مقالات و آراء

مقال الباحث رضوان سند موقفنا من الحماية الجنائية للذمة المالية في القانون المغربي – اشكالات قانونية معقدة على هامش سياسات مكافحة الفساد المالي-

لا جرم أن المغرب شهد تحولات عميقة ، على عدة أصعدة اجتماعية و سياسية و أخلاقية و قيمية واقتصادية، كان لها أثرها الأبرز على الإنتاج التشريعي، بما فيه حقل المادة الجنائية بشقيها الموضوعي منه و الإجرائي، في إطار منطق المعادلة الثنائية الصعبة المتمثلة في تحقيق التوازن بين الدولة في سن قواعد زجرية للحفاظ على هيبتها و المصلحة العامة للمجتمع و بين الأفراد في احترام و تكريس ضمانات احترام حقوقهم و حرياتهم.
و ذلك ان المغرب قد أخذ على عاتقه مهمة المواكبة التشريعية لكل اتفاقية من الاتفاقيات التي صادق عليها في سياق الانضباط للضوابط الدولية لاسيما ما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة في نطاق فلسفة حقوق الإنسان.
و عليه، فإنه من جملة الاتفاقيات نجد مكافحة الفساد بأنواعه السياسي، الإداري، و المالي ،و ما رافق ذلك من جرائم التهريب والاختلاس وغسل الأموال و الجرائم المنظمة التي استشرت في العالم عموما و في المغرب على وجه التخصيص، مما قد يجعل السياسة الجنائية الحالية موضع تساؤل ، حيث تبث فشلها في المكافحة الصريحة و الحقيقية لمثل هاته الجرائم بمختلف صورها، مما جعل التفكيريمتد ليشمل التجريم للكسب غير المشروع بعد أن كان حكرا فقط على التأصيل المدني له في قانون الالتزامات و العقود، سعيا من المهتمين و صناع القرار نحو حماية جنائية للذمة المالية بتقرير المسؤولية الجنائية عن كل مخالف للتصريح بالممتلكات و صور تجريمية أخرى يمكن أن ترتبط بالذمة المالية، هاته الأخيرة التي تعتبر مجموعة عناصر سلبية حيث الالتزامات، و ايجابية حيث الحقوق.
و هو الشيء الذي يجعل موضوع الذمة المالية له مكانته و أهميته الاجتماعية الأخلاقية و السياسية والاجتماعية في سياق مشروع الدولة المغربية في التخليق و تكريس مبادئ الحكامة بما فيها ربط المسؤولية بالمحاسبة والإفتحاص القبلي الوقائي للذمم المالية للأشخاص سواء كان الأمر يتعلق بالذمة المالية للأشخاص الاعتبارية الخاصة أو العامة للدولة أو الأشخاص المعنوية أو الطبيعية الخاصة .
لذا ارتئي ان اوضح موقفي الشخصي بخصوص مسالة الحماية الجنائية المغربية للذمة المالية عبر تلاث مستويات كمايلي

– اولا لماذا الاهتمام بالجانب الحمائي للذمة المالية جنائيا
– ثانيا اشكالات قانونية معقدة بخصوص الحماية الجنائية للذمة المالية لمكافحة الفساد المالي
– تالثا المقاربة المنهجية المنشودة لتحليل و مناقشة الجانب الحمائي الزجري للذمة المالية

✓ اولا لماذا الاهتمام بالجانب الحمائي للذمة المالية جنائيا

لا شك ان الحماية الجنائية للذمة المالية تنطوي على عدة اسرار و تضم عدة ترابطات بعدة جوانب و حقول معرفية ومفاهيمية يلزم تفكيكها و الا سوف نكون في معزل عن اي مكافحة لصور الفساد بما فيها الفساد المالي
و من ذلك نجد ان مفهوم الذمة المالية في حقله المدني الأصيل يكتنفه الغموض في مدلولاته و ما يترتب عنه من أثار على مستوى حوالة العقود ، أو حوالة الذمة ، عند ترتيب المسؤوليات المدنية بخصوصه، فبالأحرى إذا كان الأمر يتعلق بإقرار المسؤوليات الجنائية على مرتكبي جرائم بشكل مباشر أو غير مباشر بخصوص الذمم المالية، سواء ارتبط الأمر بمخالفة الإقرار بالممتلكات أو ارتبط بحصول تضخم و زيادة في الكسب بطرق غير مشروعة مما تكون معه الفرصة مواتية لتقديم بعض الحلول العلمية الممكنة في هذا الصدد تكون لها قيمة مضافة اثناء صناعة التشريع الذي يهم هذا المجال ، اهتداء الى تخليق الحياة العامة و العمومية عبر التمكن من حمائية جنائية حقيقية سواء موضوعيا أو إجرائيا.
دون ان ننسى ان الذمة المالية سيما الذمة المالية للشخص المعنوي تنطوي على صور اجرامية، مما يصعب معه على المؤسسات المعنية عمليا تحديد الفئات المشمولة بالكشف عن الذمة المالية وفقا للقانون المغربي، ناهيكم تعقد العناصر التكوينية للجرائم المنوطة بالذمة المالية في الواقع العملي التي إذا ما توفق القضاء في ضبطها و تدقيقها، بنجاعة في التكييف و البث، بحيث يستطيع معها تقرير المسؤولية الجنائية إثر حصول إثراء في الذمة المالية بصورة غير مشروعة ،
فضلا عن انه سعيا نحو تبسيط و استجلاء الصورة اكثر جول الذمة المالية و تقرير مقاربة الحماية الزجرية بشانها فانه يستلزم الامر بيان بعض أهم الطرق التي يتم سلوكها للزيادة غير المشروعة في الذمة المالية، و سوف نكون من هذا المنطلق قد ساهمنا في جعل القضاء و المؤسسات الفاعلة المهتمة في طريق معبد محترم للامن القانوني و القضائي لتفادي أي اعتداء او تعسف على الحق في التملك
المبرر و تجاوز الوقوع في أزمة عدم استقرار المعاملات باسم شساعة مفهوم عدم مشروعية الكسب، خاصة أنه قد يصير هذا الكسب مثقلا بالتزامات جديدة أو جارية أو مقبلة.
✓ ثانيا اشكالات قانونية معقدة بخصوص الحماية الجنائية للذمة المالية لمكافحة الفساد المالي

إذا كانت العدالة الطبيعية الأولى أسست مبدأ مفاده أن لا مجال لأحد في الاغتناء على حساب الآخرين فإنه بالأحرى اليوم في ظل المبادئ الدستورية المستلهمة من المعايير حقوق الانسان المتعارف عليها عالميا، بأن لا أحد ينبغي له أن يسيئ الاستغلال لوظيفة أو مهمة مسندة اليه بأن يعمل على تجميع الثروة الملحوظة بدون أساس منطقي مقبول، و في زمن قياسي قصير جدا، بحيث تصير له ذمة مالية أكثر مما يتحصل لديه من مداخيله المشروعة له، سيما إذا كان موظفا وما يدخل في حكمه.
ان عدم تجريم الاثراء غير المشروع يعد أرضية خصبة تنتعش عليها الشخصيات الإدارية و السياسية المسؤولية في مناصب القرار بحيث ترتكب جرائمها دون ترك دليل عليها كجرائم الاختلاس و الغدر والتهريب والاتجار غير المشروع ما يدخل في صور غسل الأموال القذرة و الرشوة و استغلال النفوذ ويتم تحويل الأموال في نطاق تصرفات بنكية أخرى أو معاملات استثمارية او مدنية أخرى و ما وازى ذلك من حوالات للذمم المالية دون تحريك دعاوى عمومية بخصوص الزيادة على الأموال الأصلية المتحصلة من وظيفتهم أو أنشطتهم المشروعة المعلومة تحت ذريعة و علة الشرعية الجنائية تجريما و عقابا غير متوافرة في التنصيص القانوني الزجري و التي لا يوجد تحت إطار تجريم للكسب غير المشروع الزائد على الذمة المالية الأصلية المشروعة. مما يجعل الذمة المالية بها خليط من أموال مشروعة و أخرى غير مشروعة.
ناهيك عن إشكالية عدم التصريح بممتلكات الذمة المالية و ما تنطوي عليه من ديون أو حقوق والتزامات و مدا خيل أخرى من مشاريع و أنشطة ممكنة أخرى موازية مما ينبغي معه صيغة الإلزام بخصوص ذلك بترتيب جزاءات ليست ذات طبيعة مدنية فقط و إنما تتعداها إلى ما هو زجري، و ما وازاه من حماية جنائية للفئات الخاضعة لذلك، و لهذا سنعرض في هاته الدراسة إلى ملامسة هاته الجوانب الإشكالية القانونية و العملية مما يسعف في استجلاء مكامن قوة السياسة الجنائية المعاصرة في حماية المال العام مع مراعاة ضمانات المحاكمة العادلة في مختلف مراحل الدعوى الى منتهاها بتعاون مع المؤسسات المتدخلة الأخرى ذات الصلة الوثيقة من قريب أو من بعيد.
و يبدو لنا في سياق هذا الاشكال المنوط بالحماية الجنائية للذمة المالية بأنه يمكن أن تتفرع على هذا الإشكال المحوري اعلاه عدة تساؤلات فرعية متفاوتة الاهمية ومنها
-​ما معنى الذمة المالية؟ و ما هي أنواعها و ما علاقتها بالشخص الطبيعي و الاعتباري و هل التحقيق فيها يمس بحق التملك و الكسب؟
-​هل يمكن جعل الأموال المعلوماتية / الرقمية ضمن الذمة المالية المعلوماتية المحمية جنائيا؟
-​ما تأثير حوالات الذمة المالية على المتابعات الزجرية ؟ و ما انعكاس ذلك اذا هو فعلا تم تحريك المتابعة على الاستقرار المعاملات؟
-​ما هي طرق تضخم الذمة المالية؟

– تالثا المقاربة المنهجية المنشودة لتحليل و مناقشة الجانب الحمائي الزجري للذمة المالية

ان موضوعا معقدا و اشكاليا من حجم الحماية الجنائية للذمة المالية فاننا نرى كموقف شخصي انه لا تخرج مقاربته عن وجهين من الحماية والتي تاتي وفقا لمايلي
• 1- الجانب الموضوعي الزجري للذمة المالية

بحيث ينبغي ابراز مفهوم الذمة المالية و أنواعها وأثارها في تحريك الدعوى العمومية و الفئات التي هي مشمولة بالحماية الجنائية لذمتها ولم لا مشفوعا ذلك بمقاربة مقارناتية لبعض التشريعات الحديثة و المتطورة و المواكبة كالتشريع الفرنسي نظرا للجذور التاريخية التي نشترك معه فيها بخصوص الإنتاج القانوني ولاسيما المادة الجنائية
علاوة على ابراز اهم أسس إسناد المسؤولية الجنائية لها ، مع استحضار دور النيابة العامة (المدعي العام) في فرنسا في تحريك المذكرات و تكييف الصور التجريمية للإثراء بلا سبب.
على أن نعطي حيزا كبيرا لمعالجة البناء التكويني لجريمة الإثراء غير المشروع سيما أركانها و العقوبات المرتبطة بها.
مع ما يقتضيه الامر من توضيح للتصنيف القانوني لصور اجرامية مرتبطة بالذمة المالية كجريمة الإثراء غير المشروع، مع إمكانية تقسيم التقارير أو التصاريح بالذمم المالية، خاصة لمن تسند اليهم مهام وظيفية إلى تصاريح أولية و دورية و ختامية بعد انتهاء المهمة أو الصفة و ابرازنا الجهات التي تسند اليها مهمة استلام وفحص محتويات الذمم المالية،
على انه يستلزم في نظرنا مناقشة بعض الصور الأخرى الممكن الأخذ بها من لدن التشريع المغربي بخصوص التصريح بالممتلكات الداخلة في الذمة المالية كالجرائم المرتبطة بالمكلف باستلام التصريح بالذمم المالية . كعدم تقديم التصريح في الوقت المحدد، مع تبيان الركن المفترض الذي ينطوي على العديد من جرائم الذمة المالية، و أيضا حتى غير المكلف من الموظفين المطلعين على الذمة المالية هم مسؤولون جنائيا اذا ما أفشوا أو ذكرو و أفشو أسرار بيانات التصريح بالذمة المالية
• 2- الجانب الاجرائي لحماية الذمة المالية جنائيا

لاشك ان مسالة الحماية الجنائية للذمة المالية تدفعنا الى اثارة سؤال الاجراءات التي من شانها مساعدتنا على معرفة مدى توافرحماية جنائية متكاملة للذمة المالية ومن تم يلزم الامر التطرق إلى ابراز القواعد العامة للمسطرة الجنائية و مدى كفايتها لحماية الذمة المالية إجرائية بالتوقف على مظاهر القوة ومظاهر الهشاشة و مدى إمكانية الاستفادة من التجارب العربية المقارنة المتقدمة عامة و القانون الفرنسي المقارن خاصة سواء فقهيا و قضائيا وتشريعيا و تقنيا في مسطرة التصريح بالممتلكات المتكونة منها الذمة المالية.
و جدير بالذكر هنا الى ان الإطار المرجعي الحصري لمعرفة الزيادة الكبيرة وغير المبررة في الذمة المالية للمعنيين بالأمر يتحدد في اجراء معين يتمثل في التصريح بالممتلكات المودع لدى الجهات المخول لها قانونا تلقي هذه التصريحات.
دون أن نتقاعس عن اعتبار جريمة أخرى ذات ارتباط وثيق بالذمة المالية مباشرة و هي تقرير الكشف عن الذمة المالية أو التصريح بممتلكات ضمن الذمة المالية.
كما نرى ان الموضوع الاشكالي اعلاه لا يمكن ان يتوقف على القواعد القانونية و المبادئ القانونية و انما لابد للاحاطة الشاملة من استحضار و ابراز القواعد الإجرائية المؤسساتية و جرد أدوارها و بيان مدى كفاءتها في التخليق للمرفق الخاص و العام بصورة عامة و مدى قدرتها على إخضاع الشخصيات بالمساواة أمام القانون دون تراجع أو تقاعس في إلزامهم بالإقرار و الاعتراف بالممتلكات الحالية أو المقبلة ايجابيا أو سلبيا و المندرجة في الذمة المالية لهم وتبيان علاقات التعاون للأجهزة الإدارية و أجهزة أخرى مع الأجهزة القضائية بعيدا عن التنازع المحتمل بحظوظ قليلة في التجربة المؤسساتية الفرنسية
وسوف نعمل بعد هذا الجزء الاول- المتعلق بالتساؤلات و المقاربات المنهجية لتناول موضوعنا المعقد اعلاه – على اضافة جزء موالي يهم بسط الشرح اكثر لعناصر الموضوع التي استشكلناها سلفا في هاته الورقة القانونية العلمية

و نختم هاته الورقة
بانه لا يمكن مكافحة صور الفساد بما فيه الفساد المالي و الاداري و السياسي الذي انفلت اصحابه من المتابعة ضد الاختلاس للاموال و الرشوة و الغذر و استغلال النفوذ وغيرها من جرائم الاموال الا عبر تدخل المشرع في اطار الشرعية الجنائية بتجريم و معاقبة المتورط في الاثراء غير المشروع و ما رافقه من صور اجرامية بخصوص التقرير و التصريح بالممتلكات و جوانب اخرى كسياسة جنائية توقعية ووقائية حديثة فضلا عن احترام المبدا الدولي عدم الافلات من العقاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock