
متابعة أنيس بنلعربي .المغرب ..
يقول صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله و ايده:
“فقد كانت القيمة الإجمالية للدول تقاس سابقا، حسب مواردها الطبيعية، ثم على أساس المعطيات المتعلقة بالناتج الداخلي الخام، الذي يعكس بدوره مستوى عيش المواطن.
و بعد ذلك، تم اعتماد مؤشرات التنمية البشرية، لمعرفة مستوى الرخاء لدى الشعوب، و مدى استفادتها من ثروات بلدانها. و خلال تسعينات القرن الماضي، بدأ العمل باحتساب الرأسمال غير المادي كمكون أساسي، منذ سنة 2005، من طرف البنك الدولي.
و يرتكز هذا المعيار على احتساب المؤهلات، التي لا يتم أخذها بعين الاعتبار من طرف المقاربات المالية التقليدية.
و يتعلق الأمر هنا بقياس الرصيد التاريخي و الثقافي لأي بلد، إضافة إلى ما يتميز به من رأسمال بشري و اجتماعي، و الثقة و الاستقرار، و جودة المؤسسات، والابتكار والبحث العلمي، والإبداع الثقافي و الفني، و جودة الحياة والبيئة و غيرها.”
(مقتطف من خطاب العرش الذي وجهه صاحب الجلالة نصره الله و أيده يوم 2 شوّال 1435هـ الموافق لـ 30 يوليو 2014).
إن الرسائل القوية التي حملها هذا الخطاب السامي و غيرها من الخطابات ذات الرؤية الرشيدة، و ما ضمته بين أسطرها من تأكيد صريح على أهمية الثقافة و التاريخ في تحديد القيمة الحقيقية للمجتمعات، و دعوة نبيهة إلى إعتماد تصنيف مستوى الدول حسب إرثها و مخزونها الثقافي و التراثي الذي راكمته عبر العصور.
و لأن تراث الملحون المغربي يجمع بين التأريخ و الثقافة و الفن، و يحقق قيمة معنوية مضافة للذاكرة الشعبية الحية، كما تتحقق فيه مجموعة من المقومات الأساسية التي تجعله مؤهلا للإدراج ضمن لائحة التراث الإنساني العالمي شأنه في ذلك شأن مجموعة من أشكال التراث المغربي الغني و المتنوع كتراث كًناوة و جامع الفنا بمراكش و مهرجان طان طان و غيرها …
و لعل فطنة اللجنة الثقافية لأكاديمية المملكة لأهمية الملحون و دوره التراثي، الثقافي و التاريخي، جعلتها تعمد إلى تسمية الملحون بديوان المغاربة، و هي التسمية أو اللقب الذي يعكس ما يختزله هذا التراث من قيم ثقافية و فنية متجذرة في العراقة و التاريخ الإنساني المغربي.
و هي تسمية بعثت الروح في تراث الملحون، و منحته القيمة و المكانة التي يرقى لها و يستحقها.
فهذه البادرة القيمة و البعيدة المرامي مكنت منذ إطلاقها و إلى يومنا هذا من جمع و إصدار احدى عشر ديوانا، ضمت بين دفتيها مئات القصائد متنوعة البحور و القياسات و المواضيع، لأحد عشرة شيخا من شيوخ النظم و السجية.
و قد لاقت هذه البادرة مباركة مولوية سامية و إشادة و تنويه بفكرة تجميع و تخزين قصائد شعراء هذا التراث من خلال رسالة ملكية موجهة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده، نظرا لقيمة هذه الدواوين المادية و المعنوية، و لكون فن و تراث الملحون كان و لا يزال شكلا من أشكال التعبير السامية المرامي و الأهداف.
و هذا الإهتمام المولوي ليس وليد اليوم، فقد كان تراث الملحون و لايزال ذا قيمة لدى مختلف فئات الشعب المغربي من سلاطين و مثقفين و رعية، فهو فسحة الشعراء و متعة الأمراء و بهجة المولوعين. و هو ما نلمسه في جملة من الرسائل و المخطوطات التاريخية المنوهة بشعر الملحون و شعراءه، لعل ابرزها الرسالة الملكية السامية للمغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله تراه، للعلامة محمد الفاسي رحمه الله عقب إصداره لمجموعة كتب تهتم بالملحون و شعرائه تحت عنوان معلمة الملحون.
هو إهتمام يؤكد على تشبت المغاربة ملوكا و رعية بتراثهم و اعتزازهم و فخرهم الدائم بهويتهم الثقافية و التاريخية العريقة.
لكن الملاحظ أنه رغم كل ما يتضمنه تراث الملحون من أبعاد فنية، ثقافية و تاريخية متجذرة في عمق العراقة و الأصالة المغربية، و رغم المجهودات المبدولة من طرف بعض الجهات للنهوض به وصونه، لا يزال في حاجة إلى تظافر جهود كل المتدخلين من جهات وصية و فعاليات جمعوية و ممارسين، للنهوض به و إنجاح مشروع إدراجه ضمن لائحة التراث العالمي، كتراث إنساني لا مادي يوازي بين الإرث الشعبي و الإمتداد الثقافي، و يحقق التنمية و التطور الإقتصادي و الإجتماعي.
كما يقول صاحب الجلالة نصره الله و ايده في رسالته السامية الموجهة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة :
“فتطور الدول لا ينبغي أن يخضع لأي تنقيط أو تصنيف؛ و إنما يجب التعامل معه كمسار تاريخي، يقوم على التراكمات الايجابية لكل بلد، و يحترم خصوصياته”
(مقتطف الخطاب الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده إلى المجتمعين في الدورة التاسعة و الستين للجمعية العامة للأمم المتحدة).
و لعل من أبرز النقاط التي يجب العمل عليها :
*الدفع بعجلة تجميع دواوين شيوخ الملحون و طبعها اعتمادا على خزانات جميع المهتمين بتجميع القصائد و كذا الشيوخ الذين يحفظون القصائد عن طريق الحفظ؛ و في هذه العملية، -أي جمع النصوص و تنقيحها و إصدارها- إغناء للخزانة التراثية الوطنية و كذا إعادة الاعتبار لشيوخ الملحون، منهم (الحفاظة) و (النساخة) الذين ساهموا بشكل جلي في صون هذا التراث و حفظه من التلف؛ كما ستكون بمثابة الحل الأنجع لقطع الطريق على كل من سولت له نفسه نهب و سرقة موروثنا العريق.
*خلق لجان متكاملة من باحثين وشيوخ متمرسين لهم من الخبرة ما يؤهلهم لجمع و تصحيح و تنقيح و تحقيق قصائد الملحون، على اعتبار أن هذه النصوص بالإضافة إلى قيمتها التراثية و الفنية هي أيضا ذات حمولة تاريخية تحمل في تناياها توثيقا و تأريخا لحقب مضت من التاريخ المغربي المجيد.
* تنظيم ندوات وطنية و جهوية تناقش و تحلل و تتدارس فن الملحون، ماضيه و حاضره و مستقبله.
*خلق إطار أو هيئة وطنية موحدة تضم كل المهتمين بالملحون من شعراء و منشدين و باحثين…، تعمل على تأطيرهم و توحيد صفوفهم، و خلق أرضية موحدة بينهم و بين الجهات الوصية للعمل معا على دعم و النهوض بهذا التراث المغربي العريق.
* تحفيز الشباب على الإبداع و تشجيع الشعراء المعاصرين من خلال طبع دواوينهم و تنظيم مسابقات و أمسيات تراثية خاصة بهم على غرار ما تشهده العديد من الدول لحفظ موروثها الثقافي الشعبي.
*رعاية المهرجانات و دعم الجمعيات التي تسعى إلى إعادة بعث هذا الموروث سواء من خلال تشجيع أنشطتها الموسمية أو تكريمها وطنيا لتحفيز باقي الجمعيات على حذو سبيلها.
*الاعتراف برجالات الملحون شعراء، موسيقيون، منشدون، باحثون…؛ و لو من خلال منحهم بطاقات مهنية شأنهم شأن باقي ممارسي الفنون الأخرى بمختلف الدول التي تهتم بفن و تراث شعوبها.
تبقى هذه بعض النقاط الأساسية التي لا يمكن بدونها الحديث عن صون وحفظ تراث الملحون و تأهيله ليبلغ المكانة التي يستحقها و يرقى لها كديوان للمغاربة يجسد تعلقهم بثقافتهم و إرثهم التاريخي العريق.
*منقول عن الأستاذ محمد.الكزولي .بني ملال *





