مقالات و آراء

القاسم الإنتخابي وقراءة في التعديلات الأخيرة

بقلم : ربيع الطاهري.

يعرف القاسم الإنتخابي بأنه ذلك المعدل الذي يحتسب على أساسه توزيع المقاعد، وهي الطريقة المعمول بها في المغرب وفي كثير من الدول التي تعتمد الإقتراع اللائحي النسبي، وهي آلية تقنية لتدبير حساب أصوات العملية الإنتخابية و تدقيق الحاصل الإنتخابي نتيجة تعبير الناخبين وتكريسا للديمقراطية التمثيلية، ووفق آخر التعديلات التي تمت المصادقة عليها في الجلسة العمومية لمجلس النواب يوم 05مارس 2021 هناك مستويين مختلفين من التحليل:
– المستوى الأول المتعلق بمجلس النواب: يقوم على أساس المسجلين في اللوائح الإنتخابية بحسب المادة 84الفقرةالثالثة من القانون التنظيمي04.21 الخاص بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب” توزع المقاعد على اللوائح بواسطة قاسم إنتخابي يستخرج عن طريق قسمة عدد الناخبين المقيدين في الدائرة الإنتخابية المعنية على عدد المقاعد المخصصة لها ،وتوزيع الباقية حسب قاعدة أكبر البقايا ،وذلك بتخصيصها للوائح التي تتوفر على الأرقام القريبة من القاسم المذكور…” وبالتالي ستعرف الإنتخابات التشريعية المقبلة هامش أكبر في تمثيلية الأحزاب بمجلس النواب بمقاربة قائمة على”العدالة الإنتخابية” ،مع إتاحة الفرصة كذلك لكل الأحزاب المساهمةبالمشاركة في السلطة (الحكومة)،و القطع مع منطق الإستفراد بالمقاعد بناء على العتبة التي تم إلغاؤها، وتوسيع تشكيل الفرق النيابية وتقريب ذاك التباعد البين بين المقاعد للأحزاب الممثلة بقبة مجلس النواب .
– المستوى الثاني إنتخابات الجماعات الترابية : فحسب المادة 139من مشروع القانون التنظيمي الذي يقضي بتغيير و تتميم القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية كما تمت المصادقة عليه في الجلسة العلنية لمجلس النواب ف”القاسم الإنتخابي مستخرج عن طريق قسمة عدد المصوتين في الدائرةالإنتخابية المعينة على عدد المقاعد المراد شغلها وتوزع المقاعد الباقية حسب قاعدة أكبر البقايا وذلك بتخصيصها للوائح التي تتوفر على الأرقام القريبة من القاسم المذكور “، أي على أساس عدد الأصوات المدلى بها و المعبر عنها، أي هنا تدخل في إحتساب الحاصل أو الناتج الإنتخابي للأصوات الملغاة و المتنازع عنها ،والغير الصحيحة،و الأوراق البيضاء،عدديا لمجموع الأصوات للوائح المشاركة في العملية الإنتخابية لإحتساب القاسم الإنتخابي بناء على الأصوات التي يفرزها صندوق الإقتراع إجمالا ،بإعتبارها تعبيرا عن إرادة الناخبين، بغض النظر عن الخطأ التقني/المادي في التعبير عنه ، وبالتالي يختلف عن إحتسابها في السابق على أساس العتبة و بالأصوات المعبر عنها بشكل صحيح، كما كان عليه الأمرفي الإنتخابات الجماعية ل 2015.
هذه التقنية الجديدة للقاسم الإنتخابي المعدلة حاليا، وكالآلية جديدة تتيح الفرص لجميع الأحزاب بالتمثيلية على أساس مبدأ تكافئ الفرص ، وتحفيزا للمشاركة السياسية الفاعلة بحيث يصعب عمليا تشكيل المجالس وانتخاب الرئيس إلا في إطار توافقات صلبة قد تقطع الطريق على الفساد المالي وشراء المقاعد نتيجة التركيبة الفسيفسائية المتنوعة والواسعة الناتجة عن تعدد و كثرت الأحزاب الممثلة.
في اعتقادي المتواضع ليست بالبلقنة كما يصفها البعض وإنما تمرين جديد لصناعة مفهوم القيادة وتدبير الإختلاف وتشكيل تحالفات ديمقراطيةعلى المستوى المحلي ،هذا وتتساوى الحظوظ لكل حزب حاصل على القاسم الإنتخابي يؤهله للتنافس على الرئاسة و تشكيل المجلس ولو بأقل عدد المقاعد المحصل عليها ،وهنا يتم القطع مع منطق الأغلبية التي يحوز عليها حزب واحد بشكل يتمكن من تشكيل المجلس رفقة حزب أو حزبين كما كان عليه الأمر سابقا ،من هنا تدفع هذه التقنية بالأحزاب على الصعيد المحلي بضرورة حسن إختيارهم للوائحهم ووكلاء لائحتهم من الكفاءات و الأطر والشباب، ويجعل مفهوم الكائن الإنتخابي،وسماسرة الإنتخابات قد تندثر مع تساوي الحظوظ بين الأحزاب الكبيرة و الصغيرة.
وعليه ما ذهب إليه البعض بالقول بأن القاسم الإنتخابي الجديد أجهز على الديمقراطية هو مجانب للصواب ،لأن الديمقراطية هي قائمة بوجودالمؤسسات التمثيلية الجماعية و الإقليمية و الجهوية والبرلمانية بغرفتيها مجلس النواب و مجلس المستشاريين، و ما هذه الآلية إلا تعزيزا للديمقراطية وتصحيحا لمسارها إن صح التعبير ، وإتاحة الإمكانية لتوسيع المشاركة للهيئات السياسية(الأحزاب)،وتنوع المنتوج السياسي في تدبير الشأن العام الوطني أو المحلي وكذا معالجة أعطاب الأحزاب ما فتئ جلالة الملك ينادي بها في خطاباته ،ومنها تحفيز هؤلاء الأحزاب عن طريق الرفع من الدعم العمومي لها، لعلها تصحح فشلها في القيام بأدوارها بين الدولة و المجتمع ،وضخ دماء جديدة في هياكلها وتطوير أدائها بإستقطاب نخب جديدة ،وتعبئة الشباب بالإنخراط في العمل السياسي للإستحقاقات المقبلة .
ومعالجة إشكالية العزوف، وحسب ذ.مصطفى السحيمي أستاذ القانون الدستوري :”إن اختيار نظام إنتخابي مع أحد مكوناته القاسم الإنتخابي ليس محايدًا؛ إنه ليس تقنيًا فقط كما قد يعتقد المرء، ولكنه يشارك في مخطط مرغوب فيه أو مفروض لتشكيل حزبي وسياسي معين،وهو جزء من “الهندسة الإنتخابية” إلى جانب نمط الإقتراع معين (التصويت الفردي /اللائحة ) ،وتحديد العتبة ، فالقاسم الإنتخابي هو عنصرا أساسيا في أي نظام إنتخابي ،حيث يشكل مفتاحا لتوزيع المقاعد التي يتعين شغلها داخل كل دائرة إنتخابية ،ففي الممارسة المؤسساتية يتم استخدام عدة أنواع من حاصل القسمة.
إن هذه التقنية في تعديل القاسم الإنتخابي المصادق عليه في الجلسة العلنية بمجلس النواب ، تجعل من الحاصل الإنتخابي المرتفع يتيح فرصةأمام باقي الأحزاب من التمثيل في المؤسسات المنتخبة و التشريعية بشكل موزع على أكبر عدد من الأحزاب ، بعكس القاسم الإنتخابي السابق الذي كلما كان حاصله منخفضا كلما كانت أحزاب قليلة تحصل على أكثر عدد من المقاعد.
إن هذا التحليل يبقى لراهنيته في التفسير و التوضيح دون الخوض في دستورية مشروع القانونين التنظيميين 04.21/06.21 وخاصة المادتين المتعلقتين بالقاسم الانتخابي المعدل كما أسلفنا ذكرهما أعلاه ،لأنه من اختصاص المحكمة الدستورية التي سيحال إليها هذه المشاريع القوانين التنظيمية، وستحسم في مدى دستوريتهما وخاصة مشروع القانون التنظيمي 04.21 الخاص بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب وتحديدا المادة84 المتعلقة” باحتساب القاسم الإنتخابي على عدد المسجلين” والتي شكلت نقطة خلاف قوي بين حزب العدالة و التنمية و باقي الأحزاب في الاغلبية و المعارضة بالبرلمان.
وبغض النظر إلى ما ذهبت إليه الأنظمة المقارنة ،تبقى فلسفة القاسم الإنتخابي المعدل بخصوصية مغربية كما تم المصادقة عليه سيؤكد مدى فعاليته و نجاعته انطلاقا من واقع الممارسة الإنتخابية المقبلة، وهل سيتحقق ما ذهبنا إليه بالبحث و التحليل في هذا المقال.لعل الأشهر القادمة ستجيب عن هذا بكل تعقيدات هذه العملية وصعوبتها الحسابية ، وخاصة في تشكيل تحالفات إن على مستوى الحكومة أو المجالس المنتخبة بالجماعات الترابية في الدوائر الكبرى ذات نظام الاقتراع باللائحة على أساس التمثيل النسبي مع احتساب الأكبر البقايا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock