مقالات و آراء

الحب لا يعرف فارق السن

الفصل الثاني

أغلب ليالي الشتاء شوق وحنين وذكرى تؤديك، لا أعلم ما حدث لهواء الشتاء أصبح في برودته مرعب ومخيف. في الماضي القريب عندما كنت بجانبك وبين أحضانك عاشقة لبرودته، و الأن أصبح يخيفني هل يعقل أن السبب هو غيابك.. ؟؟
أتذكر تفاصيل تلك الليلة، كان الزمان فيها زماننا نحن فقط. يوم مارست طقوس الفتوحات و إنتهيت من عملية الإفتضاض بكل عزم وحماس وتأكدت أني لم ألامس غيرك، وقبل الأمس كنت أظن أننا لا يمكن أن نكتب عن الحب والكره إلا حين نتخلص من عقدنا النفسية والجنسية حتى نشفى منها كليا. عندما نشفى من جراحنا القديمة بورقة وقلم، دون أن نتألم على ذاك الماضي القريب البعيد. ودون أن نتألم مرة أخرى حينما نصادفه في طريق النسيان، عندما نستطيع حقا أن ننظر خلفنا دون حنين ولا انتظار، ودون أن نشتاق. تذكرت هنا إحدى نصائح نزار قباني عندما قال ” قبل أن تحبي رجلا شرقيا تعودي على ألم الفراق عشرا، ومن ألم الغيرة مئة، من ألم الخيانة ألفا ” . مر أسبوع لم يسأل عن أحوالي فيه، كرهت نفسي ومن حولي، وها أنا الأن أقف على حافة الطريق، وأنا بين خيارين لا ثلاث لهما، الذهاب للمقهى حتى ألمح شبحه، أو إلى الحانة حتى أكمل الرواية.
طاكسي .. طاكسي …
_ مرحبا إلى أين الوجهة إبنتي ؟
_ مرحبا سيدي، كيليز قرب مطعم البحرية.
سائق طاكسي رجل خمسيني، البياض يحتل شعره، و التجاعيد اللعينة تغطي ملامح وجهه وتفاصيل جسمه، شاحب اللون كأنه مصاب بمرض بوصفير، أو ما يعرف ” باليرقان “.
_ هل نسلك طريق باب دكالة أو السملالية ؟؟
_ الأقرب من فضلك، هل لي بسؤال سيدي ؟
_ تفضلي
_ ما الحب .. وما الكره .. أو بالأحرى ما الحياة ؟؟
تغير محيى السائق بشكل غريب جدا، اكتساه الاستغراب فثبت عينيه على المقود، وبدا جليا لي أنه غاص في متاهة تفكير ذهني جراء التعجب وشيء من الذهول ارتسم على عينيه، استمر الصمت رهيبا ورت دقيقة كاملة من السكون إلا من صوت هدير السيارات بجانبنا، دقيقة صمت كانت بمثابة الترحم على السؤال الذي جعل السائق صامتا على غير عادة سائقي سيارات الأجرة بمراكش، لا أعرف هل السؤال في حذ ذاته كسؤال هو ما جعله يصبح هكذا ؟ أو ربما فحوى السؤال باعتباره موضوعا لا يحب الناس نقاشه في الشرق هو ما سبب له الذهول؟ لا أعرف هل كنت متطفلة عندما طرحت عليه هذا و كأني أعرفه منذ زمن طويل، لابد وأنه فيه شيء ما قريب إلى منير.
_ هاهو ذا المطعم ابنتي هل أتوقف هنا ؟
_ لا إلى الأمام قليلا سيدي ..
قرب مطعم البحرية توجد حانة حقيرة، في تلك الحانة تجد جمهورا كبيرا وصيحات ونقاشات سياسية ودينية وضحكا وقهقهات، البعض يمارس الحب هناك والبعض الأخر يتشاتم ويغني بأصوات قبيحة أغاني شعبية. في محيط الحانة يتجول دائما مخمورون لهم وجوه مرعبة ومخيفة، وأطفال شوارع يتسولون بضعة دراهم. في مكان غير بعيد عن الحانة يوجد بائع الخمور والسجائر، إقتنيت ثلاثة علب سجائر من نوع مامبورو لايت و علبة من سجائر كوبا المزورة. أصوات صاخبة تعلو. إنهم عدد من الفلاحين والعمال البروليتارين السكارى يتقاتلون لأجل الحصول على المومسات بأقل ثمن ممكن، أخدت ركن ركين في الزاوية بعيدا عن صراخهم وتفاهتهم، وضعت السماعات في أذني حتى لا يزعجني أحدهم. طلبت من النادل أن يحضر لي أربعين قنينة من البيرة نوع سبيسيال محلية الصنع، ثمنها لا يتعدى خمسة عشر درهما للقنينة الواحدة، بعض السكارى الحمقى يعرضون علي الشراب .. بعد مضايقتهم لي صرخت بكل قواي ربما كنت أحتاج لصراخ وكانت فرصتي الوحيدة ” أغربوا عن وجهي .. لن يجلس معي أحد يا أبناء القحبة ” جلست وحيدة أحتسي القنينة تلو الأخرى في حزن بالغ والدموع تتساقط على جبيني، الدموع لم يلحظها إلا نادل الحانة هشام، لاحظها فقط دون أن يعرف سببها ولو سأل فقط عن سببها لأخبرته أني في حاجة ماسة للبوح.. الشعور بالوحدة يقتلني ليس وليد اللحظة بل هو ناتج عن تركمات نفسية، إجتماعية، عاطفية، عائلية.. الشعور بالوحدة يجعلك تعيش في دوامة لا متناهية، تختار الهروب منها بكل الوسائل المتوفرة لديك، لن أكذب عليكم إن قلت لكم أني سعيدة بوحدتي، بالعكس تنخر قلبي وجسدي وكل قواي العقلية .. وحيدة لما .. ؟؟
لا أعرف …
الشعور بالوحدة جعل خيار الموت البطيء أفضل من العيش في هذه الحياة …
رجل أربعيني يقترب نحوي، يرتدي حذاء أسودا لامعا وبدلة أنيقة لا تليق بهذا المكان، يضع نظارات، يعزو وجهه حزن عتيق أما شعره الأجعد فقد إكتسحه الشيب.
– مرحبا سيدتي
– لست سيدة أحد أغرب عن وجهي
– أسف عن التطفل، ولكن محفظة نقودك مرمية في الأرض وأردت أن انبهك بالأمر
– شكرا لك
– لما تبكين ؟؟
– هذا ليس من شأنك .
_ معذرة عن الإزعاج مجددا، سأضع رقم هاتفي فوق طاولة إن كنت تودين الحديث مع أحدهم أنا رهن إشارتك، سهرة ممتعة، لقد دفعت الحساب لنادل ..
_ لما دفعت من طلب منك ذلك ؟؟
لقد غادر الحانة دون أن يجيب عن السؤال، أخذت رقم هاتفه و وضعته في المحفظة، حملت معطفي وخرجت أيضا.
ها أنا عدت لعاداتي السيئة مجددا، مخمورة أتجول بحذر في شوارع مراكش العاهرة، وأنا مطمئنة لحسن تنكري، حيث أرتدي معطف أسود اللون يشبه كثيرا المعاطف التي يرتدونها الرفاق القاعديين بالجامعة. إضافة إلى تغير ملامح وتفاصيل وجهي بدون وضع مساحق التجميل، أنظر في وجوه المارة من بائعات الهوى وسائقي الطاكسيات المحتالين، ضجيج وصراخ السكارى وسيارات الأمن ورجال الأمن المبتزين، تذكرت ذات لليلة حينما طلب مني رجل أمن مرتشي أن أقدم له خمس مئة درهم بدافع أني في حالة سكر وأنا أقود السيارة، ” السياقة بسرعة مفرطة والسكر العلني البين “، لم يكن بإستطاعتي أن أرفض الأمر وقدمتها له. لقد تجاوزت العشرين خريفا، وأنا أبحث عن وطني وعن ذاتي، ذكريات وظلال أفكاري التي أودت بي إلى جحيم الرفاق.
كنت متعبة وجائعة فدخلت إلى مطعم، جلست على طاولة حديدية في الركن، توجد مساعدات إجتماعيات ينتقلن بين الزبائن لتقديم خدماتهم الجنسية، طلبت صحن الفاصوليا بالدجاج وكأس شاي بالنعناع، أكلت وجبتي وخرجت مسرعة حتى لا أتورط بحماقة يمكن أن تؤدي بي إلى التهلكة.
أشم رائحة التبغ ممزوجة بعطر الرجال، رائحة شبابي الغابر في حضن سيتيني، لقد رميتني في براثن ظلك أيها الغريب، يا ذا الحقارة دخلنا معا في متاهات المعنى، تلك المتاهات التي دفعت ثمنها من عمري، مالا أستطيع اليوم أن أتحمله..، بكيت مجددا !!
طاكسي … طاكسي ..
– من فضلك الدوديات قرب السوق البلدي ..
هناك أحزان يصبح فيها البكاء بدون معنى، لما البكاء ما دام الذين نبكي لأجلهم إختاروا الذهاب وأخذوا مسافة منا، هناك حزن يرغمك على الكتابة، وحزن يرغمك على البكاء، ولكن أشد حزن هو الذي يرغمك على الموت ..
الساعة الآن تشير لسابعة صباحا، من المفترض أن أنهض بعد دقيقة من الآن، أصبحت الساعة تشير الى السابعة والنصف، يرن المنبه مجددا، وأقوم بإغلاقه، أكرر هذه العملية بشكل يومي وأنهض بعد دقيقتين أو ثلاث دقائق كحد أقصى. ولكن المشكلة أن هذه المرة لم أنهض، فقد كنت أشعر بالتعب والعياء وكان النوم هو الحل الوحيد فل يذهب العمل للجحيم.
الساعة الآن التاسعة صباحا، نهضت مصدومة لقد تأخرت مجددا، حملت هاتفي حتى أتفقد عدد الإتصالات التي لم أجب عليها، المدير التنفيذي لشركة إتصل أزيد من عشر مرات، هو دقيق جدا بمواعيد حضور الموظفين، فالتأخير يعني الخضم من الراتب الشهري وتوجيه إنذار من طرفه. قبل أن أتصل به فكرت كثيرا عن حجة غيابي ولم أجد حل واحد مثالي غير إدعاء المرض مجددا، إتصلت به وجعلت نبرة صوتي كنبرة شخص مصاب بالزكام وصدقني الغبي، أعرف أنه سيقوم بخصم هذا من راتبي الشهري مع رفع تقرير للمجلس التأديبي لأني تغيبت كثيرا في الأونة الأخيرة.
أعددت قهوتي، وتصفحت بعض الجرائد الورقية والإلكترونية، تذكرت لليلة أمس وذاك الرجل الأربعيني الذي دفع الحساب نيابة عني، أخدت رقمه من المحفظة بعث له رسالة نصيه حتى أشكره و أرد له هذا الجميل.
– مرحبا عزيزي أعتذر عن لليلة أمس فقد كنت في قمة غضبي حتى أني لم أسئلك عن إسمك، إن كنت تود أن نلتقي هذا المساء في مقهى أو في حانة حتى أرد لك الجميل، سأنتظر جوابك ومعذرة مجددا.
إنتظرت بفارغ الصبر رده، لا أعرف لما تحمست له صراحة، حتى وصل بي الأمر مراقبة الهاتف كل دقيقة وثانية، ربما أنا في حاجة ماسة لصديق حتى أبوح له. ومن منا لا يحتاج لشخص واحد على الأقل يشد على أيدينا رغم كل التناقضات التي نمتلئ بها، ذاك الشخص الذي نبكي أمامه بدون خجل ونفرغ ما في قلوبنا وعقولنا له، ذاك الشخص الذي نقف أمامه عارين من كل شيء، من ملابسنا وأعرافنا وتقاليدنا وخطوطنا الحمراء، شخص لا يتوقف عن تقديم الحب والأمل لنا، شخص حقيقي واحد فقط يعلم أن هناك طيبة في مكان ما بداخلنا وينظر إلينا بدون وجل، شخص نظهر بوجوهنا الحقيقة وحقيقتنا الكاملة بدون تزيف، لا نحتاج أمامه التصنع والتجمل، شخص يقبلنا كما نحن بمشاكلنا وعيوبنا التي تخيف الأخرين. نحتاج شخص واحد لا يبالي بما يصنعه بنا المكان والزمن ولا بتلك التجاعيد التي تملاء أرواحنا، شخص واحد يكفي حتى نستعيد سلامنا وأمن قلوبنا ولا نبالي بما يفعله الأخرين بنا.
يرن الهاتف ..
_ مرحبا عزيزتي كيف حالك اليوم
_ مرحبا عزيزي الأن أستطيع أن أقول أنني بخير وأنت كيف هي أحوالك …… أه أعتذر على ليلة أمس
هو مقاطقا لا عليك عزيزتي وبالمناسبة أنا إسمي عامر، أبلغ من العمر خمسة و أربعون سنة، رئيس شركة خبراء المال للتدريب والتطوير ..
_ تشرفت بمعرفتك سيدي، إسمي سارة ثلاثة والعشرين سنة، أشتغل في القطاع الخاص مجال دراسة سوق والأبحاث، بالمناسبة إن كانت لك رغبة في اللقاء يمكننا أن نلتقي هذا المساء حتى أعتذار لك وأحاول أن أرد لك بعض من جميلك ؟
_ أكيد اود أن نلتقي سيدتي الجميلة ولكن بشرط
_ بالرغم من أنني لا أحب الشروط لا بأس ما هو شرطك !!
_ شكرا لك ولكن لنلتقي بدون اعتذار ولا رد الجميل
_ هذا من طيبتك سيدي حسنا أين سنلتقي إذن ؟
_ ما رأيك برياض السلام ؟
_ هل الذي يتواجد بكيليز أو بالمدينة القديمة ؟
_ الذي يتواجد بالمدينة القديمة، نلتقي على الساعة السابعة مساء.
_ حسنا سأكون في الموعد.
فندق رياض السلام مصنف ضمن أفخم الفنادق بمراكش، حيث لن تجد فيه إلا رجال الأعمال والسياسيين وكل من ينتمي لطبقة الحاكمة والمتحكمة في الرأسمال الوطني. لم أهتم للمكان بتاتا، كان همي الوحيد هو الحديث والتفريغ عساني أرتاح قليلا.
نحن لا نترك الحب عبثا، نحن نغادر حين نتأذى، لا نتركه وإنما نكتفي من الألم ومن البكاء ومن ساعات الإنتظار الطوال بلا جدوى، ومن خطوط الأمل التي نسجناها بصدق فعادت إلينا بثوب مثقوب ينفت البرد والصقيع إلى أجسادنا بغير إنذار مسبق. قررت الإنسحاب بكامل وجعي رحلت من عالمك المليء بالنساء، أدرت ظهري مرغمة فأنا لا يروقني نصف الأشياء.
الساعة تشير الى الثانية زوالا، أمارس روتيني اليومي كما العادة لاشيء يتغير فيه غير أسماء الكتب والروايات. قرأت فصلا من كتاب المنبوذين في الأرض مع فنجان شاي بالزعتر وعلبة سجائر، ربما أعترف اليوم وبعد كل هذه السنين التي مرت من حياتي، المعاناة والعذاب والكراهية والإضطهاد بأني أنتمي لفئة المنبوذين.
نعم أنا كذلك منبوذة، كرهت هذه الحياة البغيضة التي لم تنصفني يوما واحدا منذ مولدي، وكأنني عار على العائلة وعلى المجتمع، لا أعرف لما لم أمت بعد كل محاولات الانتحار التي مررت بها في سن المراهقة، لما تحملت العيش في هذا الجحيم المسمى بالوطن. كلما كبرت بالسن وتقدم بي العمر شعرت بالفقدان والحرمان، كنت أخبر الجميع أني يتيمة الأب والأم، مخطئون إن كنتم تعتبرون أن العائلة هي مصدر الحب هي من تعطي الآمان والدفئ.
ما الفقدان وما الحرمان.. !!؟
دوينوا هذا السؤال في مذكرتكم، وإن عرفتم جوابه فهنيئا لكم بالضياع، أنه لا يختلف عن سؤال ما الحب وما الحياة الذي طرحته سابقا على سائق سيارة الأجرة.
تعب اللاجدوى مني ومن أسئلتي، هل كان من الضرورة أن نأتي للحياة بدون سابق إنذار، لندرك كم كنا نعيش في النعيم هناك حيث العدم، العدم الذي نرتاح فيه يحول الكل إلى رماد بدون رائحة، أخشى أن يكون ما يحدث لي اليوم هو بداية شطط أخر أكثر قسوة من سؤال ما الحياة.
فل يكن إذن ولنشرب كأس النبيذ دفعة واحدة ونكرر العملية حتى نصل حد الثمالة.
السادسة والنصف مساء ..
(إنتظرو الحلقة الأولى من الفصل الثالث )
مقالات ذات صلة :

الحب لا يعرف فارق السن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock