مخاطر عصابات الجريمة المنظمة الاقليمية و العابرة للقارات في المغرب و أهم الإشكالات القانونية الحقيقية التي تضع القانون الجنائي المغربي و المشروع المرتقب تحت المساءلة”

إعداد: رضوان سند
أولا : نبذة تاريخية تأصيلية لعصابات الاجرام المنظم
اذا ما أردنا ان نشير الى الطابع الإقليمي للجريمة المنظمة فإننا نقول بأن نشأة هذا النوع من الإجرام قد ارتبطت في أواخر القرن 13 بنشأة المافيا الإيطالية .
وبمنطقة صقلية بالضبط، اتخذت المافيا وصفها بالمنظمات الإجرامية، بعد التحرر من الإحتلال الفرنسي للأراضي الصقلية عام 1282.
وبالرغم من خطورتها الضئيلة آنذاك ،إلى حد ما، فإنها بقيت محافظة على صورتها التقليدية، إلى حدود القرن 17 ، لتتعداه في العصور الحديثة المتطورة إلى اكتساب صبغة عالمية من خلال خلقها لشراكات إجرامية عالمية ، و التنسيق و التعاون بين عصابات المافيا، مع اقتسام الأرباح الضخمة التي يحققها أعضاء هذه العصابات، حيث يعد الهدف الأوحد لديها هو الكسب المادي القذر الطائل .
و جدير بالذكر أنه وفقا للرأي السائد، تعد المافيا الإيطالية جماعات إجرامية سرية، تنطوي على درجة عالية من التنظيم ومواصفات الخطورة الجسيمة، و تعتمد -في سبيل ضمان هذه السرية – عنصر الولاء للأعضاء الرئاسية للجماعة المافيوزية؛ ولتحقيق أغراضها أيضا تعتمد نظاما داخليا غاية في الصرامة، كما أن الهيئة السيادية داخل هذه المافيا تتخذ أشكالا من العنف و وسائل أخرى غير مشروعة لتحقيق أهدافها الإجرامية.
و يمكن القول إن الجريمة المنظمة، قد اتسعت و انتشرت، و تطورت بتطور مختلف فروع الحياة، و ذلك للأسباب التالية:
– العولمة.
– و التقنية الحديثة.
– ففيما يخص العولمة :
فقد كان لها تأثير كبير في تطوير السلوك الإجرامي لدى الفرد والجماعة، والمجتمعات الدولية، و بالتالي تنويع وتوجيه عمليات وأنماط الممارسات الإجرامية. وقد أكدت هذا الأمر مجموعة الدول الصناعية الثمانية في مؤتمر لها انعقد سنة 1992، عندما أشارت إلى أن العولمة قد صاحبها ارتفاع خطير في الجريمة المنظمة، العابرة للدول ، وكان لها الأثر الأكبر في ظهور العديد من المشكلات، أخطرها تفشي الجرائم الاقتصادية . و ذلك تحت تأثير ما تمليه التحولات الاقتصادية الدولية الكبرى على التنظيمات الإجرامية المرتكبة لهذه الجرائم الاقتصادية، و أنشطة إجرامية أخرى، أكثر تطورا و أشد تنظيما، تتميز بالقدرة على التكيف السريع مع ما يحيط بها من ظروف .
و كنموذج يزكي ما ذكر، استمرار عائلات المافيا الأمريكية، و عصابات الكارتل الكولمبي في نشاطها- و إن بشكل بطيء- بالرغم من وفاة أحد أعضائها البارزين، لامتلاكها لقدرة عالية على التكيف والتنسيق الإجرامي السري الدولي، الذي يأخذ صورة تحالف إجرامي عابر للدول .
وهكذا، تبقى العولمة؛ سببا رئيسيا في إقامة تنظيمات إجرامية، تمارس أنشطتها، بشكل منظم عبر الدول، كمؤسسة أو شركة إجرامية متعددة الجنسيات، لها إدارتها العامة، أو مركزيات خاصة بها، ثم فروع تتسع لتمتد عبر مختلف أنحاء العالم، و ذلك في سياق تدويل و عولمة الإجرام المنظم ، الذي أصبح يهدد كيان المجتمع الدولي برمته ، خاصة مع ظهور التقنية الحديثة.
– فبالنسبة لهذه التقنية :
و قد يجوز نعتها بالثورة المعلوماتية فنجد أنها قد يسرت توسع الجريمة المنظمة، و عبورها حدود الأقاليم و الدول، مشكلة بذلك جسرا معتمدا لعولمة المشاريع المشروعة و غير المشروعة.
و في هذا الصدد لجـأت الجماعات أو العصابات المنظمة- في سبيل توسيع نشاطاتها- إلى تطويع الوسائل الإلكترونية لممارسة إجرامها المنظم ، خاصة و أن جرائمها أضحت تمتاز بالسرعة في التقنية والسرية التامة، أثناء اعتماد المصارف الإلكترونية، لصالح حسابات أعضائها وعملائها، مع ما تسهم فيه هذه التقنية، من تسهيل لعمليات غسل الأموال الإلكتروني، و تمويل الإرهاب، وغيرها من الأنشطة الإجرامية المنظمة تحقيقا للأرباح، قد تصل لملايين الدولارات، لا سيما فيما يتعلق بجرائم الحاسب الآلي المنظمة؛ ، حيث يكون الأمر سهلا، وبأقل تكلفة ممكنة ماديا وزمنيا، إذ تتم إدارة العملية الإجرامية المنظمة من مكان بعيد عن مسرح الجريمة، و في منأى عن جمع أدلة الإثبات عنها أو إلقاء القبض على مرتكبيها من قبل السلطات الأمنية، التي قد يكون لها تأخر في فهم التقنية؛ بالقدر الذي يكون متوفرا لدى المجرمين المعلوماتيين المنظمين ، الذين يستغلون ضعف كفاءة هيئات و مكونات الدولة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة تشريعيا و تقنيا .
و بناء على كل الأسباب المذكورة، تصبح المبادرة إلى تطوير التشريع الدولي و الوطني، و تحديث الآليات الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة، بمختلف أنماطها التقليدية و المستحدثة؛ مسألة ملحة.
و نرى أنه لا يمكن أن تتحقق تلك الغاية و المسألة إلا وفقا لتعاون دولي قانوني موضوعي و إجرائي، إلى جانب الجهود الوطنية، و ملاءمتها للتوجهات الدولية، من حيث توطيد بنيات التنسيق و التعاون القضائي و الأمني، بقصد مكافحة الجريمة المنظمة، و الاحتراز من وقوعها.
تانيا: خطورة عصابات الجريمة المنظمة الوطنية و العابرة للقارات
لعصابات الجريمة المنظمة خطورة قصوى نبرز أهمها في الآتي :
– تهديدها للأمن والسلم والاستقرار اللازم لأي مجتمع .
– تهديدها للنظام الاقتصادي للدول .
– أثارها السلبية من الناحية الاجتماعية، خاصة وأن من بعض صور الجريمة المنظمة الاتجار في المخدرات، الذي من شأنه أن يؤدي إلى الانخفاض في قيمة العمل لدى بعض فئات المجتمع، وبالخصوص الشباب.
– عدم وجود أية دولة في مأمن من الخطورة القصوى لهذا النمط من الإجرام الوطني و العابر للدول.
– موقع المغرب بين البلدان المغاربية من جهة، وبين اسبانيا وإيطاليا من جهة ثانية، و نزاعات الحدود السياسية مع دول مجاورة، و طول أسطولها البحري، و توفره على ساحلين: المحيط الأطلسي، و البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب انفتاحه على سياسات اقتصادية خارجية مع دول صناعية غنية، كلها عوامل جعلته مستهدفا من قبل عصابات أو جماعات الجريمة المنظمة. و ذلك من خلال عدة جرائم كتهريب المهاجرين غير الشرعيين و عبور شحنات المخدرات و التهريب أو الاتجار الدولي غير المشروع في المخدرات.
و من خلال موقع المغرب المذكور، و ما يتعرض له من تهديد صادر عن تنظيمات إجرامية تسعى إلى توسيع رقعة نشاطها الإجرامي عبر ترابه، تبرز الأهمية البالغة لهذه الدراسة التي سنحاول في إطارها تقييم السياسة الجنائية المغربية إزاء الجريمة المنظمة، و تبيان موقف المشرع منها، مع تسليط الضوء على القواعد الجنائية، في كل من القانون الجنائي – بشقيه الموضوعي و الإجرائي- و القوانين الخاصة، و بيان ما لها من قدرة على استيعاب الجريمة المنظمة كنمط إجرامي جديد، و مدى فعاليتها في مكافحة الجريمة من عدم ذلك، و توجيهنا للمشرع المغربي إلى ضرورة اقتفائه أثر السياسة الجنائية الإيطالية بشأن مكافحة الجريمة المنظمة، لما تتميز به من خصوصية و فعالية.
تالثا : أهم إشكاليات عصابات الجريمة المنظمة في القانون الجنائي المغربي
لا مناص من أن الجريمة المنظمة تتسم بالخطورة القصوى، التي تشكل تهديدا حقيقيا لأمن و استقرار الدول، و من ضمنها المغرب، لهذا إذا كانت جدية و فعالية التعاطي التشريعي و القضائي و الأمني، مع هذا النوع من الإجرام العابر لحدود الدول، أمرا في غاية الأهمية و سبيلا ناجعا للمكافحة الفعلية للجريمة المنظمة، فإن بلوغ هذا الهدف يصبح في غاية الصعوبة و التعقيد في ظل قواعد تشريعية موضوعية و إجرائية ، تغلب عليها الصبغة التقليدية ، التي تجعلها غير قادرة على استيعاب مختلف أشكال هذه الجريمة، بما تتميز به من خصوصية تستدعي مكافحة خاصة و مباشرة، وتيسر على الأجهزة الأمنية و القضائية مهمة مكافحتها.
مما يدفع إلى جعل المغرب و الانتاج التشريعي الجنائي المغربي تحت المساءلة ، و يأتي ذلك في نظرنا وفقا للتساؤلات التالية:
– هل أورد المشرع الجنائي المغربي اصطلاحا قانونيا للجريمة المنظمة ؟.
– هل اتفق الفقهاء والباحثون و المؤسسات الرسمية الوطنية و الدولية على مفهوم موحد، دقيق و شامل للجريمة المنظمة ؟.
– أمام صعوبة تحديد مفهوم الجريمة المنظمة، ألا يمكن لهذه الأخيرة أن تلتبس بجرائم أخرى؛ كجريمة التنظيم الإرهابي، الجريمة الدولية، الجريمة المتقنة أو المخططة ، و جريمة الاتفاق الجنائي ، نتيجة بعض أوجه التشابه القائمة بين هذه الجرائم؟.
– هل يتوقف قيام الجريمة المنظمة على توفر الركن المادي المتمثل في إتيان الأنشطة الإجرامية المذكورة باتفاقية باليرمو السالفة الذكر، و التي يعد المغرب من المصادقين عليها ؟ .
– إلى أي حد يمكن للركن المادي للجريمة المنظمة بما يمتاز به من خصوصية، أن يفرض على المشرع المغربي الأخذ بعناصره الخاصة، أثناء تعديله للفصول المتعلقة بالعصابات الإجرامية ؟
– ما مدى إمكانية اعتبار الجرائم الإليكترونية أحد أشكال الجريمة المنظمة، أليس من اللازم إدراجها ضمن أنشطة الجريمة المنظمة، كما حددتها اتفاقية باليرمو السالفة الذكر ؟.
– ما هو التصنيف الذي تندرج ضمنه الجريمة المنظمة ؟ هل تعد جريمة مستمرة أم وقتية؟ و هل تدخل ضمن صنف جرائم الضرر أم جرائم الخطر ؟.
– هل وضع المشرع قواعد جنائية موضوعية كافية لمكافحة الجريمة المنظمة أم أن هناك قصورا في هذا الجانب؟ و هل يلزمه اعتماد الأحكام الموضوعية لاتفاقية باليرمو المذكورة، و التنصيص على ذلك ضمن بنود مجموعة القانون الجنائي؟ و هل يعتبر التشريع الإيطالي نموذجا يحتذى به في المكافحة الخاصة للجريمة المنظمة ؟.
– مدى إمكانية توفر التشريع المغربي- كالتشريع الإيطالي الحالي-، على نظام عقابي كفيل بمكافحة الجريمة المنظمة ؟.
– هل النظام القانوني الإجرائي الجنائي المغربي في حاجة إلى إعادة تعديل نصوصه، و ذلك بالتوسع في أحكام الاعتقال الاحتياطي، و تقنية تسليم المجرمين و التسليم المراقب و تقنية الاختراق، في ارتباطها بمكافحة الجريمة المنظمة ؟.
– ما هي مظاهر ضعف الأحكام القانونية للإثبات الجنائي في مجال الجريمة المنظمة العابرة للدول؟ و هل يمكن للمشرع المغربي أن يبادر إلى تجاوز هذا القصور، عبر ضمان حماية قانونية موضوعية و إجرائية، بل و قضائية للضحايا والشهود و المبلغين و الخبراء، و توسيعها لتشمل الجريمة المنظمة؟ .
– و هل يعد الخروج عن قرينة البراءة كأصل، و الأخذ بقرينة الإدانة في مجال الجريمة المنظمة، توجها دوليا ووطنيا مقبولا و سليما ؟ أم أن في ذلك خرقا سافرا لأحد مبادئ الشرعية الجنائية و المحاكمة العادلة، مهما كانت خطورة و جسامة أثار الجريمة على الأفراد و الدول..
و أخيرا و ليس اخرا :
هي اشكالات و اخرى عديدة سوف نعمل على تقديم اجابات عنها في أجزاء أخرى موالية ان شاء الله في ضوء المستجدات التشريعية المرتقبة في المغرب و عالميا .



