد إلى اللحد.

 لعل التشابه الكبير في بصمة العين وبصمة الأصبع يتجلى في إثبات الهوية والشخصية، وبما أن الدلائل العلمية تشير إلى اعتبار بصمة الأصبع دليلا لإثبات الهوية فإن القياس الذي يجعل من بصمة الأصبع أصلا ومن بصمة العين فرعا يستلزم إعطاء بصمة العين حكم بصمة الأصبع ومن تم يكون لبصمة العين في التحقيق والكشف ما لبصمة الأصبع خاصة في مجال التعرف على هويات الأشخاص. (1)

وعلى كل فإن الدول العالمية بما فيها العربية أضحت تأمر بالبصمات إما دليلا قاطعا أو دليلا بصفته قرينة ودليل إثبات أو بناء على مبدأ حرية القاضي الجنائي في الاقتناع الذي حل محل الأدلة القانونية، وعلى أساساقتناع القاضي تصبح جميع الأدلة مقبولة في الإثبات بما فيها القرائن بصفة عامة والبصمات بصفة خاصةحينما تكون لوحدها كافية، وهو مبدأ نصت عليه التشريعات الأجنبية، كالتشريع الفرنسي في مادته 427 من قانون الإجراءات الجنائية.

(1) إدريس النوازلي الإثبات الجنائي لجرائم الأعمال بالوسائل الحديثة دار الآفاق المغربية ط 1 السنة 2015 ج 2.  

  لقد اختلف الفقه حول كفاية الدليل العلمي بالبصمات من عدمه، إلا أنه في نظرنا يرجع امر الحسم فيه إلى القاضي الجنائي فان حصلت له القناعة بما ثبت عن طريق البصمات استقلالا عن باقي الأدلة حكم وإن حصل بأن لم يقتنع بها وراوده الشك، عليه البحث في أدلة أخرى تعزز وتقوي اعتماده عليها، وفق سلطته التقديرية الإقتناعية.

  تنبني الأحكام الجنائية على الجزم واليقين لا على الظن والترجيح، وأن الشك يفسر لصالح المتهم أخذا بقاعدة الأصل براءة الذمة والمتهم لا يكلف بتقديم الدليل على أنه لم يرتكب الجرم، ومن حقه أن ينكر الجريمة ومن حقه أن يلوذ بالصمت ولا يعد ذلك إقرارا منه بما اتهم به، ولكنه إذاقدم أدلة على براءته فإنه يساعد القضاء على تبرئته من التهمة المنسوبة إليه.

أن ربط المعلومات والسجلات عن المشبوهين المطلوبين والمجرمين الخطيرين عن طريق الحاسوب الآلي يسهل عملية استرجاع وتبادل المعلومات بين الإدارات المختلفة والدولية. كما أن أهم استخدامات تقنية الحاسب الآلية في العلوم الشرطية يتمثل في بناء القواعد البيانية مثل كمبيوتر البصمات فعن طريق هذه الوسائل يسهل الكشف عن الجرائم وهذا أمر جائز قانونا وشرعا.

حجية بصمة العين وقيمتها الاثباتية

يفيد الدليل في إثبات أو نفي تهمة معينة أو كل ما يتصل اتصالا مباشرا بإدانة متهم أو تبرئته، إلا أن ذلك مشروط بتحديد نوعية الدليل و ارتباطه بقضية مطلوب إثباتها أو نفيها و يكون مقبولا من قبل المحكمة مع تقييمه، من حيث القوة و التأثير فضلا عن مشروعيته و ألا يشكل مخالفه للقانون بأن يجب الحصول عليه بطريقة مشروعة حتى يكون كفيلا بأن يؤدي إلى صحة أو عدم صحة الواقعة موضوع التحقيق، و لا يجب الخلط بين الدليل الجنائي و الإثبات لما بينهما من علاقة في الإجراءات القضائية، و لكن في الواقع يمكننا الفصل بين الدليل و الإثبات، فالدليل يتكون من حقائق متنوعة تقدم للمحكمة و لكن نتيجتها هي الإثبات، فالإثبات هو مجموعة حقائق الأدلة المستخدمة لإدانة أو تبرئة متهم معين، لذا يكون الإثبات أوسع من أن تنحصر في كلمة دليل، فكلمة إثبات أكثر عمومية و تشمل مجموعة من الإجراءات الشكلية و الموضوعية و القواعد اللازمة لكشف الحقائق و تحقيق العدالة الجنائية.

الحجية الاثباتية لبصمة العين

  هناك تعدد في مصادر المعلومات الخاصة بالجانب الجنائي مثل تلك المعلومات المستقاة من شهادة الشهود واستجواب المشتبه فيهم أو المتهمين أو تلك المعلومات المسجلة بأرشيف المعلومات الجنائية لدى أجهزة الأمن المختصة أو ما قد تسفر عنه تحريات أجهزة البحث الجنائي المعنية من أدلة ومدى اسنادها للمتهم.

فمصدر الدليل هو مدى نسبة الأشياء إلى مصادرها لتتضح وجه الرابطة بينها. وتهدف السلطة القضائية من كافة الإجراءات التي تباشرها في التحقيق إلى إسناد عناصر الجريمة إلى مقترفها الحقيقي، سواء أكان هو المتهم الماثل في ساحة الدعوى أو غيره مجهولا كان أو معلوما، ويتم ذلك عن طريق التحقق من شخصيته كمرتكب لها، وذلك بالتوسل بمقومات الشخصية والكامنة في الكيان الإنساني مصطبغة بخصائص الفردية والذاتية الثابتة التي ينفرد بها عن غيره ويعرف بها. مثل بصمات العين التي تم التقاطها مسبقا.

  حقيقة أن الأدلة أيا كانت نوعها، أدلة مادية كالأدلة العلمية، تدل مباشرة على الواقعة المراد إثباتها، أي كل ما يمكن رؤيته ولمسه كآثار البصمات بصفة عامة وبصمة العين بصفة خاصة التي تكون بدون ملمس.

 فالقاضي الجنائي دائما يحتاج إلى الاستعانة برأي أهل الخبرة لأجل تنويره في مسائل تقنية حتى يكون قناعته بدليل معين في زمن الجرائم الذكية وأشخاصها الأقوياء، بحيث هو غير ملزم بمعرفة كافة الأمور الفنية المتعلقة بكل دليل، وهو الأمر الذي لم يغيب على جل التشريعات بأن مكنت القضاة من اعتماد الأدلة المتحصلة من مستخرجات الحاسوب.

  كان لاختراع الحاسوب الأهمية الكبرى في مجال البحث العلمي، فقد أدخلت في مجال الكشف عن الجريمة عن طريق العين، و المعالجة الإلكترونية للمعلومات الخاصة في مجال الشرطة كالأساليب الإجرامية و تصنيف البصمات قزحية العين و مقارنتها بواسطة الحاسوب عند كل مشتبه فيه، ويجب ان تكون نتيجة المقارنة دقيقة بنسبة كبيرة جدا، و قد صاحب التطور التكنولوجي و زيادة استخدامات الحاسوب، و ظهور الشبكة المعلوماتية ازدياد في عدد الجرائم المرتكبة بواسطة الحاسوب و شبكة الإنترنيت و أدى إلى صعوبة إثبات الجرائم ونشوء مشكلات القانون الواجب التطبيق، خصوصا ارتكاب الجريمة في مكان ما و حصول نتيجتها في مكان آخر.

 تختلف أدلة الإثبات الجنائي من حيث قوتها من دليل إلى آخر، ومن هنا تأتي حجية الأدلة في الإثبات، إذ يتعين على القاضي قبل الشروع بتقدير الأدلة المعروضة ومدى قوتها في تكوين قناعته، أن يقوم في مرحلة أولى قبول الدليل عن طريق التأكد من مدى إمكانية اعتماده شكلا لكي يعتبر دليلا قائما من بين مجموع الأدلة المتوافرة في الدعوى، تمهيدا للمفاضلة بينها فيما بعد.

  وانطلاقا من دخول التكنولوجيا الحديثة في مجال الإجرام، أصبح للدليل المادي أهمية بالغة في الإثبات الجرمي، إذ لا تتمتع جميع الأدلة المادية المتحصل عليها نتيجة استخدام التكنولوجيا الحديثة في الإثبات، بالقوة اليقينية عينها. الأمر الذي يحتم على القاضي التأكد من صحة الدليل، ومما إذا كان يعتريه أي عيب من شأنه أن يجعله دليلا احتماليا، وهو ما يؤدي بدوره إلى الانتقاص من حجيتها في الإثبات الجرمي.

  إن نظام حرية الإثبات الذي يعم أغلب التشريعات الجزائية في دول العالم المعاصر يتمتع بخاصية تميزه عن سائر القوانين الوضعية، إذ يحق لكلا فريقي الدعوى العمومية أن يثبت مضمون ما يدعي عن طريق كافة الأدلة، شرط أن تكون الأدلة متمتعة بالمشروعية، وبعد أن توضع موضع المناقشة العلنية أمام جميع الأطراف.

  ومن هنا نجد أن مثل تلك الجرائم تضيق المساحة التي يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تتمخض عن أدلة قوية تتمتع بالحجية اللازمة للإثبات الجرمي، بل يقتصر دور التكنولوجيا الحديثة في مثل تلك الجرائم على مساعدة المجني عليه في اكتشاف الجرم أثناء وقوعه وبالتالي تنبؤه بإمكانية ضبط المجرم متلبسا، إذا ما تمكن من اللحاق به قبل انتهاء الأفعال الجرمية، وكمثال على ذلك كاميرات المراقبة ذات التحكم عن بعد، وأجهزة التسجيل الصوتي وغيرها من الآلات الحديثة التي باتت توفر مساحة أكبر من قبل القبض على الجاني متلبسا.

  لقد ظهرت أساليب جديدة للتوقيع بخلاف التوقيع الإلكتروني تفوق التوقيع التقليدي من حيث دلالتها القاطعة لنسبة السند إلى الشخص الذي صدر عنه، ومثال ذلك بصمات قزحية العين وهي الجزء الموجود خلف القرنية والذي يمنح العين لونها، وبصمة الصوت والشفاهإذ يمكن برمجة الحاسب الإلكتروني بحيث لا يصدر أوامره بفتح نظامه السري إلا بعد مطابقة كل هذه البصمات أو بعضها على البصمات المبرمجة في ذاكرته.

  تعتبر بصمة العين من الأهمية بمكان، ولا تزال في مراحل تطبيقها الأولى وغير مصممة في كافة المجالات، وإن كانت تعتبر قرينة فنية في المجالات التي استخدمت فيها لا سيما المجالات الأمنية. إلا أنها لم تعد بعد قرينة في الإثبات في المجالات الأخرى، ولم تستخدم أمام القضاء أو في إثبات الجرائم حتى الآن.

  توجد في أمريكا آلات صرف النقود التي تتعرف على العملاء من خلال بصمات عيونهم والتحقق من القزحية وهذه التقنية تستخدمها السلطات الجنائية الأمريكية في إدارات تحقيق الشخصية وهوية الأشخاص منذ عام 1980 ومرجع ذلك، إن قزحية العين أشبه ببصمة الأصابع. فكل شخص له بصمته اليدوية والقزحية حتى ولو كانت بصمات تخص المواليد لأن هاتين البصمتين الأصابع  والقزحية تظلان مع المولود من المهد إلى اللحدولا تتغيران بالمرض أو الشيخوخة. وبصمة العين لا تتطابق في أي عين مع عين شخص أخر حتى العين اليمنى للشخص الواحد لا تتطابق مع العين اليسرى (1)ويمكن التعرف على بصمة العين من خلال كاميرا توضع حتى ولو على بعد ثلاثة أقدام، وتستخدم حاليا في التعرف على بصمات عيون الخيول المشاركة في السباقات باليابان مثلاوبهذا تتطور تقنية التعرف على الأشخاص.

 

                           

(1) غير إن أنواع العلوم الأكثر استعمالا من طرف الشرطة العلمية والتقنية تتمثل في علم الحياة أو البيولوجيا نظرا لكونه هو الذي يدرس مختلف الكائنات الحية حيث ينقسم إلى فرعين علم النبات وعلم الحيوان، ويتضمن كلاهما علم الخلايا والأنسجة والتشريح وعلم التركيب وعلم الوظائف وعلم البيئة وعلم الوراثة.

وقد عرف التطور العلمي ظهور أنواع أخرى من الخبرات التي تقوم بها الشرطة العلمية والتقنية وتتمثل في التشخيص العيني ويعتمد على العين في تحديد هوية الشخص كما يعتمد في ذلك على جهاز يطلق عليه اسم التشخيص العيني بواسطته يتم تمييز الشخص بناء على فحص النسيج الحي للأوعية الدموية الراقدة للشبكية، ويتميز هذا النوع من التشخيص في كونه يفوق في دقته وخاصياته بصمات الأصابع ذلك لكل إنسان هيئة شبكية خاصة به لا تقبل التغيير ولا تسجل فيه أخطاء لكثرة دقته.

الحسن الداكي ” دور المجتمع ومساعدي القضاء في تطوير أداء العدالة الجنائية” ندوة السياسة الجنائية بالمغرب واقع وأفاق المجلد الأول أيام 9-10و11 دجنبر 2004 ص 328.

 فقد أضحى لدى الشرطة أجهزة تمكن من التعرف على هوية الشخص بالشارع وفي ثوان، كما أن هذه الأجهزة تباع في المحلات حيث توضع على أبواب العمارات والمصاعد والمباني العامة والخاصة. لكن ما مدى حجية بصمة العين في الإثبات الجنائي؟ درج العلم على إعطاء بصمة العين (القزحية) نفس القوة التي هي لبصمة الأصابع خاصة في مجال التعرف على الأشخاص المشتبه فيهم على اعتبار أن قزحية العين تشبه بصمة الأصبع من حيث أن لكل شخص بصمته اليدوية وبصمته القزحية، كما أن لهاتين البصمتين ميزة البقاء والدوام منذولادة الفرد إلى موته، لا تتغير بعامل الزمن وتحتفظ بخصائصها. فبصمة العين تتميز بأنها لا تتطابق في أي عين مع عين شخص أخر حتى العين اليمنى لا تتطابق مع العين اليسرى، إن قزحية العين أكثر تفردا من بصمات الأصابع.

  إن الوظيفة الرئيسية للقزحية هي التحكم بمستوى الضوء الداخل إلى العين (1) ولا تتأثر بالعمليات الجراحية أو عمليات تغيير العدسة كعامل خارجي. فاستخدام تقنية بصمة العين لا تشكل خطرا يمكن الاحتجاج به على اعتبار أن الكاميرات المستخدمة تكنولوجيا جد فعالة غايتها دفع كل محاولة تزوير، وكان السبب في استخدام بصمة العين في القضايا الجنائية وكدليل جنائي وإن كان محل جدل، فالشخص ينظــــر إلى الكاميرا عن بعد وتقوم هذه الأخيرة بالتقاط الصورة وتنشئ الرمز القزحي فيستخدمه النظام قصد التعرف على الشخص وهذا ينطبق حتى على الشخص ذو العين الواحدة، فهي بهذا تكون آمنة من التزوير لعدم إمكانية سرقتها.    

هذا كله بالإضافة إلى أن تأثير التكنولوجيا المتطورة في الوسائل والأجهزة المساعدة على اكتشاف الأدلة أضفى على الدليل نسبة أكبر من الخطأ مما كانت عليه الوسائل التقليدية، إلا أن ذلك لا ينتقص من أهمية التكنولوجيا الحديثة في الإثبات الجرمي، وذلك بالنظر إلى كون تلك التكنولوجيا قد ساعدت على اكتشاف نسبة أكبر من الأدلة التي لم يكن بإمكان الوسائل التقليدية أن تكشفها من قبل، وبالتالي تكون التكنولوجيا الحديثة قد أضفت على أدلة معينة حجية أكبر بكثير مما كانت عليه من قبل، حتى ولو لم تكن تلك الحجية حجية كاملة وقاطعة.            

(1) ” تتكون القزحية من عضلات لا إرادية تنقبض وتتمدد متأثرة بكمية الضوء الساقط على العين وبذلك تتحكم بقطر بؤبؤ العين وبكمية ذلك الضوء المسموح بدخولها إلى شبكة العين. إن شكل هذه العضلات اللاإرادية مميز بدرجة عالية جدا مما يسمح بالتعرف على الشخص من شكل القزحية بدقة عالية جدا تفوق بصمة الأصابع أو بصمة الوجه “

طارق إبراهيم الدسوقي عطية ” البصمات وأثرها في الإثبات الجنائي ” دار الجامعة الجديدة الإسكندرية 2011 ص224

 

ويكفي تلك التكنولوجيا أنها ألقت الضوء على أدلة كان من الممكن أن تبقى طي الكتمان لولا استعمال الوسائل الحديثة في الإثبات.

  وعلى الرغم من أهمية التكنولوجيا العلمية في مجال الإثبات لا سيما استخدام وسائل الاستعراف واعتبارها من أهم الأدلة الجرمية والمعول عليها لإقامة دليل الإدانة أو البراءة، فإن استخدام هذه الوسائل أثار بعض الإشكاليات القانونية. ولعل أهمها هي استخدام الحمض النووي في الإثبات الجنائي، ومدى تعرضه للسلامة الجسدية وحرمة الحياة الخاصة.

  إن تطور الوسائل العلمية جعل حجية بصمة العين من الوسائل المهمة على صعيد الإثبات الجنائي، وذلك بإنشاءبنوك معلومات حتى يمكن الكشف عن الجرائم الغامضة وإعداد خريطة لأصحاب السوابق. ويضاف إلى ذلك أن بعض الدول تفكر في التزود بملفات لبصمات العين في مجال القضاء أو لتحل محل بصمة الأصابع والصور الفوتوغرافية التي توضع في البطاقة الشخصية وصحيفة الحالة الجنائية، وذلك نظرا إلى أهمية هذه الوسيلة في إطار الإثبات الجنائي وقوة حجيتها في هذا الإطار.

القيمة الإثباتية لبصمة العين

  لا يجادل أحد في أن قواعد الإثبات الجنائي بالوسائل التقليدية، عرف نوعا من الارتباك أمام عولمة الجريمة ونوعها الحديث، بعد أن كان الإثبات مقتصرا على الاعتراف، الشهادة، القرائن والخبرة. أصبح اليوم وإن اقتصر على نفس التسميات كقواعد عامة إلا أنه ألبسها حلة جديدة ولباس جديد وفي قالب الجريمة الحديث.

     ويعد الإثبات في القواعد الجنائية من الموضوعات القديمة والهامة حيث يرتبط بصفة دائمة بكل جهد وفكر يصدر من السلطة القضائية يبذل في سبيل إظهار الحقيقة الواقعية، هذا الجهد لا يزال وسيبقى محتفظابأهمية قصوى وبدوره الحاسم في مصير الدعوى الجنائية برغم التطور والتحديث الذي لحق بالطرق العلمية المستحدثة في مجال الكشف عن الحقيقة لان أي تحقيق او بحث يستهدف الاعتراف، وأمام الحريات القانونية والقضائية أصبح الوصول إليه صعبا فضلا عن محدودية الوسائل التقليدية والتطويل الذي قد يلاحقها.

   اليوم يلجأ إلى الاعتراف بسهولة باستعمال وسائل حديثة لم تكن من قبل معممة. فهل يمكن ان يكون لهذه التقنيات الحديثة تأثير في مجال الإثبات خاصة في القضايا المستعصية كتلك التي يرتكبها رجال الأعمال.

  في ظل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي يعرفها العالم اليوم وبفعل الثورة الالكترونية التي تعتمد على الفكر البشري والقدرة على الإبداع والتطور والاستجابة للمتغيرات الحديثة التي تجاوزت الحدود، ظهرت التجارة الإلكترونية كثمرة من ثمار التطور التقني ونمو المعاملات التجارية وتطوير قوانينها على مستوى تكوين العقد وما يتصل بإثبات الحقوق الناشئة عنه دفعا للعقبات التي تعترض التجارة كواقع ملزوم. علما أن التجارة الالكترونية في عالم افتراضي سرع من حركة التجارة العالمية عبر الصفقات والمعاملات، كل ذلك استغله رجال الأعمال في إنجاز المعاملات وبالمقابل ما قد يستتبعه من اقترافللجرائم.                            

  فلتحقيق الأمان للتوقيع الالكتروني عندما يضيع الرقم السري أو سرقته، بحيث يحق للشخص الذي فقد سواء بالضياع أو بالسرقة لبطاقته النقدية أن يبلغ الجهات المعنية بإيقاف التعامل بها شأن ذلك شأن التوقيع التقليدي أو العادي حينما يتعرض للتزوير أو التقليد، فالرقم السري يعتبر كالتوقيع تماما فهو وسيلة لإقرار المعلومات التي تضمنها السند، وكذلك وسيلة مأمونة لتحديد هوية الشخص الموقع إذ يمكن بعد إتباع الإجراءات المتفق عليها تأكد الحاسوب أن من قام بها هو الشخص صاحب البطاقة.                                                

  وإذا كانت للتجارة الالكترونية مزايا من حيث إزالة الحواجز بين الدول وتحقيق العولمة الاقتصادية والوصول إلى الأسواق، وأصبح متاحا بسهولة تكوين شركات وعلاقات تكاملية لأنظمة البيع والشراء والدفع الالكتروني، فإنها لا تخلو من سلبيات من أخطار التزوير ومعالجة التوقيعات الرقمية والتعامل مع الأشباح في شبكة الانترنيت، وتزايد حالات الإفلاس وانهيار الشركات التي تعجز عن مسايرة التطور والتغيير، فهل يشكل هذا اعترافا بالمعنى القانوني والشرعي؟ مما كان لا بد من التفكير في وسيلة أنجع كاستعمال بصمة العين لضيق التعامل بها وشخصية الاستعمال بشكل جد محدود.

 ان ضابط الإثبات في الميدان الجنائي هو الوصول إلى الحقيقة العلمية بشتى الوسائل في ظل الشرعية وقانونية الإجراءات، لكن قد يصادف القاضي عائقا وهو يمارسمهامه بتحديد نوع من الأدلة لإثبات جرم معين كالهجرة السرية والاستعمال البنكي لبطاقة الائتمان، فيحد من سلطته ويحجم إقناعه عن إصدار حكم عادل.

  فحرية القاضي في الإثبات غايتها تحقيق العدالة وتروم إلى بسط رقابته وتقييم الأدلة، بما ينطبق على الواقعة بالدليل والبرهان، كيفما كان مصدره في ظل قواعد الإثبات وانواعه، لذا يعد الإثبات في المواد الجنائية، هو إقامة الدليل على وقوع فعل جرمي أو العكس، و على إسناده لمتهم ثبتت إدانته أو عدم ثبوت الجرم في حقه و التصريح ببراءته، فالإثبات في المادة الجنائية هو استجماع كافة الأدلة التي بموجبها ودراستها يمكن الوصول لإحدى الحالتين، إما اليقين أو الشك، و لكن قبل هذا وذاك لابد من التأكد بالعقل و المنطق في قالب القناعة القضائية من إسناد الفعل المقترف الذي يعتبره المجتمع جريمة ونسبتها للمتهم الحقيقي.

موقف القضاء من بصمة العين  

  هي تلك الأدلة التي يكون مصدرها رأي علمي حول تقدير مادي، أو قولي، كالخبرة التي تتمثل في تقارير فنية مختصة تصدر عن الخبير بشأن رأيه العلمي في وقائع معينة، فقاضي الموضوع قد يحتاج في بعض القضايا إلى الاستعانة برأي أهل الخبرة لأجل التوصل إلى القناعة بدليل معين ليبني حكمه في الدعوى العمومية المفروضة عليه، فالقاضي بحكم أنه رجل ذو تكوين قانوني يبقى غير ملم بكافة الأمور الفنية المتعلقة بدليل معين في الدعوى.

  و قد أعطت معظم قوانين الإجراءات الجنائية الحق للقاضي الجنائي في الاستعانة بالخبراء للتيقن من حقيقة دليل معين، ومن الأمثلة على الأدلة العلمية الحديثة والتي يلجأ القاضي فيها للخبراء، اختبارات الحمض النووي، والأدلة المتحصل من مخرجات الحاسوب، فهذه الأدلة تحتاج إلى رأي الخبراء بشأنها.

  ويتجلى أكثر الدليل العلمي القاطع في البصمات، فمنها من كان قديما وأخرى ظهرت كنتاج علمي حديث.

     لقد ظل البحث الجنائي لسنوات طويلة يعتمد على الطرق التقليدية المختلفة، والأدلة الجنائية المتداولة في التحقيقات للكشف عن غموض الجرائم والحوادث، ومن أبرز تلك الأدلة، بصمة العين التي ظلت حتى عهد قريب من اقل الأدلة استعمالا في الإثبات ان لم تكن شبه منعدمة باستعمال جهاز الحاسوب في مجال البحث الجنائي عن طريق التعرف على الهوية بواسطة الحاسوب، والكشف عن بصمة العين، و المعالجة الإلكترونية للمعلومات الخاصة في مجال الشرطة، كالسوابق، و الأساليب الإجرامية، و تصنيف البصمات الصوتية، و بصمة العين بواسطة الحاسوب، و تكون نتيجة المقارنة دقيقة بنسبة كبيرة جدا، و قد صاحب التطور التكنولوجي، و زيادة استخدامات الحاسوب، وظهور الشبكة المعلوماتية ازدياد صعوبات إثبات هذه الجرائم، ونشوء مشكلات القانون الواجب التطبيق، خصوصا عند ارتكاب الجريمة في مكان ما، و حصول نتيجتها في مكان آخر، و من هنا نعتقد أن الأدلة العلمية يمكن أن تساعد القاضي على تأسيس حكم قضائي بناء على ما جاء بالدليل العلمي المقدم له.                

  كما تعتبر البصمة من الناحية القانونية أولى القرائن العلمية المستحدثة ولها قيمة برهانية في الإثبات، أن البصمة كدليل علمي حديثة لها استخدامات تتمثل في تواجدها سواء بمكان الجريمة أو الموجود على المستندات المالية و كشوفات الحسابات و إيصالات الأمانة تعتبر قرينة كافية للإثبات في حالة تطابقها مع بصمات المتهم كما توجد بصمات المتهم التي توجد في خانة التوقيع المخصصة لشخص أخر في المستندات والخطابات تكفي لإدانة المتهم بالتزوير أو انتحال شخصية الغير.                                                              

  إن فقهاء الشريعة الإسلامية لم يتعرضوا للإثبات بالبصمات لجهلهم بها إلا انه يمكن القول بان موقفهم من الاستدلال بالقرائن التي كانت معروفة في ذلك العهــــــديمكن أن ينسحب على القرائن المستحدثة وبخاصة قرينة وجود البصمات. أبدى بعض الفقهاء المعاصرين الاعتماد على البصمة في الإثبات أكثر من الاعتماد على الشهود باعتبار أقوال الشهود أخبار ظن يحتمل الكذب وقرينة البصمة يقينية. ويرى البعض الأخر أنه ينبغي العمل بقرينة البصمة في الإثبات إذا لم تتعارض مع شهادة الشهود. وهناك فئة ثالثة تقول بالأخذ بدليل البصمة التي تتمثل في القطع بوجود صاحب البصمة في مسرح الحادث. (1)                

  ومن الثابت علميا كذلك أن البصمات لا تتأثر بعوامل الوراثة، وبالتالي لا تتطابق بصمات الآباء مع الأبناء أو الإخوة الأشقاء بعضهم مع البعض ولو كانــــوا

توائم. وتؤكد نتائج الدراسات والأبحاث العلمية في هذا المجال بما لا يدع مجالا للشك تنوع البصمات لكل شخص تنوعا لأحد له، بحيث تتميز بصمات كل شخص بمميزات خاصة ينفرد بها عما سواه، الأمر الذي يضفي على البصمات أهمية كبيرة، ويكسبها قيمة علمية باعتبارها دليلا قاطعا في مجال تحقيق الشخصية لا يرقى إليه الشك شانها شان بصمة الاصبع. (1)                                      

  فالتعرف على شخصية الإنسان كانت هم الباحثين والمحققين في الميدان الجنائي. إن التطور العلمي في كافة المجالات بدا باستخدام نظام الحاسب الآلي من قبل المصالح والإدارات الجنائية فالحاسبات الآلية التي تعمل في نطاق البصمات تكون حاسبات آلية متطورة ومتقدمة باعتبار أنها ستتولى فحص البصمات، كما أن الحاسبات الآلية الخاصة بالبصمات هي مجموعة أجهزة بالمركز الرئيسي يتم ربطها عن طريق خطوط نقل المعلومات والبيانات مع المواقع الفرعية التي تشملها لنقل البصمات آليا من المحطات إلى المركز الرئيسي الذي يتولى عملية الفحص والمضاهاة وتحقيق النتائج وإخطار المحطات الفرعية بها آليا في يوم واحد.

  هناك ثمة حاسبات آلية تتولى الكشف عن أي آثار بصمية يتم رفعها من الحوادث الجنائية للكشف عنها في قاعدة المسجلين امنيا حيث يتم التعرف على شخصية مرتكبي تلك الحوادث ومحاولة الربط أيضا بين الحوادث التي تقع ومعرفة مرتكبيها عن طريق إعمال الأسلوب الإجرامي M O.

(1) موسى مسعود أرحومة ” إشكالية قبول الدليل العلمي أمام القضاء الجنائي ” أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص كلية الحقوق الدار البيضاء سنة 1996 ص 201

  لقد خطت الانترنيت خطوة كبيرة بان حلت مشكلة تدفق المعلومات وفحص البصمات وبأن أصبحت لغة العصر والأكثر انتشارا ساهمت وساعدت في ضبط أكثر عدد ممكن من المجرمين عن طريق نشر صور المشتبه فيهم عبر الانترنيت والاتصال الفوري بالإنتربول وتأتي ألمانيا وبريطانيا في المقدمة وفرنسا في المرتبة الثالثة من حيث استعمال هذا الأسلوب إذ تم إجراء أكثر من 11 ألف و800 اتصال خلال خمسة عشر يوما فقط بالدخول للأنترنيت والتعرف على المشتبه فيهم إجراميا. (1)

  إن مسرح الجريمة يلعب دورا مهما في كشف لغز الجرائم المستعصية خاصة التي ترتكب من قبل الجناة ذوي الياقات البيض ومن أهم الأدلة التي عساها توجد في مسرح الجريمة بصمات الأصابع وطبعات راحة اليد،وهي أدلة قوية،

وتقرير الخبير بعد الفحص الذي يجريه عليها ينتهي أما إلى أن البصمة أو الطبعة للمتهم أو أنها غير مطابقة. وتتزايد قيمة بصمات الأصابع إذا أمكن متابعة المجرم لها في سجل البصمات وقد تأكد علميا عدم وجود شخصين لهما بصمتان متماثلتان في الخطوط والمميزات حتى ولو كانا توأمين من بويضة واحدة. لكن المشكل يطرح عندما يستعمل الجاني عدسات اصطناعية أو لو أخر.

    تلعب الخبرة في مجال الإثبات العلمي دورا أساسيابمساعدة العلوم الحديثة من علم الكيمياء والفيزياء والطب الشرعي وعلم النفس الجنائي في كشف غموض العديد من الجرائم وإماطة اللثام عنها، فالجاني اليوم مهما حاول التنكر أو تضليل العدالة، يمكن الاستدلال عليه وكشف شخصيته من خلال فحص العين.

(1) فقد أثبتت الدراسات التي أجريت في هذا الخصوص أن البصمات تتميز بعدم قابليتها للتغيير وكل ما يطرأ عليها هو تغير حجمها إذ تنمو وتكبر وتتباعد عن بعضها البعض تبعا لنمو الجسم، أما فيما يتعلق بشكل خطوطها وإعدادها، فإنها تبقى على ما هي عليه دون تغيير. حتى في حالة تعرض الشخص لإصابات عارضة أو أي تشويه متعمد، كالجروح أو الحروق مثلا، فانه سرعان ما تعود البصمات لتأخذ أشكالها الأولى بمجرد زوال العارض.                                                        

(1) قدري عبد الفتاح الشهاوي “أساليب البحث العلمي الجنائي” منشاة المعارف الإسكندرية طبعة 1999 ص 25

  إن بقاء الإنسان على وجه الأرض مرتبط باستخفافهارتباطا وثيقا وبحث المتواصل وما يكتسبه من خيرات بواسطتها يصير المجهول معلوما.

  وقد ظلت الاكتشافات العلمية عبر التاريخ البشري من أهم ركائز نهضتنا العلمية فيما يتصل بعلم البشر الذي يجد أسسه و مصادره و مقاصده في الوحي المنزل أو علم التسخير الذي يجد قوانينه و مركباته في الكون بمنظور العلمان جميعا مشتركان في خدمة نوعين من السياسات الأولى سياسة البناء و التنمية التي يعمل على إيجاد المفقود و تنمية الموجود، والثانية هي ما نسميه بالسياسة الجنائية التي تعمل بدورها لمنع هدم ما بني أو فقد ما وجد، و عليه فان استمرار العلمين في خطين متوازنين يمد كل واحد منهما الأخر بما يقويه وينميه ضروري للحياة الطبية السعيدة التي تعد أهم ثمار تلك السياسات ونتائجها. (1)          

 قد تكون الوسائل العلمية كثيرة ومتنوعة إلا أن احترام حقوق الفرد والجماعة تبقى مقاربة قوية في ظل الدلالات القاطعة من عدمها ومدى إسنادها للجاني دفعا لكل تسرع وتضخيم للواقعة أو الاكتشاف العلمي الذي يحتمل الخطأ والصواب لما يعرفه من تطور بتطور العلم. كما هو معروف استأثرت البصمة الوراثية اهتمام القانونيين وفقهاء الشريعة على حد السواء. وسوف لا ندخل في التفاصيل الطبية والعلمية بقدر ما يهمنا مدى العلاقة بين الوسيلة والإثبات، أن الفقه الإسلامي اعتبر البصمة الوراثية من قبيل القرائن أو الدلائل والإمارات فهي من طرق الإثبات الكثيرة غير المحصورة، والقرائن في الفقه الإسلامي هي ما عدا الشهادة والإقرار واليمين والنكول ومعناها الشواهد والإمارات التي يفهم منها القاضي ما يعنيه على إقامة الحق والحكم بها أو هي علامة تشير إلى العقل أو ما يدل عليه بلسان الحال أو المقال. (2)

إلا أن المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة اعتبر البصمة وان كانت قرينة فهي حجة قاطعة في الإثبات ودقيقة بل بعضهم اعتبرها قرينة كافية لتكوين قناعة

                                   

(1) محمد المدني بوساق. موقف الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية من استخدام البصمة الوراثية في الإثبات الجنائي جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية مركز الدراسات والبحوث، الطبعة الأولى، الرياض 2008 بالتعاون مع مديرية الأمن العام الاردني ندوة الجوانب الشرعية والقانونية لاستخدامالوسائل العلمية الحديثة في التحقيق الجنائي بعمان خلال الفترة من 23-25/4/2007. ص 71

محمد المدني بوساق.م.س.ص.89. )2(

  القاضي يساهم فيها الخبير الذي يؤكد النتائج بفحص علمي دقيق على اعتبار أن من بين طرق الإثبات الإسلامي القرينة الواضحة.

  ونرى من جهتنا انه في ربطها كدليل بأدلة أخرىيضعف من قوتها الإثباتية وعدم الثقة بالكفاءة العلمية خاصة إذا ما علمنا أن بصمة العين ستصبح وسيلة كافية لإدانة الظنين أو تبرئته. على اعتبار أن الدليل العلمي لا يقبل النقاش وهل يعتبر دليلا حاسما وهل نواجه بعبارة أن العلم لا يعرف استقرار يحتمل الخطأ والصواب لأنالعلوم تتطور بتطور الأزمان.

  وهذه الميزة تغني عن عدم وجود آثار لبصمات الأصابع للمجرمين في مسرح الجريمة، وهو يقاوم عوامل التحلل والتعفن والعوامل المناخية المختلفة، من حرارة وبرودة ورطوبة وجفاف لفترات طويلة. ومن هذا المنطلق ومن أجل توفير ملفات أمنية متكاملة تتيح الحصول على المعلومات في مختلف الأوقات، وحل تعقيدات الجرائم التي تحدث، بدأت العديد من الدول في إنشاء بنوك لقواعد معلومات، تستند على الحمض النووي كأساس للتعريف لجميع مواطنيها، مع إنشاء قسم خاص في البنك للمشتبه بهم في مختلف القضايا ليكون دليلا للعودة إليه عند حدوث حالة اشتباه بحيث لا يتاح للمجرمين الفرصة للابتعاد كثيرا على مسرح الجريمة.

    وعلى الرغم من أهمية البصمة العين في الإثبات فإنها لم تحظ ليومنا هذا بأي تعريف في القانون المغربي كما لم تعرف أي تقنين لها في الميدان الجنائي إلا إذا نص القانون بخلافه و هو ما تطرقت إليه المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية التي تفيد إمكانية إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ماعدا في الأحوال التي يقرر القانون فيها خلاف ذلك فحكم القاضي يكون نابعا من إقتناعه الصميم مع  تبرير هذا الاقتناع وهو ما أكدت عليه المادة 365 من قانون المسطرة الجنائية في بندها الثامن وكذا الفصل 194 من نفس القانون الذي جاء فيه ” يمكن لكل هيئة من هيئات التحقيق أو الحكم كلما عرضت مسألة تقنية أن تأمر بإجراء خبرة إما تلقائيا وإما بطلب من النيابة العامة أو من الأطراف يقوم الخبير أو الخبراء بمهمتهم تحت مراقبة قاضي التحقيق أو المحكمة المعروضة عليها القضية أو القاضي الذي تعينه المحكمة عند الاقتضاء إذا ارتأى قاضي التحقيق أنه لا موجب للاستجابة للطلب الخاص بإجراء الخبرة، فعليه أن يصدر في ذلك أمرا معللا قابلا للاستئناف، طبق الكيفيات وضمن الآجال المنصوص عليها في المادتين 222 و 223 “

  ان القيمة الدستورية لمبدأ الشرعية ومدى إلزاميتهاللقاضي كحد لا يمكن أ يتخطاه، خلف نتائج عملية مرتبطة بجمود القوانين، قلما تواكب التطورات العلمية والتكنولوجية قد تكون ملاذا لجناة يفرون من العقاب وإن كان الأمر يقتضي تغليب روح النص على حرفتيه التي غالبا ما يتم التضرع بها لعدم إمكانية اعتماد القاضي للقياس بالنسبة للنصوص الجنائية. فمصير الدعوى العمومية رهين بالبحث المعمق وبالطرق العلمية المستحدثة في مجال الكشف عن الجريمة وبالمقابل فإن كل عمل خارج إطار مشروع قد تبخس من العمل التمهيدي أوالإعدادي ويكون مسرحا للدفوعات الشكلية وقد يؤدي بها الأمر إلى إبطالها.

  ويكون الاهتمام بالوسائل العلمية الحديثة والبحث عنالمعلومات غايته الوصول إلى الحقيقة ويكون أهمهاالاعتراف أو أقوال ناجمة عن استخدام إجراءات علمية قد تنصرف إلى الوعي والإدراك بها أو اللاوعي، هذا الأخيرتضاربت الآراء بشأنه ومدى مصداقيته واعتماده كدليلإدانة أو براءة، كما يطرح التساؤل هل يتم اعتماد دلائل تم أخذها قبل وقوع الحدث أو البحث وفتح تحقيقبشأنها؟

  العبرة في المحاكمة الجنائية هي باقتناع القاضي بناء على الأدلة المطروحة عليه. هذا الاقتناع قد يجد ملاذه في حرية الإثبات وفرض كل إثبات مقيد وقانوني حتى يقدر قيمته وتحديد يقينه الذي يبعد عن الشك ويحدث اقتناعلدى القاضي.

  كما أن الدليل الإلكتروني له دور مهم في الإثباتشريطة أن يكون متجاوبا مع الحقيقة الكاملة من برامج التفتيش والمعالجة للملفات وغيرها من الوسائل التي تساعد على إظهار الحق وتثبيته.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock