مقالات و آراء

الزنجاري خليفة… رجل من معالم مراكش

مراكش قرنوف محفوظ

هو الآن في برزخ المعراج… يتيما كما كان قبل الولادة … عنيدا في حلمه… شاهدا ينكر وحه الحقيقة…هو الآن في ربوة الوعد يرقب مولده… هو الآن يكشفنا مثل حبات سبحة غامضة….

الكلمات يابسة…
خائرة … بكماء… صفراء…‏
حتى بلل العينين لا يرد لها خضرتها…

هكذا كانت ليلة 26 من شهر غشت سنة 2014 حبث انتقل إلى جوار ربه جدي الحاج الزنجاري خليفة، بعد أن ‏فارقته ببضع دقائق، وكانت آخر كلماته لي مفعمة بالطمأنينة والحيوية والسخرية الجميلة من مخاوفي عليه.‏
سخر منا جميعا قبل أن يسلم الروح كأنه قرر أن يثب فجأة إلى العالم الآخر.‏
لم يقدر عمق الجرح الذي سيخلفه موته في قلوبنا جميعا، لذلك أمعن في الغياب بشكل مزق غفلتنا؛ وهو الذي كان دائم ‏الحضور، بوداعته، وعقله المتحرر، وشباب ذاكرته المليئة بالأحداث الكبرى التي عاشها، والشخصيات التي عايشها ‏وخالطها وتشكل من خلالها وعيه الوطني، هو العصامي الذي حرص على التعلم ثم التعليم، ودون ‏مطمع يقايض التعلم بالمنافع. تعلم القراءة من أجل وعيه الخاص ومن أجل أن يكون حرا مستقلا بفكره ونظرته إلى ‏العالم… وكذلك كان… درس وعلم وكون أطرا حتى تحمل مشعل الوطن وهذا ما كان…

كل من يعرفه يعرف متانته الأخلاقية وصلابة نضاله في أنقى أبعاده. منذ ريعان شبابه لم نجده إلا في ثنايا التضاريس العصية لوطنه ومجتمعه… وجدناه في الخلايا السرية لشباب حالم صادق الحلم بغد مشرق يستنشق فيه الجميع هواء الحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات…
لم نجده بعد ذلك إلا في العمل الجمعوي الثقافي والتربوي الواسع الذي اضطلع به خلال سنوات عمله كمعلم بمدرسة “الدروج” بقاعة بناهيض. لم يجعل يوما من رصيده النضالي تعلة للتقاعس في واجبه المهني. ظل دائما متحمسا لم تفارقه نشوة المنتصر وهو يؤدي مهامه التربوية بشغف ونكران ذات، وحرص على التجديد والإبتكار في الأساليب البيداغوجية، ساعيا دائما للبحث عما يعزز روح المسؤولية والمواطنة لدى تلاميذه. وكل الذين تتلمذوا على يديه يذكرون كيف كان قسمه مدرسة قائمة بذاتها في زرع قيم المواطنة والوعي في العقول الغضة دون تجاوز أو إنتهاك إيديولوجي فج لطفولة في عمر التفتق… كان مثالا للإستاذ والمعلم المجتهد إلى آخر يوم قبل تقاعده حتى لقب بالزنجاري العمل..
لن أتمكن من تعداد كل فضائل الحاج الزنجاري خليفة، لكنني سأذكر فضيلة واحدة تكفيني اليوم، هي فضيلة أنه أهدى إلى الدنيا، فلذات كبده، ورحيق روحه، أبناء وأحفادا مناضلون، مثقفون… أطر كبار وأطباء يسيرون بخطى حثيثة ليكونوا خير خلف لخير سلف.‏

ليلة فقدانه كانت ليلة عزاء لمدينة مراكش فالرجل من معالمها البارزة ومن آخر جيل الرواد الذين غادرونا تباعا… هو من أول رجال التعليم بالمدينة الحمراء.
رحم الله الحاج خليفة الزنجاري وأسكنه فسيح جناته، مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
مروان الزنجاري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock