مقالات و آراء

جريمة الابتزاز الالكترونية

الدكتور ادريس النوازلي

يكون الابتزاز الالكتروني، باستخدام وسائل تقنية حديثة واستدراج اشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض تطبيقات الهواتف الذكية لإغرائهم وللحصول على مكاسب مادية او معنوية عن طريق الاكراه من شخص وأشخاص او حتى مؤسسات، ويكون ذلك بالإكراه عن طريق التهديد بفضح سر من اسرار المبتز. وتهدف جريمة الابتزاز الالكتروني الافراد كما تستهدف المؤسسات والحكومات، وتعرف أيضا بانها عملية تهديد وترهيب الضحية بنشر صور او مواد مرئية او تسريب معلومات سرية تتعلق به، مقابل دفع مبالغ او استعمال الضحية للقيام بأعمال غير مشروعة لصالح المبتزين، كالإفصاح عن معلومات سرية خاصة لجهة العمل او غيره من الاعمال غير القانونية. وغالبا ما يتم اصطياد الضحية عن طريق البريد الالكتروني او وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.


✓ مفهوم الابتزاز
يعتبر الابتزاز لغويا، ابتز أي سلب قهرا وجبرا وبدون رضى، والابتزاز ينصرف الى المال والمنافع تحت وطأة التهديد بفضح اعمال شائنة او ما الى ذلك من المصالح الخاصة التي تضر بالأشخاص ذاتيين كانوا او اعتباريين، بمعنى ان الابتزاز يفيد السلب والنزع.
واصطلاحا يقصد بالابتزاز هو القيام بفعل التهديد بكشف معلومات يراد منه تحطيم المهدد نفسه او غيره عندما تكون المعلومات لها تأثير على الحياة الشخصية سلبا، استغلالا لأحداث عاشها الضحية.
وبالرجوع الى مجموعة القانون الجنائي المغربي نجده خص جريمة الابتزاز بفصل فريد بالمادة 538 منه بانه: ” من حصل على مبلغ من المال او الأوراق المالية او على توقيع او تسليم ورقة مما اشير اليه في الفصل السابق (537)، وكان ذلك بواسطة التهديد بإفشاء او نسبة أمور شائنة سواء كان التهديد شفويا او كتابيا…” وكما عرفه خالد شنو دكتور بجامعة البحرين قائلا: ” ان الابتزاز هو دخول غير مشروع عبر احدى الشبكات التواصل الاجتماعي او وسائل الاتصال الخاصة بشخص ما لتهديده او ابتزازه لحمله على القيام بفعل معين او الامتناع عنه ولو كان القيام بهذا الفعل الامتناع عنه مشروعا. ”
ويقصد بالتهديد بإفشاء أمور او نسبة أمور مخدشة بالشرف، هو افشاء لأمور او نسبة أمور ولو كانت صادقة توجب عقاب من أسندت اليه، وتؤدي الى احتقار الضحية ويراد به تخويف او احداث الخوف لديه بالطريقة التي يعاقب عليها القانون، والتهديد بهذا المعنى يشمل التبليغ عن جريمة سواء كانت صحيحة وقعت بالفعل او كانت مختلقة.
ولعل ان الابتزاز هو جريمة أخلاقية وسلوك ينبذه المجتمع، فهو يشكل تعديا ومصادرة للحرية الشخصية قد تمس الانسان في ماله وعرضه وسمعته. ونرى في الابتزاز انه يشكل نوعا من التجسس على اسرار الناس الغاية منه فضحها في حالة عدم الرضوخ الى رغبة المبتز.
فالابتزاز يبقى استغلال ضعف الانسان الذي قد يمر بتجارب في حياته وقد تتخللها اسرار مشينة او وقع في أخطاء قد لا يغفرها المجتمع، فمسألة الابتزاز هي مسألة متشعبة قد تحتاج الى وقفة طويلة لتدارس الدوافع من جميع النواحي اجتماعية ثقافية قانونية تقنية بيئية وشرعية قد يكون أساسها الخوف من الفضيحة.
فالفضيحة هي مسألة معيارية تختلف من شخص لآخر، فما يراه الواحد من فعل مشين فلا يراه الشخص الآخر الا أمرا عاديا، على اعتبار أن الإحساس العاطفي يلعب دورا مهما في حصول المبتز على مبتغاه باستخدامه الابتزاز العاطفي حتى يتمكن من السيطرة على نفسية الضحية وجعله يستشعر بالذنب قد يؤدي به الامر الى الإذعان والاستجابة للطلبات.
ولعل الذي يهمنا غي دراستنا الابتزاز الالكتروني الذي أصبح شائعا ويعرف توسعا مذهلا عبر الأوساط الالكترونية بأن سهل على الجناة الذين يعانون من اضطرابات نفسية او نزعات إجرامية. فالابتزاز الالكتروني هو عملية تهديد وترهيب للضحية بنشر صور او تسريب معلومات سرية او مواد متعلقة بالأفلام مقابل دفع مبالغ واستغلال الضحية للقيام بأعمال غير مشروعة وعادة ما يقع الضحية في الفخ يساعد في ذلك كثرة الاستعمال للأنترنت، من بريد الالكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي.


✓ محل الابتزاز
يكون محل الابتزاز متنوعا بتنوع الجريمة بحيث قد يكون منصبا على المال وقد ينصرف الى اعمال مع استعمال الآلة، فغاية المبتز هو الحصول على المال بحيث لا ينتهي لمرة واحدة وانما يتعداه لمرات متكررة، حينما يشعر الجاني ان الضحية وقع في المصيدة ولمس منه الضعف. ولكن ليس المال هو الغاية دائما وانما قد يطلب المبتز القيام بعمل سواء كان مشروعا او غير مشروع، فتعنت الضحية غالبا ما يكون سببا للوقوع في ابتزاز مادي او جسدي تحت وطأة الاكراه.
فالثقة في الجاني أحيانا تكون أرضية خصبة لإيقاع الضحايا في المحظور والتصرف الذي يرفضه الشرع والقانون والمجتمع وحتى الضحية نفسه، مثلا كالذي يرتبط بفتاة بعد ان توطد العلاقة بينهما وبعد اخذ الصور بشكل مخجل، وكلما حاولت الانفصال عنه يتم التهديد بنشر الصور عبر الشبكة العنكبوتية ان لم تستمر العلاقة بين الطرفين خارج مؤسسة الزواج، وقد يصدر الابتزاز من زوج لزوجته أيضا مثلا يتم طلب الزوجة لمستحقاتها الشرعية او الانفصال عن زوجها او لإرث حصلت عليه، او كالذي ينتحل صفة فتاة مع انه رجل كتزيين حسابه الالكتروني بصور فتاة جميلة ومغرية ويعمل على استدراج الضحايا عبر وسائل المشاهدة الالكترونية كالسكاي اب او الوات ساب، ويعمل على تسجيل المكالمات صوت وصورة ليتبين في الأخير ان المتواصل معه ليس بفتاة وانما هو شاب دكر.
وغالبا ما يكون الهاتف المحمول مصدر قلق للعديد من الناس باعتباره مجمع للأسرار المهنية الشخصية والعائلية وحتى الاغيار لكثرة استعمالاته ومحتوياته الذكية، فضياع الهاتف او سرقته او حتى تركه قصد إصلاحه للعطل الحاصل به، يحقق خطرا على مالكه ونذكر من ذلك واقعة الفتاة التي تم استدراجها من طرف شاب وقام باغتصابها وتسجيله لها لعملية الاغتصاب كاملة ثم بعدها بدأ يهددها بنشر الصور عبر الانترنيت، ان لم تمكنه من نفسها او من مبلغ من المال او هما معا. مما يفيد انه رغم الفوائد العديدة التي تحققت بفضل استعمال الانترنيت بصفة عامة ووسائل الاتصال الحديثة بصفة خاصة وان قلصت من عناء المسافات والزمن فإنها بالمقابل جرت الويلات على مستعمليها.


✓ أسباب الابتزاز
لعل التطور التكنولوجي وغزو الثقافة الالكترونية لثقافة الانسان والمزج بين المجتمع الواقعي والمجتمع الافتراضي، خلف نوعا من أساليب الحياة البشرية بأن أصبح كل فرد يعمل على خلق واتخاذ لحياته أسلوبا ونمطا لا يحيد عنه وبالتالي أثر هذا الأخير على واقع ما كان ليكون محتوما بعدما كان مألوفا لولا اتباع نهج فرضته العولمة، وفي المقابل قد ينتج عن هذا الأسلوب سلوك يرفضه المجتمع باعتماد وسائل تقنية غايته الاضرار بالأشخاص افرادا او جماعات ترجع لأسباب معينة وباتباع وسائل خاصة.
يمكن تقسيم الأسباب القوية لجريمة الابتزاز بشكل عام والابتزاز الالكتروني بشكل خاص الى ثلاث دوافع، الأولى الانتقام او الرغبة فيه والتهديد وثانيهما الابتزاز وآخرها التهور. يعد المغرب من بين البلدان العربية التي تتقن العمل بالحاسوب من ناحيتيه الإيجابية والسلبية والممارسات الغير المشروعة عبر الانترنيت والذي يهمنا في دراستنا هاته جريمة الابتزاز باستخدام برمجيات الغرض منها الإيقاع بالضحايا اللذين يتم اختيارهم لملاءة ذمتهم المالية. (1)
ومن اهم أسباب الابتزاز الالكتروني ضعف المستوى التعليمي وسوء استخدام التقنية العالية، وانتشار المواقع التي يمكن التحميل عليها او الاستيراد منها، ساعدت ضعاف الايمان وغائبي الضمير باستغلالها لابتزاز الفتيات، كمواقع الزواج والتقديم على الوظائف مجهولة المصدر واستغلال أخطاء من يقع فيها، مما يسهل الأمر على الجاني عندما يقوم الضحية بوضع صور خاصة او تبادلها عبر الانترنيت الالكتروني بحيث يتم إعادة تركيبها واستغلالها.
كذلك ضعف سبل الوقاية والمكافحة وقلة من يلجأ الى السلطات والتبليغ، يجعل الجاني في تعنت ويقوي عزيمته الاجرامية، فضلا عن الفراغ الروحي والوقتي وحب الفضول والمغامرة والرغبة في التجربة.
كما نرى للإعلام دور مهم من خلال عرضه لقصص الحب الملتهبة والرومانسية المفتعلة التي تعرض على الفضائيات، مما يؤجج مشاعر الفتيات اللاهثات خلف الحب، فيقعن ضحايا المعسول من الكلام، أيضا العرض لأفلام الابتزاز كقصة واقعية يتعلم منها الجاني المحتمل.
ولعل من اهم أسباب جريمة الابتزاز ضعف الدفء العائلي والتفكك الأسري من عدم احتواء الأولاد ونقص العاطفة والشعور بالحنان، وتعددت في زماننا هذا وسائل الاغراء مما جعل كل فرد من افراد الاسرة من الوالدين والأولاد يعيش عالمه الخاص الانفرادي، مما يعطل الانفتاح العائلي حتى ان الاب لا يعرف عن ابنه الذي يجلس معه بالبيت وما يفعل داخل الغرفة الى ان يقع ما لا يحمد عقباه.
وإذا كانت قلة العاطفة والحنان من أسباب الجريمة، فان القسوة الزائدة والقهر الأسري تكون بدوره نتائجه وخيمة للغاية، بالشيء الذي يجعل التواصل شبه منعدم، حتى وان وقعت الفتاة في مشكلة أخلاقية يصعب عليها البوح بها فتتكتم على الواقعة ويستغل الجاني الوضع ويطلب المزيد من التنازلات. فغياب الوازع الديني وقلة الايمان وموت الضمير افرز جيلا جديدا ينصاع للماديات في ظل المحيط الاجتماعي الموسوم بالتقدم التكنولوجي الموجه نحو الاستبداد ضد الآخرين كتفريغ لعقد نفسية داخلية يجهلها الآخر تولد العنف ساهم فيها استهلاك المخدرات وشرب الكحول من كلا الطرفين او الجنسين.
لقد ساهمت شبكة التواصل الاجتماعي في تحريك وتنفيذ مخططات ثلة من الشباب تستخدم ما تملكه من خبرات الى ممارسات غير مشروعة عبر الشبكة العنكبوتية ومدى اتقانهم وتفننهم في

ارتكاب جرائم منها جريمة الابتزاز باستخدام برمجيات معقدة غايتها الإيقاع بأكبر عدد من الضحايا، بل الأمر تطور الى شكل عصابات منظمة تختار من الضحايا أطر كبيرة من ذوي المراكز القانونية العليا، حتى أصبحت بعض القضايا تتصدر الوسائل الإعلامية وأضحت مادة دسمة لبرامج وثائقية توضح كيف تم ارتكاب الجرائم وكيف تمت معالجتها من قبل مختصين.
ويبقى دور التعليم في أي مجتمع دولي او وطني مهما، رغم زيادة حجم الوسائل التقنية والفنية وكيفية استعمالها، لا يخرج عن انه تحسن كمي وغير كاف خاصة في عالمنا العربي مما يجعله عاجز عن الوفاء بمهام التنمية البشرية، رغم انخفاض نسبة الأمية التي بدورها تختلف درجات، فمن لم يتقن العمل بالحاسوب كما يجب نرى فيه أمي او كالذي يكتفي بلغة واحدة، قد يقال هناك أناس يستخدمون الهاتف وما يتضمنه من محتويات وبرمجيات عن طريق الاعتياد والتعلم غير المؤطر فلا يحتاج الى نسبة عالية من الفهم والادراك، هي مسألة فيها نوع من الحقيقة لكي تبقى نسبية مما يستدعي النهوض بالمستوى التعليمي الذي اصبح مشروطا لمحاربة كل العراقيل التي قد تقف حجرة عثرة في طريق النمو والازدهار لأي بلد منها الهدر المدرسي، وللإشارة هنا يجب ان يكون الانفاق على التعليم أولى الأولويات بالمقارنة مع المجالات الأخرى، لكن ليس المهم في الاستعمال وكيفية الاستعمال بقدر ما يهمنا وما نسميه ان صح التعبير الوعي الاستعمالي او النضج الاستعمالي او رقي الاستعمال.


✓ وسائل الابتزاز
ان الوسائل التي ترتكب بها جريمة الابتزاز متشعبة وان كانت تبدو بسيطة، غالبا ما تكون الوسيلة في الابتزاز استعمال العامل الجنسي، بحيث أصبحت عصابات متخصصة للعمل على إيقاع الضحايا من خلال توجيه فتاة دعوة لطلب الصداقة مع انتحال الهوية او بهوية خاطئة فيتم قبول الدعوة ويبدأ الحديث والحوار في تطور وتقتصر المسافة وتتوطد العلاقة حتى يتمكن الطالب الذي يقترح على المطلوب في الدعوة الى التوجه الى احدى برامج الاتصال المرئي المتعدد ويتم قضاء وقت ممتع عبر الكاميرا الذي يكون خاضعا للتسجيل وهو ينعم بالثقة الزائدة ويقع في فخ العصابة وبعدها تتم عملية الابتزاز التي لا تحيد عن امرين اما الانصياع واما نشر الفيديو، وكما ينطلي الامر على الرجل ينطلي على الفتاة او النساء المتزوجات عن طريق قصص الغرام الخادعة للحصول على الصور وغيرها، وقد تكون في وضع محتشم وبمجرد الوقوع في المحظور مجتمعيا واخلاقيا تبدأ المساومة اما بالممارسة الجنسية او دفع المال او هما معا.
وقد تكون الوسيلة دون اية رابطة او علاقة بين المبتز والمبتز، كأن يتم التسلل غير المشروع الى جهاز الحاسوب او الهاتف الشخصي، ولقد ورد في احد المواقع الالكترونية (2) ان وضع خطر طغى على الصفحة الاجتماعية ولازال الموضوع مستمر وبشكل كبير كون مجموعة من الفتيات يدعين انهن مقيمات بالخليج، حيث تكونت عدة عصابات من جنسيات مختلفة منفصلين عن العمل، تستخدم الفتيات كطعم لصيد فرائسهم من الشباب والشياب الخليجيين المنهكين عاطفيا والايقاع بهم عبر موقع الفيس بوك الاجتماعي وغيره من شاشات المحادثات حيث يتم ايهام الضحية بإقامة علاقة جنسية للمتعة عن طريق برنامج سكاي، وتسعى الفتاة خلال ذلك ولا تمل للتواصل عشرات المرات مع الشخص وتلح عليه لفتح الكاميرا في الحاسوب من اجل الحديث وممارسة المتعة وما ان يفتح الشخص الكاميرا حتى تتجرد الفتاة الصغيرة الجميلة في عمرها الوردي من ملابسها لإغرائه حتى يمارس معها المتعة او ما يسمى بالجنس الافتراضي، وما ان يستجيب الشخص ويتجرد من ملابسه يكون هناك شخص آخر بجانبها يعمل على تصوير المقطع وبمجرد ان تنتهي العملية وفي الحال يرسله للشخص المعني وتبدأ عملية الابتزاز بالمطالبة بالمبالغ الكبيرة ودفعها في حساب يرسله المبتز، وفي حالة عدم الاستجابة للطلب، سيقوم تهديدا بعرض ذلك المقطع على الانترنت ويرسله لأصدقائه، وأيضا الشابات في إشارة للسحاقيات اللاتي يتم الإيقاع بهن من هؤلاء الفتيات وأيضا المثليين وهم ظهروا بشكل كبير في السنوات الأخيرة في الحفلات الماجنة والتي يتم محاربتها من قبل السلطات الأمنية، وهنا نأمل ان يحرص الشباب المراهقين والفتيات على انفسهم من تلك الابتزازات وان حصل وجب تقديم شكوى لدى الجهات المختصة مع التزام الحيطة والحذر والعمل على تنوير المستخدمين، على اعتبار ان المبتزون يختارون ضحاياهم بعشوائية ولا يستهدفون اشخاص بحد ذاتهم حيث يعملون على انشاء حساب وهمي على شبكة التواصل الاجتماعي او تويتر كما اشير اليه سابقا.

➢ تطور ظاهرة الابتزاز بالمغرب


✓ الجاني والمبتز
لا يمكن الحديث عن تطور ظاهرة الابتزاز بالمغرب بمعزل عن الخصائص التي يتميز بها المجتمع العربي وتحدياته. فالملاحظ في العالم العربي هو تفاوت نسبة السكان وهذا التفاوت له انعكاسات على الخصائص المجتمعية، وفي دور تحديد السياسات التنظيمية والاجتماعية في اقطار الوطن العربي حيث في منتصف القرن العشرين عرف المغرب تحولا ديمغرافيا بان انخفضت نسبة

انخفاضا نتيجة لتحسن الأوضاع الصحية مع بقاء المعدل المتعلق بالمواليد دون تغيير بل عرف معدل الزيادة الطبيعية ارتفاعا نسبة قد تصل او تجاوز الألف، مما يفيد ان عدد سكان الامة العربية يعرف زيادة مضاعفة مرة على الأقل كل ثلاثين سنة. (3) نتج عنه ارتفاع الخصوبة وارتفاع عدد السكان الذي اكثره أطفال في ريعان الشباب وجعل القاعدة السكانية تتسع وتضيق كلما تدرجت، فكان له انعكاس تمثل في انخفاض نسبة الحصول على العمل وحصول العالة على الاسرة والمجتمع بان أصبح الفرد هو الاسرة التي لا تشارك في سوق العمل.
ولا نبالغ ان قلنا ان الدول العربية ذات الدخل المنخفض ومنها المغرب هي صاحبة اعلى نسبة لصغار السن وخاصة الذكور الذين يبقون أكثر ميلا للإجرام اعتبارا للبنية التي يتميز بها كل من الجنسين. (4) فلعل العامل الأساسي في ارتفاع عدد الساكنة، الهجرة من البادية الى المدينة لسهولة العيش وسرعة التحضر، ولعدم استيعاب بعض المدن وادماج الرجل في القطاعات الاقتصادية تكونت طبقة من العاطلين، أثرت سلبا على الاستقرار الأمني والاجتماعي في المجتمع.
فالمعاناة التي تطفو على السطح في المجتمع العربي هي نسبة الأمية المرتفعة رغم المحاولات التي تعمل الدول من اجل الاقلال وتخفيضها، زد على ذلك البطالة التي هي بدورها تواجه الامن الاجتماعي والاقتصادي، بحيث لا يوجد تناسب بين النمو السكاني المتسارع وفرص العمل فضلا عن الاستخدام غير المدروس للتقنية الحديثة التي عمت العالم بصفة عامة والوطن العربي بصفة خاصة بان حددت حصة العمل وافراز البطالة التي هي نتيجة حتمية للتطور التكنولوجي.
وكما يرى الباحث ان البطالة في الوطن العربي تعكس نوعا من الاختلال والتباعد بين السياسات التعليمية وبين أنظمة التشغيل والعمل، فالبطالة المقنعة تعني عدم وجود حاجة فعلية للخريجين كما تدل على جمود النظام التعليمي وقصوره، اما البطالة السافرة فتعني ان الإنتاج لا يخلق فرص العمل المطلوبة للقوة البشرية ولا يبحث عنها، كما نعني ان سوق العمل الرسمي اصطفائي وينجذب الى القطاع الحديث. (5)
فمعضلة الآثار العاكسة على الفرد في مجتمعنا التي تسوده البطالة لا تنحصر في الحصول على العمل فحسب، بل ينصرف ذلك الى فقد الإحساس عند شعور الفرد ان أحلامه تتبدد في ظن منه ان المجتمع تخلى عنه وأصبح يواجه مصيره بمفرده الحاضر المعلوم والمستقبل المجهول، مما يخلف شرخا في الصلة بين الانتماء الاجتماعي والمجهودات الفردية المنسية بالطموح، فتظهر الرغبة في الانحراف عن المعايير الاجتماعية، ويتم اقتراف الجريمة كرد فعل اتجاه المجتمع بحيث يصعب علينا تحديد من الضحية المجتمع ام الفرد الجاني؟
وكما لا يخفى لا يمكن ان نتناول نوعا من الجرائم دون معرفة التطور العالمي وتأثيره على سبل ارتكاب الجريمة، فالعولمة في محاولة الترويج لها وفرضها لها انعكاسات مستقبلية على المجتمع دول السائرة في طريق النمو، حيث تقدم على هدم التوازنات التقليدية وتفكيك البنى الاجتماعية ودمجها قسرا في إطار أحادية السوق تنفيذ المخططات الشركات المتعددة الجنسيات الاحتكارية.
فالعولمة كما وردت في كتاب صاحبه ” فخ العولمة ” هي زيادة الطاقة انخفاض الأجور تدهور مستوى المعيشة تقليص الخدمات الاجتماعية التي توفرها الدولة إطلاق آليات السوق ابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي واقتصار دورها على حراسة النظام وتفاقم التفاوت في توزيع الثروات بين المواطنين، وتعني إيصال البشرية الى نمط واحد في التغيير والاكل والملبس والعادات والتقاليد. (6)
فالجاني المبتز ليس دائما هو ذاك الشخص العاطل العديم الإحساس العاطفي او ما شابه ذلك، انما هو شخص غير مصاب بأية آفة عضوية او نفسية بل قد يكون شخصا يتمتع بملكات طبيعية تجعله قادرا على الأداء المنظم، الا انه في نفس الوقت مصاب باختلال من نوع خاص يصعب عليه التكيف مع المجتمع بحيث لا يشعر بالذنب عند ارتكابه للجرم متخطيا الخوف من العقاب.
وعلى كل نرى ان الابتزاز الذي اصبح منتشرا في يومنا هذا وخاصة الجنسي منه لم يكن وليد الصدفة وانما وجد الأرضية الخصبة وسهولة الاختراق وعدم اكتراث الآخر بالوضع في ظل تفشي الانحلال الخلقي واعتباره أسلوبا للحياة يختارها الشخص، و ان تدخل المجتمع او الغير يعد تعديا على الحرية الشخصية الشيء الذي انتهزه القناصة ان صح التعبير باستخدام وسائل التقنية الحديثة، وظن الضحية انه في محل ستر ويحصل المحظور وان كان مستور، فالابتزاز ظاهرة اجتماعية لها أساس بالأساس المجتمعي والصراع حول الحصول على المال مما يشكل اتجاهات مختلفة بين الثقافة والسلوك المنحرف، وعلاقة بين الانحراف بالمجتمع والردع الاجتماعي كرد فعل.


✓ التعارف الالكتروني
يتضح ان جرائم الابتزاز لها علاقة قوية نسبيا مع نسبة التطور الالكتروني او التكنولوجي وتنخفض حيثما ارتفعت درجة الوعي بالاستعمال الشبكي، بمعنى ان هذا النوع من الجرائم يزداد بارتفاع نسبة الجهل بالأمور او ما يسمى بالأمية المعلوماتية، فضلا عن عامل الثقة التي تقع فيها الضحية.
لقد برزت الى الوجود فئة من الناس اغرمت بالجنس الرقمي ولم تعد تغرمهم العلاقات الجنسية العادية بل أصبحوا يبحثون عن السفر الى قارات وبلدان أخرى بحثا عن البديل والوصول الى اللذة الجنسية بشكل افتراضي او ما يمكن تسميته بالجنس التخيلي والغير المباشر. ولعل السبب في ذلك هو انه متاحا للجميع، وقد تتطور الأمور فينتقل من الافتراضية الى الواقعية كل حسب طلب الخدمة وقيمة الدفع باستعمال وسائل التطور التكنولوجي سواء باستعمال الصور الإيجابية او الحوار المباشر صوت وصورة ويتم الالتقاء افتراضيا عبر الشاشة وتحصل النشوة الجنسية عن طريق الحركات الاغرائية والعراء، وفي هذا الصدد يقول يوسف الساكت “…هذا التواصل الجنسي المختلف الذي يمارس بطرق ووسائل أخرى سواء بالنسبة الى النساء او الرجال يعطي مصداقية لعدد من الاطروحات والدراسات الأنثروبولوجيا والسيسيولوجيا التي تناولت علاقة المضاربة بالجنس وكيف بدأ عدد منهم يتحرر في الخفاء على الأقل يتمرد على عدد من الضوابط الدينية والاجتماعية التي كانت تحصر الجنس في قواعد معينة لا ينبغي الانزياح عنها والا دخلت في الحلال والحرام.” (7)
ان استعمال الوسائل الالكترونية كإرسال سيل من الصور لفتيات حسناوات غير الغرض من اكتشاف المنتوج العلمي الهائل الا هو الانترنيت فعوض ان تخدم البشرية بالأنفع أصبحت محط شؤم بان تم استغلالها في الدعارة كباقي دول العالم. ولقد ساهمت التكنولوجيا الحديثة في انقراض الوساطة في البغاء او القوادة تقليديا بل أكثر ادرارا للأرباح، والادهى من ذلك ان من يمارسها يكون في منأى عن الشرطة نسبيا وان تم الوصول اليه يكون بعد جهد وعناء كبيرين. فالقوادة الالكترونية تبدأ بمراحل كاستعمال كلمة تدليك المساج حتى يتم اعطاءها مدلول قانوني ومؤطر لكن من وراء الستار هي الممارسة الجنسية بطقوس، وهو ما كشفته التحريات التي قامت بها الضابطة القضائية في كل من مدينة البيضاء والمحمدية وانه تم استقطاب الباحثين عن اللذة بان قام زعيم الشبكة للدعارة الى تأسيس مركز للنداء سريا وأوكل مهمة الاشراف عليه لفتيات يجدن ليس فقط التواصل، بل حتى كل طرق الاغراء بحيث كان أغلبهن مستخدمات في مراكز النداء بأجرة مغرية بالإضافة الى عمولات عن كل زبون وافق على العرض.
ولا تقتصر هذه الشبكات على تقديم خدمات الجنس للرجال فقط بل حتى النساء منهن المتزوجات اذ تتم طمأنتهن بممارسة الجنس في السر، ممن يضمن لهن المتعة والحصول على المال بالنسبة لعناصر الشبكة بكل سهولة وفي زمن قياسي دون استخدام الوسيط التقليدي الذي تم استبداله بالوسيط الالكتروني الهاتف الخلوي.
وبالرجوع الى المشرع المغربي اعتبر تصوير مشاهد الجنس مجرد جنحة بسيطة عقوبتها لا تتعدى السنة الواحدة أي جنحة ضبطية مع انها لها عواقب جد وخيمة قد تدفع الضحية الى الانتحار درء للفضيحة التي أصبحت تنتشر بسرعة الضوء بين الناس التي لا تبحث عن صحة القضية من عدمها بل ان تأثير هذه الكارثة لا تنحصر في الضحية وانما تتعداها الى عائلته. ونرى غالبا ما يرتكب هذا النوع من الجرائم الأحداث بالإضافة الى الرشداء، فالمشرع لم يفرق بينهما حسب الفصل 538 من القانون الجنائي المتعلق بالابتزاز، وانما في إطار سلطة الملائمة التي تتمتع بها النيابة العامة من تطبيق مقتضيات الفصل 475 من نفس القانون التي تنص على ان كل من غرر بقاصر تقل سنه عن 18 سنة بدون عنف ولا تهديد ولا تدليس او حاول ذلك وقد تضاعف العقوبة إذا ما اقترنت الأفعال المذكورة بالقوة او العنف.

➢ أنواع الابتزاز


✓ الابتزاز السوسيو ثقافي
تعتبر الجريمة الالكترونية تهديدا للأمن الاجتماعي، فتعرض المجتمع لقيم وسلوكيات المجتمعات الأخرى قد يسبب تلوثا ثقافيا يؤدي الى تفسخ اجتماعي وانهيار النظام الاجتماعي، فالاستعمال غير القانوني والاستخدام غير الأخلاقي للأنترنيت من قبل المراهقين او حتى من قبل الرشداء يؤثر سلبا على النمو السليم لشخصياتهم، مما ينتج عنه عقد نفسية، ولا يمكن الحديث عن الأمن الاجتماعي في ظل المعارضة القوية المتمثلة في حماية الخصوصيات الفردية والحريات الشخصية، ولا جدال ان قلنا ان الابتزاز المجرم هو نتاج سلوك اجتماعي منحرف في غياب الرعاية والمراقبة والوقاية من جميع الجهات كيفما كانت تربوية امنية ثقافية اجتماعية، وفي غياب التناسق يضيع الفرد وسط مجتمعه الذي يتأثر لا محالة، على اعتبار ان الفرد نواة المجتمع، وصلاح هذا الأخير يرتبط بصلاح الأول.

• السلوك الاجرامي للجاني

لعل واقعة تعاطي الشباب مدينة وادي زم استأثرت باهتمام الراي العام المغربي والعالمي او ما يسمى بالأرناكيون من فئة عمرية لا تتعدى 17 سنة في اكثرهم بابتزاز طبقة معينة من الضحايا خاصة دول الخليج أي ما يسمى بالزيرو مستعملين آلة الحاسوب وجعلها مصدر رزق أدر عليهم مبلغ مهمة، لكن الأهم من كل ذلك لماذا يلجأ هؤلاء لمثل هذه الأفعال المشينة ويضعون أنفسهم في مازق أخلاقي؟
في هذا الصدد يرى الدكتور الاخصائي في الطب النفسي (8) ان المتورط في جرائم الابتزاز الجنسي الالكتروني شخص يعاني من اضطراب سلوكي وعدم استقرار عائلي يدفعه اللجوء الى ممارسات خفية تعوضه عن غياب الاسرة، كما يعاني نوعا من الضعف وانعدام الثقة بالنفس يجعله صيدا سهلا لتلك العصابات، بالإضافة الى انه عادة يتعلم هذه التصرفات من اشخاص آخرين. وأوضح ان الإدمان على الجنس الالكتروني يشبه تماما الإدمان على المخدرات فيتعلم الشخص هذا السلوك غالبا في سن المراهقة وتدريجيا يعتاد عليه عقله وغريزته ويصعب عليه الإقلاع عنه مشيرا الى ان مدمن الجنس الالكتروني يكون صيدا سهلا لعصابات الابتزاز لأنه لا يكون في حالة اتزان عقلي ونفسي كامل اثناء ممارسة هذه السلوكيات، فيتم استغلاله في هذه اللحظات لذا نجد أشخاصا لديهم معرفة سابقة بمخاطر الابتزاز الالكتروني ورغم ذلك يقعون فيه.
وتطرق الباحث في علم النفس الاجتماعي (9) مؤكدا ان الجريمة الالكترونية لا تقتصر فقط على مستعملي شبكة الانترنيت اذ انه لا احد في منأى عن هذه الظاهرة متسائلا حول ما اذا كان هناك استعداد قبلي للخوض في الجريمة الالكترونية خصوصا وانها أصبحت منظمة وليست عبارة عن عمل هاو في العديد من الدول، مسترسلا بالقول ” في بعض الحالات ترتكب أشياء يمكن ان تكون جريمة الكترونية، فالكثيرون يدنسون قيما مجتمعية وجرائم أخرى من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي، موضحا ان الجريمة الالكترونية مرتبطة بحقل يتطور باستمرار وبسرعة البرق في وقت يمشي فيه القانون كالسلحفاة حسب تعبيره محذرا من التداعيات النفسية والاجتماعية للجريمة الالكترونية في المغرب خصوصا وان المجتمع المغربي مازال يعاني من ظواهر كالأمية الإلكترونية.
ونرى ان من يقع تحت وطأة الابتزاز الجنسي شخص يعاني من اضطرابات وسلوكيات غير متزنة أساسها الكبت الجنسي وعدم الاشباع، خاصة إذا ما علمنا ان الضحايا اغلبهم كبر السن و رشداء وبالمقابل نجد الجناة قاصرين قانونا، مما يجعلنا نضع التساؤل الاولي من الضحية الأصلي خاصة اذا كانت فتيات؟ و من هنا نتساءل الا يمكن متابعة الضحايا بالتغرير بقاصر او التحريض على الدعارة في حالة وجود جاني راشد جنائيا الا يمكن متابعتهم على اعتبار لمقاصد متبادلة الأول يرغب في المتعة الجنسية الافتراضية والثاني يرغب في الحصول على المال الشيء الذي نرى معه تدخل تشريعي يعمل على تجريم الفاعلين وان كانت النصوص الحالية تتضمن ذلك الا انها تبقى غير كافية، حتى يمكن محاربة هذا النوع من الجرائم والكف عن الاقدام عن الأفعال المخلة وان كانت في خلوة بين الطرفين الكترونيا، وهو ما نجده في العبارات والجمل التي تفيد الخلوة ” انا وحدي، انا بمفردي بالمنزل، ” ويكون في ساعات متأخرة من الليل بعد ضرب الموعد بين الطرفين الكترونيا أيضا وتتم العملية أيضا افتراضيا.

• الكترونية جريمة الابتزاز

لا تخرج جريمة الابتزاز الجنسي الالكتروني عن باقي الجرائم المتعلقة بالأخلاق والآداب لأنها تمس العرض والاخلال العلني بالحياء والتحرش الجنسي وغيرها من الأمور وان كانت افتراضية. وهنا يجب التفرقة بين الجريمة المعلوماتية والجريمة الالكترونية على اعتبار ان الجريمة المعلوماتية تنصب وتقع على الجهاز الحاسوب كضحية او بيئة دون اتصال شبكي على خلاف الجريمة الالكترونية او المستحدثة عن النظم المعلوماتية حيث يكون الجهاز وسيلة لكن باستعمال الانترنت وان اخذت من الجهاز كيفما كان الهاتف النقال او الحاسوب او ما شابه ذلك من كاميرات التصوير الخاصة او المحدثة بالمنازل او المحلات التجارية وكل ما قد يجود به العلم مستقبلا.
ولا يمكن اعتبار الفقر سبب في تنامي ظاهرة الجنس الالكتروني وانما نراه عاملا ثانويا في ظل غياب الاخلاق خاصة الفتيات اللواتي يتخذن من اجسادهن ومفاتنهن عرضة لبيع الهوى او ما نسميه بالتجارة الجنسية الافتراضية، فقد يكون السبب في ذلك عزوف الشباب عن الزواج ومحاولة جلبهن خلف الشاشة لما تمتاز به المرأة من الحشمة والخجل ويعملون على تهييج الرجال كما هو الحال ما ظهر ببعض الفيديوهات وهم يمارسون العادة السرية او الاستمناء اثناء الحوار الافتراضي عبر الكاميرا، ولا نغالي ان قلنا ابتزاز الفتيات للشباب يكون ليس لغرض مالي وانما للحصول على زواج من الذي اصبح مبتزا بوسيلة او بأخرى ويستشف ذلك من خلال الرسائل النصية بين الطرفين في غياب ما يسمى بالحب وانما المصلحة.
ويزيد الامر تأججا في دور الخاطبات التي تحصل على معلومات خاصة من الفتيات والصور وعرضها على مواقع الكترونية مواقع الزواج، وفي غياب الاسرة التي تساهم في عدم تهيئة حياة متوازنة للمراهقات بعيدة عن الازمات النفسية والانفعالية وغياب استقرار الاسري، ينتج عنه سلوكيات خارجة عن السياق الاسري وتزداد المشاكل صعوبة ويتم التخلي عن المسؤولية لكل من الآباء والابناء. فتحمل المسؤولية للفتاة يجعلها قادرة على مواجهة المشكل ويعطيها القدرة على فهم الآخر والتمييز بين النافع والضار.
فغياب دور المؤسسات الاجتماعية وعدم الاهتمام بوقت المراهق وملء فراغ اوقاته في أنشطة نافعة وامتصاص الطاقة الذهنية في البعد عن التفكير الخاطئ وامتصاص الطاقة الجسدية واشباع رغبة المراهقات والمراهقين الى المعرفة سوف لا محالة يتخلصون من السلبيات والتفكير في أي عمل قبل الاقدام عليه.

• جريمة الابتزاز بين الانحراف والجريمة

حينما يضع المشرع قواعد السلوك فانه يعتمد في ذلك في بناء الدولة ونظامها الاجتماعي وفلسفتها السياسية، وقد لا تتفق هذه الأخيرة مع الاعتبارات الاجتماعية والدينية والأخلاقية فهي تتطابق معها في حالات كثيرة لكنها بالمقابل قد تتعارض معها في حالات عديدة أخرى. ان عملية تحديد السلوك الاجرامي ليست بالمهمة السهلة لان الفعل الاجرامي تحدده طبيعة المجتمع وقيمه ومعاييره الاجتماعية، وهي عموما تتصف بالنسبية وليس العمومية والشمولية لصعوبة توحيد المعايير والآداب الاجتماعية، كما ان هذه القيم والمعايير تتباين وتتنوع وتتغاير من زمان ومجتمع الى آخر. (10)
ونرى عملية الجنس عبر الشبكة العنكبوتية هو سلوك انحرافي قبل ان يصل الى جريمة إذا ما استخدم هذا السلوك كوسيلة للحصول على منفعة مالية او جسدية وهنا يصبح الحديث عن جريمة الابتزاز.
معلوم ان الجريمة هي انحراف عن المعايير الاجتماعية وانتهاك للقانون، بمعنى الجمع بين المفهومين الاجتماعي والقانوني، الأول يكون الفعل الضار اجتماعيا والثاني معاقب عليه جنائيا، والمتتبع لجريمة الابتزاز وخاصة في المجال الالكتروني قد يرجعه الى المعاناة التي يعيشها الشباب اليوم او التطلع على عيشة أفضل وان كانت مقبولة على اعتبار ان الجريمة في نظر علماء النفس هي تعبير عن طاقة انفعالية لم تجد لها مخرجا اجتماعيا فأدت الى سلوك لا يتفق والأوضاع التي يسمح بها المجتمع(11) فهو سلوك متعمد وغير مشروع يصدر عن مظاهر نفسية هي اعراض الكبث والاضطراب الداخلي لإشباع احتياجات تدفع الفاعل نحو هذا السلوك.(12)
وهذا السلوك قد يوصف بالجرم وقد يوصف بالانحراف، يبدو كلمتان مترادفتان والحال هناك اختلاف مهما من حيث درجة الإساءة او حجم الضرر الذي قد يلحق بالفرد او المجتمع من جراء الافعال الصادرة عن شخص ما ودرجة التجريم القانوني للفعل او السلوك ويبقى معيار التفرقة في مواقف المجتمع ودرجة تسامحه عن بعض الأفعال الضارة اجتماعيا، بمعنى إذا كان الفعل الضار اجتماعيا يدخل في نطاق حدود التسامح فهو سلوك منحرف وليس بجريمة، وانه إذا كان يتجاوز حدود التسامح فهو فعل او سلوك جرمي.
وهذا ينطبق على الضحايا الذين يقعون في الابتزاز ولا يبلغون عنه مخافة التشهير بهم ويتسامحون مع الجناة وان أنهي الأمر بالسرية حينما يوفي الجاني بالتزامه بعدم النشر بعد ان يكون قد استفاد ماديا يجعله يستمر كلما احتاج من جديد، او البحث عن ضحايا آخرين جدد أي لو تم الأمر باتخاذ الاجراءات القانونية اتجاه الجاني لكان الحد من الجريمة حاصل ولو نسبيا وردعا لكل من تسول له نفسه الاقدام على ذلك.
فسكوت الضحية على حد تعبير القانون والانصياع الى رغبات الجاني يساهم في الاخلال بالأمن الاجتماعي ويهدد الاستقرار الداخلي للمجتمع فكم من تهور الضحايا ذكورا واناثا بسبب في ارتفاع نسبة الطلاق خاصة في الدول العربية التي تعتمد الاخلاق والدين في مقدمتها واولوياتها التربوية. وبهذا تكون نسبة الجرائم المستترة أكثر من تلك التي تم التبليغ عنها والمسجلة لدى السلطات القضائية مع الإشارة ان الجرائم المستتر عنها لا تخرج عن أنماط الجرائم المصنعة، وهذا ما يجرنا الى الحديث عن الابتزاز الالكتروني التي اشتهرت به مدينة وادي زم المغربية والتي تم وصفها بعصابة منظمة، وهو ما يؤكد نظرية معدلات الجريمة تتناسب عكسيا مع عدد السكان ومساحة الأرض بمعنى ان عدد الجرائم يزداد كلما صغرت المساحة وقل حجم السكان، خلافا لما ذهبت اليه نظريات علم الاجرام حول التناسب الطردي للجريمة مع نسبة الاكتظاظ السكاني.(13)
ان تواجد العالم الافتراضي ودخول عامة الناس اليه رغم اختلاف المستويات الثقافية والعلمية والخوف من المحتمل او المستقبلي، تم التفكير في وضع استراتيجيات عمل تعتمد الوقاية والحذر لمستعملي الانترنت وبدأ يلوح في الأفق ما يسمى بالخطورة الاجتماعية وجب البحث عن وسائل الدفاع في مواجهة الاخطار الاجتماعية من اية جهة كانت، فمعدل الخوف كان السبب المباشر في وضع برمجيات تمنع الدخول العشوائي والمقصود الى الحسابات الخاصة ومحاربة الفيروسات.
ان معرفة واقع الحال الآن في الميدان الجنائي تفتح لنا المجال لمعرفة واقع الحال مستقبلا او على محاولة استشراقه، ومن تم اتخاذ التدابير والإجراءات المناسبة لمواجهته او وضع استراتيجيات وخطط مستقبلية لمواجهة الوضع مستقبلا في ميدان الجريمة والجنوح، اذن من الصواب توقع درجة الخطورة الاجتماعية التي تمثلها او قد تمثلها بعض الفئات او بعض الأنماط السلوكية ذاتها، وبناء عليه نستطع توقع درجة الخطورة الاجتماعية التي تمثلها بعض الفئات الاجتماعية الموسومة (خطرة) او الفئات التي تكون لها احتمالية أكثر من غيرها، بان تكون خطرة او بعض الأنماط السلوكية التي تكون او قد تكون خطرة على المجتمع (14) خاصة إذا كان الجاني غير معروف.
فتقدير الخطورة الاجتماعية لا يعتمد على الشك او الظن بقدر ما يعتمد على معرفة حقيقية بالوقائع والاحداث الحاصلة في المجتمع وربما تستطيع الذهاب الى ابعد من ذلك ليقول ان معرفة الخطورة الاجتماعية لفئات يعيشها مستعملي الانترنيت في مجتمع معين وفي وقت معين – المبنية على حقائق ومعطيات سلمية – هي وسيلة فعالة أيضا لفهم عمليات التحول او التغير الاجتماعي الحاصل في مجتمع معين.


✓ الابتزاز الاقتصادي
قد ينصرف الابتزاز الاقتصادي الى ما بين الأشخاص ذاتيين واعتباريين من جهة أولى وقد ينصرف فيما بين اشخاص اعتباريين من جهة ثانية، كما قد ينصرف الى ما بين الدول من جهة ثالثة.
ففي الحالة الأولى فهي التي قد تتعرض لها المؤسسات المالية والمؤسسات التجارية والصناعية والأنظمة الشخصية المخزنة في الأبناك وشركات التأمين سواء من قبل العاملين بها كالعامل الساخط او الحاقد بأن يفشي سرا وبيعه لشركة أخرى منافسة ان لم يحصل على محل الابتزاز.
فقد تقع الحالة الثانية من قبل شركات اجنبية الا انها منافسة بحيث تفرض قيود غير مباشرة على الشركة الضعيفة او الحديثة النشأ، بغية الانصياع او الدخول تحت جناح الشركة القوية اقتصاديا او ما يسمى بالاستيلاب او الامتصاص او تدميرها في حالة التعنت كما هو حال الشركات المتعددة الجنسيات التي تفوق ميزانيتها ميزانية بعض الدول وتتحكم اقتصاديا على مستوى العالم.
اما على المستوى الآخر، فإن للحالة والظروف الاقتصادية دورا مهما ومكرسا لواقع الابتزاز قد يكون ناتجا عن حقد او غل بين افراد المجتمع بتنامي الطبقات والفوارق الاجتماعية فيصبح العامل الاقتصادي قنطرة العبور الى ارتكاب الجريمة بصفة عامة والابتزاز بصفة خاصة، علما ان الابتزاز الالكتروني يسهل للجاني ارتكاب الفعل بشكل متستر حسب اعتقاده لكونه غير معلوم وغير معروف لدى الضحية بغية الحصول على المال والثراء السريع. فكلما كانت الظرفية الاقتصادية صعبة كلما كان البحث عن وسائل الاغتناء ورفع العناء مطلوبة للخروج من الازمة المزمنة.


✓ الابتزاز السياسي
ونقصد به الفساد الاداري بمعناه الأوسع إساءة استخدام السلطة العامة لأهداف غير مشروعة وعادة ما تكون سرية لتحقيق مكاسب شخصية بسلوك وسائل متنوعة واكثرها شيوعاً كالمحسوبية والرشوة وممارسة النفوذ والاحتيال ومحاباة الأقارب.
فالابتزاز السياسي هو القيام سواء بالعمل او بالامتناع عن القيام بعمل لأجل الاستفادة من الأموال العامة او الخاصة بالأفراد بطرق غير قانونية. بمعنى الإتجار بالمنصب. وهناك من يضع اختلافا بين الابتزاز “الشريف” والابتزاز “غير الشريف” في اقصاء للهدايا من خانة الابتزاز.
ويظهر الابتزاز السياسي جليا من خلال تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين من قبل بعض الشركات وخاصة الكبرى، ويسبب تمويل الشركات للسياسيين تبعات من قبيل مفهوم الخطر الكامن المتمثل في ان هذه الأخيرة تشتري بأموالها أصوات المسؤولين المنتخبين، مما دفع بعض الدول، اللجوء إلى حظر قيام الشركات بتمويل الاحزاب السياسية جملة وتفصيلاً. وكذلك بسب الالتفاف المحتمل على هذا الحظر القانوني على تمويل الحملات السياسية، تفرض سقفاً محدداً كحد أقصى للإنفاق على الحملات الانتخابية، لذا فإن المرشحين الذين يتجاوزون سقف الإنفاق هذا سيخاطرون باعتبار حملتهم غير قانونية او بالتعرض للمنع من الاشتراك في الانتخابات المستقبلية. وعلاوة على ذلك تقوم الحكومة بتمويل الأحزاب السياسية تبعاً لنجاحات تلك الأحزاب في الانتخابات. وفي بعض البلدان تدار الأحزاب السياسية بالاعتماد على اشتراكات الأعضاء فقط. وينتقد البعض حتى هذه الإجراءات القانونية ويقولون بأنها تقنن الفساد لكونها تفضل الإبقاء على الوضع السياسي الراهن. (15)
فالأحزاب الصغيرة والمستقلون غالباً ما يقولون بأن الجهود المبذولة لتحجيم نفوذ المساهمين بالأموال لا تفيد سوى في حماية الأحزاب الكبيرة عن طريق ضمان تمويل حملاتها من الأموال العامة، في الوقت الذي تحد فيه من احتمالات التمويل الخاص من أطراف خارج الحزب للأحزاب الصغيرة. (16)
وقد يقع الابتزاز بوسائل تقليدية او عن طريق الوسائط الالكترونية كأن يلتقط لمرشح منافس قوي او البحث عن زلات ارتكبها هذا الأخير في زمن مضى وتتم المساومة بين الإذعان لطلبات ما كان يكون الطلب هو التنازل عن الترشيح او الانسياق الى تحالفات او غير ذلك من الطلبات كخيار اول او الفضح بطريقة عادية او الكترونية مع وضع تعاليق او بدونها بغية نشر المعلومة للراي العام وتبيان وتشويش في مدى نزاهة او سوء اخلاق المرشح في غاية افشاله.

الابتزاز والاعلام

الأساس في العلاقات الإنسانية هو الكلام ومن غير المعقول تصور أي مجتمع ولد وعاش في أي حقبة من حقب التاريخ من دون كلام. لينتقل الكلام بعد اكتشاف الورق والطباعة بعده إلى مرحلة الكلام المقروء، والإنسان بطبيعته الاجتماعية يميل إلى أخيه الإنسان وإلى معرفة ما يدور حوله من خلال جمع وتناقل الأخبار الذي يجعله يتواصل ببعضه البعض عبر المجتمع وعبر الأجيال. وتشكل الصحافة اليوم أهم طرق الإفصاح عن الرأي والإعلام والاتصال المعاصر بعد أن ارتاح الانسان من عناء الاتصال الشاق.
وكما هو معلوم، الصحافة هي جمع الاخبار او المعلومات او الوقائع او التحري او الاستقصاء، القصد من كل ذلك كتابة او انجاز مادة اعلامية مكتوبة او مسموعة او سمعية بصرية او مرسومة او بأية وسيلة أخرى، وتمارس الصحافة بواسطة مطبوع دوري او بواسطة صحيفة الكترونية في ظل حرية الرأي والفكر التي يكفلها ويضمنها الدستور للجميع.
ولعل التطور التكنولوجي الهائل جعل وسائل الاتصال والإعلام ومنها الصحافة تتنوع وتتوسع حتى اختصرت معطيات الزمن والمسافات البعيدة ليصبح العالم وكأنه قرية صغيرة، الصحافة أداة للتعبير عن الرأي العام الذي لا يهمه سوى الحصول على المعرفة وإبداء الرأي والنقد في اعتبار لصعوبة الموازنة بين مختلف الحقوق والحريات الفردية والجماعية الأخرى، لا يمكن تعريض أمن الدولة الداخلي أو الخارجي إلى الخطر ولا إلى حد التحريض على الجرائم حتى وإن كان هذا التحريض غير مباشر. منع التحريض على الكراهية والتمييز والعنف حماية للحياة الخاصة والحق في الصورة وضع مقتضيات تخص الإشهار لحماية الفرد والمجتمع.
جعل المشرع المغربي القضاء سلطة حصرية في قضايا الصحافة وعزز دوره في حماية الحرية، وإقرار الحماية القضائية لسرية المصادر، والكشف عنها لا يتم إلا بمقرر قضائي نهائي اقرار مبدأ وتقنين الحق في الحصول على المعلومة والتأكيد على الجزاء في حالة الرفض غير الموضوعي. (17)
. يلعب الاعلام دورا مهما في حياة الأشخاص وفي تنوير الراي العام لكن في المقابل قد يلعب دورا معاكس حينما تتجه الإرادة وتسخير العمل الإعلامي وتوجيهه وجعله وسيلة الى تحقيق مصالح شخصية باستعمال الوسائل التكنولوجيا الحديثة كالجرائد الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تعمل على الإساءة للأخرين ونشر الأكاذيب بث معلومات غير صحيحة والمغلوطة بحيث كلما تعمق الإنسان في الاستخدام للحاسب الآلي في جميع المجالات إلا وأصبح عنصر الاستعمال السيئ محتمل.
تعتبر اليوم المعلومة سلعة تباع وتشترى ومصدر قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية وركيزة أساسية في تقدم وتطور المجتمع، فالبيانات هي الكلمات والصور والاصوات والوسائل وبرامج الكومبيوتر والبرامج المضغوطة والموضوعة على الأقراص المرنة وقواعد البيانات صورة او مستندات او معطيات او خطابات أيا كانت طبيعته والكلام ايضا، بمعنى تعبر عن مجموعة من الأرقام والرموز والحقائق التي لا علاقة بين بعضها البعض، فالمعلومة هي المعنى المستخلص من هذه البيانات، فهي وإن كانت شيئا غير مادي إلا أنها تصلح لأن تكون محل الحقوق وعلى الأخص حق الملكية فعلى سبيل المثال تقوم وكالات الأنباء ببيع ما تحصل عليه من معلومات أو أخبار.
فجرائم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة وقرصنة المعلومات واستغلالها لأجل الابتزاز بعد وضع خيارين قد يكون ماديا او معنويا او هما معا ولفائدة الجاني او لفائدة الغير المستفيد، وهذه التصرفات يجعل من العمل الإعلامي محط شك وريبة وعدم الثقة التي من اجله وجد العمل ويؤدي الى عدم المهنية وفقدان قيمة العمل والافراط في معايير أداء الواجب العمل الصحفي في اغناء الحقيقة وعدم الاهتمام بالصالح العام والاحتقان الاجتماعي وتوسيع دائرة الحق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock