مذكرات نور الدين الرياحي لا ترشقوا سيارة الاسعاف بالحجارة .الجزء الثالث

ليس لدي ما اعدكم به سوى الدم و المحن و العرق و الدموع .
ونستون تشرشل
ان كبار الكتاب و المفكرين و الأدباء و السياسيين استغلوا الأوقات العصيبة ليخرجوا إلى الوجود ابداعات قل نظيرها في الحكم و الأقوال و الأفعال في أيام صعبة مثل أيام كرونا التي نعيشها و لقد قال الرئيس الفرنسي بالأمس بأن بلاده في حالة حرب .
و قال ونستون تشرشل قبله للانجليز: « Je n’ai rien d’autre à offrir que du sang, du labeur, des larmes et de la sueur »,ليس لدي ما اعدكم به سوى الدم و المحن و الدموع و قبله في سنة 1849 قال نفس العبارة جاريبالدي في 2 يوليوز في روما الايطالية التي تشهد اليوم استنفارا لا مثيل له ضد كرونا بعد قرنين من الزمان لم ينفع معه تقدم و لا تقنيات و لا جيوش و كم يشبه يوم جاريبالدي في روما سنة 1849يوم 15مارس 2020 عندما لم يجد حكام ايطاليا ما يهدونه لها إلا الموت و المحن و ثوابيث الموتى في سيارات عسكرية تدفن دون جنازات و لا رهبان .
و التي انطلقت منها صرخة صوت جميل لايطالية ربما اجمل تذكر أمريكا و فرنسا و الانجليز بعتاب شديد تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي يكاد يبكي من استمع إليها و هي تذكر شعوب أمريكا و اروبا بمجد ايطاليا الضارب في جذور الحضارة الانسانية و كيف لا و صرختها معززة بشواهد تاريخية و حضارية من متحف اللوفر الذي يحتضن لا جوكاندا عبقرية ميجيل انج التي ربما دمعت عيناها لما استمعت لصرخة ابنة بلدتها و هي تلوم الفرنسيين و الامريكيين و الانجليز على عدم نجدة شعبها و لو بقي ميكايل انج حيا لرسم بريشته دمعة على اللوحة في متحف اللوفر و لربما تكون مثل الدمعة التي هداها فيكتور هيجو على شكل قالب مذهب إلى سارة برنار و هو يحضر إحدى مسرحياتها اعجابا قائلا :
اسمحي سيدتي لفيكتور هيجو أن يهدي اليك هذه الدمعة المسكوبة و يخلدها لك كهدية .
و لو عاشت سارة برنار اليوم لبكت هي الأخرى لما نزلت في محطة القطار بمدريد يوما و هي على كرسي متحرك فإذا بالاسبان يخرجون في استقبالها بين المحطة و الفندق و يرمون بمعاطفهم و اجمل لباسهم لتسير عليه عربة سارة ب نار التي لو مرت اليوم على نفس الشارع في مدريد لاذرفت هي الأخرى دمعة أكبر من دمعة هيجو و هي تنظر إلى شوارع مدريد خاوية على عروشها بسبب كرونا الملعونة و لربما لم تجد أحدا في استقبالها.
و لو بعث ابراهيم عليه السلام لبكى على الكعبة التي دعا الله يوما :
رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
و لتعجب من خلوها من المصلين و لتساءل فيما كان ذلك جزاء عن عدم شكر ذريته لربهم بعدما قرن دعاءه بضرورة الشكر له !
و شكره تعالى يكون بالعمل الصالح الذي أمر به الله و نبذ الكراهية و اقتسام الماء و الخيرات و التواضع للبشر لان في التواضع إليهم تواضع لله و الإيمان بأن الإسلام الحقيقي هو ثقافة التضامن و تطهير الأموال بخذ من اموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم و ما امتلاك الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الانعام و الحرث و النساء إلا شهوة من الشهوات الزائلة التي تزول بمجرد الانتهاء منها و الرجوع إلى أصل العمل الصالح هو أن ايماننا لا يكتمل إلا إذا أحببنا لغيرنا ما احببنا لانفسنا، و أن يكون هذا المعيار هو الذي يضعه الحاكم او القاضي أمامه و هو يبث في قضايا الناس .
و في يوم من الأيام و لا زال قضاة النيابة العامة الذين عملوا معي يذكرون ذلك و قد كانت الدولة قد شق عليها عمليا إيجاد حل و لربما لا زالت لمشكلة الاعتقال الاحتياطي و طلب مني آنذاك أمام الجميع الاستاذ الفقيه المشيشي العلمي وزير العدل في مكتبي بالدار البيضاء الوصفة السحرية التي وفقني الله انذاك و قضيت بها على الاعتقال الاحتياطي في أكبر محكمة في المغرب .و اطلعته على التقنيات التي ابتكرتها في وقت لم يظهر فيه بعد نظام المعلوميات و كان ينفذها آنذاك الوكيل العام الاستاذ انيس و الاستاذ الزنوري بمعية ثلة من كتاب الظبط المتمرسين بوسائل بسيطة و سجلات أبسط منهم الاستاذ لمريبط و ذ الوراث و ذ الابراهيمي و ذ أمين في مكتب صغير و طلب وزير العدل بان تعمم طريقة تنظيم مصلحة الاعتقال الاحتياطي في الدار البيضاء على جميع محاكم المملكة .
لكن لم يعلم وزير العدل الحقوقي المتمرس أن الطريقة وحدها لم تكن كافية ذلك أن ما كنت احث عليه وكلاء الملك أن لا يقدموا عن الاعتقال إلا بعد استنفاذ الطرق البديلة في الصلح و لم تكن آنذاك المسطرة الجنائية تنص عليها ، و أن يضعوا نصب اعينهم أن من يقررون اعتقاله و حرمانه من الحرية بمثابة أب او ام او أخ أو أخت او صديق او صديقة و ماذا سيكون موقفهم آنذاك. و بالتالي تطبيق النظرية أن يحب وكيل الملك لذلكم المعتقل و لصاحب الحق ما يحب لنفسه عندئد لا يحاسب أمام الله على قراره الذي يمكن أن يشرد أسرة او يقضي على مستقبل شاب او شابة او يسرح عمال مقاولة او يقضي على تجارة بسيطة يتعيش منها بسطاء فهل يا ترى زج انسان في السجن أفضل للمجتمع من تبعات هذا الاعتقال ؟
و سرت في عروق النيابة العامةآنذاك دماء جديدة في التفكير الانساني قبل القرار لان قرار الاعتقال سهل و انما قرار القضاء على مشاكل الإنسان التي أدت به إلى الاعتقال هو الأصعب في مجتمع لا يرحم و اقتصاد قاتل لروح الرحمة و التضامن .
و لربما ما قد قرأت للاستاذ حكيم الوردي نائب الوكيل العام اليوم بضرورة تفعيل لجنة الإفراج المقيد و اجتماعها قبل فوت الاوان و تسرب فيروس كرونا الذي يعشق الزحام أصبح ضرورة ملحة .
بل اذهب الى أكثر من ذلك بأن النيابة العامة و نظرا للمصلحة العامة التي تحميها و تمثلها يمكن أن تتقدم بطلبات السراح المؤقت لفائدة المعتقلين من النساء و صغار السن و المرضى و أصحاب الجرائم البسيطة و يمكن للمحاكم أن تبث في الطلبات ما دامت شعب التلبس و لو في جلسات سرية و بذلك تبرز استقلالية القضاء في اتخاذ اجراءات سريعة و مناسبةللظرفية و آخذة بعين الاعتبار خصوصية كل ملف من حيث الخطورة الإجرامية و كفاية المدة التي قضاها المعتقل في الردع و استحضار الضمانات الكافية .
و بذلك نخفف على سجون المملكة و نطمئن عائلات المعتقلين على عدم التنقل و احترام الحجر الصحي .
كما يمكن أن نذهب إلى أكثر من ذلك في استخدام المعتقلين لادوار انسانية و إصلاحية و ادماجهم في المجتمع بإسناد أدوار خارج المؤسسات السجنية لفائدة المجتمع في هذه الظروف الاجتماعية العصيبة و نكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد التخفيف عن السجون من الاكتظاظ و إدماج السجناء .
و لو بقيت حقوقية مثل المرحومة آسية الوديع رحمة الله عليها على قيد الحياة لما تخلفت عن المناداة بمثل هذه الصرخات في وقت أصبح عامل السرعة هو الكفيل بإنقاذ الأرواح البشرية .!
أكيد جدا أن ما بعد كرونا سيشهد إعادة النظر بصفة مؤكدة في السياسات الجنائية العالمية وفي القوانين التي نشأت مع النظام العالمي الحالي المعتمد على الرأسالمال او الاشتراكية و الديمقراطية و حقوق الإنسان بالمفاهيم التي أقرها الإنسان بعد خروجه من النظام الكنسي و الثورة الصناعية ، لأن ما بعد كرونا سوف يفرض على العالم الاهتمام بالإنسان ذاته و بصحته و تعليمه و أمنه بمقاربة أخرى و سوف بدون شك يقضى على السفه الذي أصابه جراء الجري ليل نهار من أجل الربح السريع و كما جنت براقش على نفسها جنت الابناك على نفسها و ها هي الآن و في عز أزمة كرونا تحاول أن تصلح نظامها الذي فرضته عليها قوانين اقليمية و عالمية سرعان ما تعرت أمام الانسان نفسه بواسطة الانترنيت و لعل ذلك سوف يؤثر مستقبلا على إيجاد الميكانيزمات الاقتصادية و المالية القادرة على الانتقال بسلاسة إلى النظام المالي الجديد للعالم ، و سوف يطرح السؤال هل يمكن أن نتصور دولة كإسبانيا بكل قدراتها الصناعية و الفلاحية تستخدم ملعبا للتزحلق على الثلوج لاحتواء أجساد موتى كرونا أمام أنظار الجميع كثلاجة لاجسادهم انتظار دفنهم!
جميل جدا أن تتوفر على ملاعب للتزحلق على الثلوج داخل المدن لكن الذي يحز في النفس عدم التوفر على مستشفيات تحفظ أجساد البشر في انتظار دفنهم؟
فما بعد كرونا سوف تكون إعادة نظر جدية في اساليب تدبير الجماعات المحلية التي غايتهاخدمة أفرادها عن قرب من خلال مواثيق و روح تشريعها و لربما نجحت بعض المجتمعات في ذلك في بعض الميادين لكنها خففت في الميدان الأصيل وهو خدمة الإنسان في شبابه و كهولته و قد شاهدنا جميعا أحد رؤساء الجماعات في فرنسا و هو يزور بنفسه اشخاصا في دائرته في التسعينات من عمرهم وحيدين في ظروف عصيبة مثل التي يعيشها أحد اقتصادات العالم الأولى و لكن بعدما اندثرت فيه قيم الانسانية الحقة التي فرضتها قيم الرأسمال و فوترة كل تحرك و الجري وراء الربح السريع و بيع ابطال كرة القدم بالملايير و الصرف على الملاعب بمظاهر ابهة بالغة جردت مغزى القيم الاو لمبية النبيلة من محتواها كما علمناه عند الاغريق ، و ها هي اليابان التي خسرت 12 مليار من الدولار في الاستعداد لاولمبياد 2020 تؤخر مكرهة الالعاب بعدما تعذر القيام بها مع كرونا ، كم من كمامة و سرير انعاش و فرصة عمل و ادوية لو صرفت فيها هذه الملايير ؟؟؟
و ها هي صحيفة “كوريير ديلو سبوت” الإيطالية، تكشف يوم الثلاثاء، أن مباراة فريق أتلانتا الإيطالي وضيفه فالينسيا الإسباني في ذهاب الدور الساس عشر ضمن دوري أبطال أوروبا ، هي السبب وراء تفشي فيروس كورونا في إيطاليا لربما هذه المبارة التي كانت طالع نحس على بلاد بأسرها. حيث نقلت الصحيفة عن الطبيب فابيانو دي ماركو، مدير أمراض الرئة في مستشفى بابا جيوفاني في إيطاليا قوله، إن “مباراة أتلانتا وفالنسيا في سان سيرو كانت قنبلة بيولوجية ، خصوصا أنها كانت بحضور أكثر من 40 ألف شخص من مدينة بيرغامو”.
ذلك أن تنقل هؤلاء مشجعيكرة القدم المتهورين بالحافلات والسيارات والقطارات أدى إلى سرعة تفشي الوباء على النحو الذي تشهده إيطاليا اليوم”.
وأقيمت المباراة على ملعب سان سيرو في ميلان في 19 من فبراير الماضي، وذلك قبل أيام قليلة من اكتشاف إيطاليا “الكارثة” التي حلت بها بسبب انتشار وباء كورونا.
وذكرت إذاعة “كادينا سير” الإيطاليا أن هذه المباراة تسببت بوفاة حوالي 500 شخص بسبب إصابتهم بفيروس كورونا، وتسببت كذلك في إصابة أكثر من ثلث لاعبي فالنسيا وعدد كبير من جماهيره مشجعيكرةجلد قضت على دولة و أسر و يتمت أرامل و اطفال و لو ربينا الأجيال كما كان يقول توفيق الحكيم و لم يستمع اليه أحد على القلم و ليس على القدم لما بلغت قيمة الاعبين هذه الملايير التي لم يستفد منها حتى بولي نفسه و خينطو و بيكنباور و عبد السلام و العربي بن مبارك و بن المحجوب و القدميري و غيرهم ممن كانت تهز الشباك باقدامهم و لم تذر اقدامهم عليهم سوى القليل من المال و لكن الكثير من الحب و التمتع بالفن الكروي الرفيع كما هو الشأن بالنسبة للموسيقى التي في الوقت لو جمعنا ثروات ام كلثوم و فريد الاطرش و عبد الوهاب و السنباطي و بليغ حمدي و اهرامات الغناء في العالم العربي لما بلغت عشر ثروة صوت تافه و كلمات اتفه و أداء كله تكلف لمطربة أو مطرب مغمور التاريخ و حديث نعمة مجرد من كل قوام الفن الراقي مع الأسف الشديد ؟
فهل سيستفيق عشاق التفاهات من سباتهم بعد كرونا ام انها سوف لا تترك لهم الفرصة من جديد لا قدر الله ؟
مذكرات نور الدين الرياحي
26 مارس 2020
يتبع



