تأملات الباحث رضوان سند في المؤنث الأخلاقي الفني على هامش قضية حساب حمزة مون بيبي

لقد عرف المشهد الفني مهزلة اخلاقية بجميع المقاييس لاسيما مع الفنان في صيغة المؤنث الذي امسى لا يبالي برمزيته و كونه شخصية عمومية و ان له مركزه في المجتمع من ناحية تربوية و سياسية و ثقافية بحكم ان الجمهور يصبح متشكلا له بينه وبين فنانه حبلا سريا لا يكاد ينقطع .
و بالقدر الذي يخدم هذا الاعجاب فنانته فانه يصير بالمقابل في وضع حساس اذا ما صدر عنه اي اسلوب مستفز و ممارسة غير اخلاقية و مناوشات بيزنطية فارغة و ملاسنات مبالغ فيها التي لايملؤها الا الحقد و الخبث .
و هنا يصير الجمهور اما منقلبا متمرد او منشقا فتتشكل التيارات من الجمهور الفني و من الفنانين و الفنانات كل على طرفي انحراف اذ كل من عادى هذه الفنانة – كما حصل مع فنانات حمزة مون بيبي- يصير عدوا ينبغي توجيه الشتائم اليه حتى يتراجع او يختفي من مناصرته لفنانته .
فعوض ان تكون الفنانة المغربية باعثة رسالة السلام في صفوف الشعب المغربي ، و عوض ان تصير فناناتنا بمثابة حمامة الامان الذي ينبغي نفثه في روع النفوس بين الفنانين و الفنانات سواء عبر فن الرسم او فن التشكيل او التصاميم مع المسماة سكينة كلامور او فن الغناء و الطرب مع المسماة دنيا باطما و اختها المساعدة لها في مشروعها الفني او فن الصحافة مع المسمى محمد ضاليم فانهن صرن في موضع ذليل يشفقن عليها فيه موجهة اليهن اصابع الاتهام او على الاقل الاشتباه في كونهن
متورطات في هاته القضية الاخلاقية الالكترونية الى جانب التصريحات التشهيرية المباشرة التي لا تمت بصلة الى معاني الاستقرار الفني و رسالة الاخلاق التي من شانها ان تلبى الارادة الملكية و الارادة الدستورية المقدامة
و نضيف ان التقنية يسرت التفاعل لكن في صورته السلبية و للاسف اذ امتلاءت وسائل التواصل الاجتماعي بظاهرة السب والشتم على نطاق واسع في الآونة الأخيرة، و خير دليل على ذلك هو انشاء حساب ما يعرف بحمزة مون بيبي الذي ذكرناه سلفا الذي تورط فيه فنانين و فنانات مما يجعلنا نطرح سؤال حقيق و هو الفن المغربي الى اين في ظل ازمة الاخلاق سواء التي ليس لها نص قانوني يجرمها او التي تدخل ضمن نطاق التجريم و العقاب فلاشك ان” حساب حمزة مون بيبي” يوحي لنا بان المؤنث الفني استغل وسائط التواصل الاجتماعي للتشهير و الابتزاز و تشويه سمعة الناس الذين هم غالبا ممن لهم وزن في المجتمع و صارت اسماؤهم لامعة .
و قد نجد أنفسنا متجاوزين ما ينبغي الاخذ به لدى الفنانات المغربيات من تسويق منتوج فني لا ترتطم جدرانه بأسلاك الاخلاق الدينية او الاخلاقيات المجتمعية إلى ما يخرج به الفنان من تصريحات عبر قنوات خاصة او اعلامية بصرية او سمعية او مكتوبة بما يقذف في اعراض الناس الى جانب التصيد للفرص من اجل اخفاء المستور لدى الفنانات و الفنانين الاخرين و غيرهم من مشاهير الناس و تهديدهم و الدخول في حياتهم الخاصة .
وذلك، أن الفنانات جعلن من التقنية مرتعا و ارضية ينتعشن عليها و يفرغن من خلالها ما في نفوسهن الضعيفة بل شكل لهن هذا الفضاء التقني سناب شات فايسبوك يوتيوب وعاء لتفريغ عقدهن وضغوطاتهن النفسية و حب الظهور و ماوازاه من متطلبات غير شعورية و لا واعية لجنون العظمة ، و الاطاحة بكل مناوئ او منافس او شخص لامع غير خاضع غير آبهين بما سيترتب عن ذلك من أذى نفسي لمن يقصدونه بكلامهن، فترى لماذا أصبح هذا الكم الهائل من الحقد والكره العلني يطغى على التعليقات والمنشورات العمومية؟ لعل كل هذا وذاك راجع إلى الحرية المطلقة التي تحس بها هذه الفئة وهم وراء شاشاتهم بلا رقيب أو حسيب، وأيضا اعتقادهم بأن العالم الافتراضي يمتعهم بحرية تعبير غير مشروطة؛ فيمنحون أنفسهم الحق بقول كل ما يحلو لهم دون التزام وأدب أو تقدير لشعور من يوجهون له الكلام.
نعم ، فدائما ما كان يشد انتباهي سلوك هذه العينة الفنية من البشر بل و جمهورهم ، فأتساءل عن الدافع الحقيقي الذي يحتثهم على ارتكاب تلك المغالطات والممارسات العدوانية وراء الشاشة ، و الدخول في ملاسنات كل يبرئ نفسه ملقيا باللوم على الاخرين، حتى ان الفنان و من معه من مساعديه ليصير بحق مظلوما، بالرغم من اتهامه بحكم قضائي حسب ظنه ، و ان الصحافة و مشتقاتها الاعلامية ظالمة ومزورة للمعطيات و الحقائق و العكس صحيح ، حتى انطفت شمعة الحقيقة داخل هاته الردود و المشادات و طمست معها معالم الاخلاق المرجو نشدانها داخل المشهد الفني .
فأكاد أجزم أن أي شخص يتعمد الإساءة لأخر دون تبرير أو غاية بحتة ما
هي إلا وسيلة يلجأ إليها أملا في تعويض نقص يحسه به تجاه نفسه أو تجاه الاخرين، فبإساءته تلك يخيل إليه أنه برز شخصيته وقوته ولكنه في الحقيقة لجأ لذلك ليخفف عن نفسه شعوره بالإحباط أو تنفيسا لضغوط نفسية يمر بها، وأيضا نتيجة لفراغ يعيشه جراء عدم تحقيقه لذاته أو سخطه على واقع يعيشه أو مجتمع يحيط به.
كما يمكن أن نرجح سبب هذه السلوكيات إلى ضعف في النضج الفكري واضطراب في السيطرة على النفس وعجز في كبح نزعة العدوانية تجاه الأخرين.
إن هذه الشتائم والتعابير الجارحة لا تكون دائما موجهة لأشخاص قدموا محتوى ومنشورات لا ترقى لمستوى جيد أو هادف.
بل يمكن أن تكون موجهة أيضا لأشخاص ذنبهم فقط أنهم أظهروا نفسهم لأول مرة للعلن وحاولوا تقديم محتوى جديد، أو جاؤوا بأفكار مبتكرة ليفيدوا بها الناس، وهذا ما يؤكد حتمية وجود خلل نفسي يعاني منه هؤلاء الأشخاص.
فبدلا من التشجيع أو النقد الهادف البناء نرى كما هائلا من التعليقات المحبطة الجارحة والمسيئة لهذا لشخص وذلك فقط لأنهم رأوا ما يقدمه غير ضروري ومضيعة للوقت مثلا أو كان خارج نطاق اهتماماتهم.
وفي أحيان أخرى تبتعد التعليقات كليا عن مضمون المحتوى ونراها تميل إلى التركيز على ظاهر الشخص فقط، كانتقاد شكله مثلا، نبرة صوته، خجله الظاهر أحيانا، ملابسه وطريقة كلامه .
كثيرا ما سمعنا انه ثمة هناك أناسا اتخذوا قرارات شخصية حاسمة مفادها ايقاف نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي تحت علة كونهم وفقط سئموا من قراءة التعليقات المسيئة والمحبطة.
وذلك بالرغم من أنهم يقدمون محتوى هادف وبناء ويمتلكون متتبعين
يحبونهم ويساندونهم ويدعمونهم، إلا أنهم في لحظة ضعف سمحوا لمثل هؤلاء من أن يسيطروا على تفكيرهم ويضعفوا عزيمتهم، أو كانوا يمرون بفترة صعبة في حياتهم جعلتهم غير قادرين على تحمل الكلام القاسي والشتائم.
في حين أنني لا أستثني من استطاعوا مواجهة كل هذا وذاك وواصلوا طريقهم غير آبهين بالسلبيين ومتصيدي الأخطاء، ولم يسقطوا في فخ كلام الحاقدين المحبطين بل قرروا ألا يسمحوا لأي كان بثنيهم عن مواصلة شغفهم.
أعتقد أن هناك من يتلذذ بأذية الأخرين ، ويكون هدفه الأول في الحياة هو إحباط من رآه ناجحا متألقا، أو لعله يحس بالاستمتاع وهو ينهال بسيل من الشتائم على كل من لم يرق له، فيهاجم هذا وذاك، يحرض شخصا على أخر، يشعل نيران الفتنة ويجلس مكانه يتفرج وهو في قمة انبساطه.
إن هذه الظاهرة لم تعد تقتصر فقط على الأشخاص العاديين بل انتقلت لباقي فئات المجتمع من شخصيات عامة وفنانين وإعلاميين على حد سواء.
وأضحت تمس أيضا بالمعتقدات والديانات وتشعل الفتن من خلال التعبيرات الطائفية والعنصرية المسيئة، فصارت بذلك مواقع التواصل الاجتماعي كحلبات المصارعة ومرتعا لتفريغ السلبية والعدوانية وملتقى لأحزاب ومشجعين ومقاطعين، حيث أصبحنا نرى “جيوشا” لفنان تتعارك مع جيوش فنان أخر، يترقبون فقط فرصة تعرض محبوبهم لإساءة ما لينهالوا على بعضهم بالشتائم تحت شعار ” متمسش فناني فهو خط احمر ”
خاتمة :
كل ما أختم به هذا المقال هو التأكيد على أن المرأة المغربية مادامت تمثلها شخصيات عمومية سواء سياسية أو حقوقية او فنية مرموقة لها وقد يكون من نصيبها ان نالت حضوتها من المكافاة على مجهودها بعطف مولوي ملكي عليها اعتبارا لمجهودها الفني الخلاق من خلال أوسمة و تشريفات سامية ، فمادامت كذلك فإن السلوك الشخصي لم يعد عفويا وحياتهن لا يمكن ان تصير لها لوحدها و كل تصرف بلغ الى الرأي العام فإنه يصير تحت الميزان الشعبي اما تقبله او رفضه و امتعاضه و كل نقد للسلوك الصادر من الفنانة هو نقد و رفض للفنانة ذاتها مالم تقدم اعتذارا و اعترافا و تطلب عفوا و تقترب من الشعب بتواضعها لئلا يصير سلوكها القولي و العملي جرحا غائرا لدى الكثير من افراد الجمهور المتتبع لها و تبلغ رسالة اخلاقية اخرى مفادها ان الفناة امرأة و انسانة تربوية و متخلقة و نموذجية تخطئ كما يخطئون و يعاب عليها كما يعاب على اي مسؤول او شخص عمومي و هكذا تكسب حب الجماهير و تعطي درسا في الاخلاق عموما لمتتبعيها خاصة من النساء و الفتيات المعجبين بها لشخصها او لاغانيها.



