تتمة – قراءة تحليلية للجرائم المنظمة المتعلقة بالأشخاص:مثل الاتجار بالبشر و تهريب المهاجرين

إعداد رضوان سند
إن المبادئ الدولية والقيم الإنسانية، لا تقبل بطبيعتها، وضع الإنسان في منزلة التداول فيه بالبيع والشراء في سوق سوداء، ويسمى هذا النشاط بالاتجار في البشر ويمكن القول إنها عديدة هي المنظمات الإجرامية ، التي نضطلع بهذا النوع من الاتجار و الآخذ في التطور من حيث الأساليب والطرق والوسائل.
وقد اعتبره البعض حسب بعض التقارير بأنه النشاط الجرمي ذو الرتبة الثانية من حيث الدخل المادي ، بعد نشاط الاتجار غير المشروع في المخدرات ونشاط الاتجار غير المشروع بالأسلحة. كما ينتج هذا النشاط عن نشاط جرمي سابق عليه، وهو تهريب المهاجرين غير الشرعيين .
هذا، و سنتناول فيما سيأتي كلا من :
-الاتجار المنظم بالبشر.
-و التهريب المنظم للمهاجرين غير الشرعيين
أولا: الاتجار المنظم بالبشر
يشكل الاتجار بالبشر الخطر الداهم المباشر، الذي يستهدف المس بكرامة الأفراد، و أمن المجتمعات.
كما أنه يعتبر نشاطا مربحا بكافة صوره، و أرضية خصبة، تنتعش من خلالها عصابات الجريمة المنظمة .
1 – خطورة الاتجار المنظم بالبشر:
إذا كان الاتجار بالبشر يؤثر بشكل خطير على الأمن والاستقرار الدولي، فذلك راجع لكونه ذو طبيعة عابرة لحدود الدول، علاوة على العلاقة المتلازمة بينه وبين عصابات الجريمة المنظمة.
و نشير إلى أن هذا النشاط الجرمي الماس بالكائن البشري، تصحبه أمراض معدية، تلحق بالضحايا نتيجة الوضع المعيشي المتردي الذي انتقلوا إليه، والناجم بدوره عن ممارسات متدنية ووحشية حاطة بالكرامة الآدمية من قبيل ممارسة الجنس، والاتجار بالأطفال والدعارة.
بل ويمتد الأمر أحيانا إلى قتلهم واستئصال أعضائهم البشرية وامتهانهم. ونقلهم من بلد إلى آخر جديد، وهكذا، حيث لا يتكيفون مع محيط دولة حلوا بها، لا يتوفر لهم بها أدنى وأبسط شروط العيش .
ولما كان الأمر كذلك، فإنه كان طبيعيا أن تلحق اتفاقية باليرمو لسنة 2000، والمتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، السالفة الذكر، ببروتوكولين، وخاصة البروتوكول الخاص بمنع وقمع الاتجار بالأشخاص .
و قد أورد هذا تعريفا البروتوكول تعريفا يؤطر ويستوعب ما أشرنا إليه سابقا، مما يتعلق بأبعاد هذه الظاهرة الخطيرة –على مختلف مناحي الحياة.
و يذهب هذا التعريف إلى اعتبار الاتجار بالبش، بمثابة “تجنيد للأشخاص أو نقلهم، أو تنقلهم أو إيوائهم، أو استقبالهم، بواسطة تهديد بالقوة أو استعمالها، أو غير ذلك من أشكال القسر، أو الاختطاف أو الاحتيال، أو الخداع، أو استغلال السلطة، أو استغلال حالة استضعاف، أو إعطاء أو تلقي مبالغ مالية، أو مزايا لنيل موافقة شخص آخر لغرض الاستغلال، أو استغلال دعارة الغير، أو سائر أنواع الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق، أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد، أو نزع الأعضاء”.
2- صور الاتجار المنظم بالبشر:
انطلاقا من التعريف أعلاه، يمكننا القول مع بعض الفقه على أن الاتجار بالبشر يتخذ صورا متعددة، لكن سنركز على أهمها فيما يلي:
– الاتجار في النساء والأطفال لاستغلالهم بشكل أولي مباشر في الدعارة، و يكون هؤلاء الأطفال ضحايا، ليس فقط للاستغلال الجنسي، وإنما أيضا للقتل، وذلك من أجل الاتجار بأعضائهم البشرية وخلاياهم ودمائهم.
أو لاستخدامهم في ارتكاب بعض الأنشطة الإجرامية لعصابات الجريمة المنظمة، والتي من أهمها نقل الأسلحة والمخدرات.
– ثم تهريب المهاجرين بطرق غير مشروعة، والذي سنفصل الحديث فيه في حينه في الفقرة الموالية.
والملاحظ، أن عصابات الجريمة المنظمة تعتبر هذا النوع من الجرائم الماسة بالأشخاص، وسيلة ناجعة لتحقيق أرباح طائلة، وبأخطار أقل مما قد يحصل في نشاط الاتجار بالمخدرات أو الاتجار في السلاح، الأمر الذي يجعلها تضعه على رأس أولوياتها الإجرامية ، لاسيما وأنه قد يكون أحد أعضاء تلك العصابات من موظفي المصالح الاستشفائية الطبية الكبرى المشهورة، المرخص لها باستئصال الأعضاء بعد توفر شروط محددة لذلك قانونا، فيبسط هذا الموظف لهم سبل الاتجار في تلك الأعضاء ، من دون أن تكتشف حقيقة أعمالهم الإجرامية.
لهذا على المشرع المغربي أن يجرم على وجه الخصوص، هنا الفعل الإجرامي، آخذا في الحسبان أن ممارسته غالبا ما تتخذ شكل تنظيم محكم وتخطيط جماعي مدروس، ليصبح الاتجار المنظم بالبشر جريمة منظمة مستقلة بكيانها لها نموذجها القانوني، تيسيرا لأمر مكافحتها.
و زيادة في التعليل، فإن م 5 من البروتوكول المذكور، قد حثت الدول الأطراف، أن تلتزم باتخاذ التدابير التشريعية اللازمة، لتجريم الأفعال المنصوص عليها في م 3 منه، بما في ذلك الشروع في مثل هذه الأنشطة الإجرامية والمساهمة الجنائية بشأنها.
تانيا- نشاط التهريب المنظم للمهاجرين غير الشرعيين:
لا شك، أن مثل هذه الجريمة تنطوي على أبعاد متباينة أحيانا ومتقاربة أحيانا أخرى، كما تشكل خطورة قصوى على جميع المستويات.
هذا، إلى جانب تهديدها للأمن الاجتماعي الإقليمي منه والدولي، لاتصالها بعصابات الجريمة المنظمة، التي تستغل الوضع المأساوي للمهاجرين السريين، لمواصلة جرائمها، داخل أسواقها السوداء.
و زيادة في التفصيل، سنعرض لما ذكر، و ذلك كالأتي:
1- أبعاد جريمة تهريب المهاجرين المنظم:
تعد جريمة تهريب المهاجرين جريمة عبر وطنية، إذ تتعدى حدود الدولة الواحدة، فتتطلب نقل المهاجرين من الدولة المصدر إلى دولة المقصد، و ذلك عبر الدولة المعبر وبطرق غير مشروعة.
و يشكل هذا الأمر خرقا لسيادة تلك الدولة، و مساسا بأمنها واستقرارها.
هذا، بالإضافة إلى ما تثيره هذه الجريمة من مشاكل قانونية من حيث الإقامة والتسليم وإعادة الضحايا إلى بلدانهم الأصلية، وكفالة حقوقهم المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية.
علاوة، عما تحدثه مشكلة التهريب المذكور، من مشاكل بين الدول .
فالدول تكافح هذه الجريمة، لكن ذلك، يبقى ضعيفا أو قاصرا مهما كانت الإمكانيات التي تملكها، إذا لم تتعاون بشكل عالمي، من خلال المؤتمرات وإصدار الاتفاقيات ، بهذا الخصوص.
بل إن الأمر بدوره غير كاف، إذا لم توازيه مبادرة الدول ذاتها، بمكافحة واسعة للجريمة المذكورة، خلال إقامة المشاريع، والاستثمارات، و تأهيل دول الجنوب الفقيرة والنامية، وتجاوز النزاعات السياسية، مغاربيا، تفاديا لاستنزاف الجهد والوقت والمال فيها، مما قد يشغل الدول عن أولوية التصدي لبعض الملفات كالتهجير و تهريب المهاجرين غير الشرعيين، الذي يتفرع عنه كل النتائج الإجرامية الخطيرة المتسلسلة كالاتجار بالنساء و الأطفال، وتكوين شبكات البغاء وعصابات الدعارة والتزوير وغيره.
2- مظاهر علاقة تهريب المهاجرين غير الشرعيين ببعض صور الجريمة المنظمة:
إذا كان النشاط الإجرامي المنظم لتهريب المهاجرين غير الشرعيين، هو ذلك “السلوك المرتبط بدخول غير شرعي لشخص ما، إلى دولة طرف، ليس الشخص من رعاياها، أو من المقيمين الدائمين فيها، وذلك من أجل الحصول بصورة مباشرة أو غير مباشرة على منفعة مالية، أو منفعة مادية أخرى”.
وإذا كان يقصد بتعبير “الدخول غير الشرعي” هو عبور الحدود، دون تقيد بالشروط اللازمة، للدخول إلى الدولة الأخرى المستقبلة.
فإن هذا معناه، أن هذا السلوك المنظم، ينطوي على أنشطة إجرامية أخرى متسلسلة، بعضها يؤدي إلى البعض الآخر. مثل النصب والتزوير للوثائق، وأوراق الهوية، وجوازات السفر والتذاكر.
ومن تم، فجريمة بهذا الشكل، لا يمكن أن يأتي على ارتكابها فرد واحد، بقدر ما تمارس في غالبية الأوقات من داخل عصابات الجريمة المنظمة. وليس فقط لكونها جريمة ترتبط بها جرائم فرعية تساعد على التحقق الفعلي للنشاط الجرمي ذاته، وإنما لأنها تعبر حدود الدول وتقوم على امتياز إغراء المهاجرين بالضمانات المتعلقة بالمأوى والمسكن والعيش بالبلد الذي سيتم تهجيرهم إليه، مستغلين بذلك، الأوضاع السيئة التي تعاني منها الدول الفقيرة .
فتخلف هذه العملية الإجرامية المنظمة ربحا وفيرا من الأموال، وفي نفس الوقت تنجم عنها أضرار متنوعة اقتصاديا ، اجتماعيا، سياسيا، وأمنيا.
و الملاحظ، أن المشرع المغربي أدرج بشكل جزئي بعضا من بنود البروتوكول المتعلق بمكافحة تهريب المهاجرين غير الشرعيين، المكمل لاتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية السالفة الذكر، و لو أنه لم يصادق عليه، ليكون بذلك قد سبق إلى مكافحة جريمة التهريب المذكورة.
و نرى في مصادقة المغرب على الاتفاقية المذكورة، دون البروتوكول المكمل لها المذكور، بالرغم من أنه سبق إلى تجريم مجموعة من أفعال التهريب و أشكاله، بأنه أمرا غير مستساغ، بل عليه المبادرة إلى المصادقة عليه، و الإلتزام بأغلب مضامينه ذات الصلة، و ذلك بإدراجها ضمن مقتضيات القانون الجنائي.
و ذلك لأن البروتوكول المذكور جرم تهريب المهاجرين غير الشرعيين، أخذا بعين الاعتبار عنصر التنظيم الذي من شأنه مساعدة الجماعات الإجرامية على ممارسة التهريب بشكل واسع.
إلى جانب وضعه في الحسبان أن جرائم التهريب التي يتم الإعداد لها و الترتيب لتنفيذها، يمكن أن تتم -في معظمها- عبر الحاسوب و الشبكة المعلوماتية.
و لختم هاته الورقة :
نشير الى ان هاته الجرائم المنظمة بالصور التي ذكرنا ستزداد توغلا اذا لم تكن هناك مكافحة تشريعية و اجرائية زجرية موحد ة موازية.



