من إنجاز ذ، شني عبد الصمد نشر الفضيحة ..جزء فريد..

مقدمة:
تعرف الفضيحة بوجه عام، على أنها انكشاف للمعايب، أو الشهرة بما يعاب، أو كل ما ينكشف من انحراف عن القيم الخلقية، وما يجلب العار ويؤذي المشاعر الأخلاقية للمجتمع، وقد تأخذ صفة الخصوصية إذا ارتبطت بالحياة الخاصة للأشخاص، ورغم ذلك يرى بعض المجتمع على ضرورة نشرها، حتى يتم معاقبة مرتكبيها أدبيا ومجتمعيا، فيما يرى البعض الآخر، على أنها حرية شخصية لا ينبغي التطاول عليها، بينما آخرون لا يعيرونها أي اهتمام، تاركين للمؤسسات وحدها زجر مقترفيها وفق ما يحمله نص القانون، وهو ما ركز عليه هذا الأخير، خصوصا المادة 89 من قانون الصحافة والنشر الجديد، إذ أن الفضيحة في حد ذاتها جريمة تامة الأركان والشروط، أو قد تكون غير ذلك، لكن هذا لا يفسح المجال للبعض لنشرها وإلاستمتاع بضحاياها، لذا، فهذا الفعل يعتبر بدوره جريمة يعاقب عليها وتتميز بكونها:
– تتطلب ركن مفترض وهو العلنيه؛
– المتضرر فيها قد يكون رجلا أو امرأه؛
– لا أثر لرضى المتضرر لقيامها؛
– تقع بفعل غير مشروع كالفساد أو الشذوذ الجنسي أو هتك العرض …
– قد تلحق بجرائم أخرى
أولا: الفقرة الأولى من المادة 89 من قانون 88-13 بمثابة قانون الصحافة والنشر
تنص الفقرة الأولى من المادة 89 على أنه :” يعد تدخلا في الحياة الخاصة كل تعرض لشخص يمكن التعرف عليه وذلك عن طريق اختلاق ادعاءات أو إفشاء وقائع أو صور فوتوغرافية أو أفلام حميمية لأشخاص أو تتعلق بحياتهم الخاصة مالم تكن لها علاقة وثيقة بالحياة العامة، او تأثير على تدبير الشأن العام…”
وبناء عليه، فإن المشرع المغربي نص حصريا على مجموعة من الأمور إذا ما تم التدخل فيها، وكانت مرتبطة بالحياة الخاصة للأشخاص، يمكن من خلالها المطالبة بالتعويض جبرا للضرر اللاحق بهم -كما سنعالج أذناه- ونذكر منها: نشر أخبار كاذبة عن المتضرر تتضمن افتراءات أو ادعاءات لا أساس لها من الصحة، وهو ما جعل المشرع يضمن مصطلح “اختلاق”، كالإعلان عن حمل مزعوم خارج العلاقة الزوجية لامرأة متزوجة…، ومن بين صور المس بالحياة الخاصة للأفراد نذكر، الإعلان عن علاقة غرامية للاعب شهير لكرة القدم، أو الإعلان عن شخص شاذ جنسيا باعتباره شخصية فنية مرموقة…
أو قد يرتبط الأمر بالمس بالحق في صورة شخص ما، على أساس أن صورة الفرد هي امتدادا لشخصيته، وجب حمايتها بموجب القانون، وأي نشر لها بدون إذنه يعتبر فعلا معاقبا عليه، حتى ولو كانت الصورة تشكل في حد ذاتها فضيحة أخلاقية، فإن القانون اعتبره تدخلا في الحياة الخاصة للأشخاص، الأمر الذي كرسته محكمة النقض المغربية في قرار صادر عنها بتاريخ 2016-06-28 تحت عدد 3127 في الملف المدني عدد 2009-3-1-2775، والذي جاء فيه:”… لكل إنسان الحق في الاعتراض على نشر صورته بدون الإذن منه؛
يترتب عن نشر صورة المرء بدون إذن منه، الحكم لع بالتعويض جبرا للضرر الناجم عن الفعل الضار؛
يلتزم بالتعويض الطرف الذي استفاد على حساب غيره من الفعل المسبب للضرر وحده دون غيره ممن قد يكون ساهم في حدوث الضرر…”، فمحكمة النقض لم تخرج عن الإطار القانوني الذي جاءت به المادة 90 من القانون المذكور، والتي أحالت على المادة 89 محل الدراسة، لكنها لم تكن على صواب في الشق الذي اعتبرت فيه معاقبة الفاعل الأصلي وحده، وبالتالي فكل مساهم أو مشارك في نشر صورة غيره بلا إذن أو موافقة مسبقين من الضحية، لا يطاله أي عقاب، وغير معني بالتعويض الذي من شأنه أن يطالب به المتضرر، وهو خروج عن النص العام في القانون الجنائي، كالفصل 114 منه، والمعاقب على المشاركة في الجرائم…
ومن تم، فإن المادة 89 محل الدراسة جاءت عامة، تهم الصحافي وغيره ممن شارك أو ساهم معه في نشر الفضيحة، ولا يخرج عن نطاقها الذين لا يمتهنون مهنة الصحافة، مثلا قد يعمد شخص ما، على نشر صورة تشكل فضيحة شخص آخر على الانترنت، وقام مجموعة من الأشخاص على نسخها أو حملها ونشرها من جديد، فإنهم -حسب اعتقادي- يطالهم العقاب، لأن المشرع أراد من خلال النص القانوني المشار إليه، حماية الحقوق الخاصة للأشخاص، تاركا للمؤسسات الدستورية وحدها حق الجزاء.
وقد كان القضاء الفرنسي سباقا في معالجة هذا المقتضى، حيث جاء في قرار صادر عن محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 25 يونيو 2008، والتي قضت على أن: “… الحق في الصورة من الحقوق الذاتية التي تدخل ضمن الحقوق الفردية الخاصة، وأن نشر الصورة يستوجب ترخيصا مسبقا لصاحبها، وأن عدم الحصول عليه- أي الترخيص- من شأنه أن يمس بحرمته…”
وبالتالي أكد القضاء الفرنسي في قضية عارضة الأزياء نعومي كامبل ضد دايلي ميرو بأن رضا الشخص الصريح أو الضمني بالتقاط الصورة لا يعني بالضرورة رضاه بنشرها او استغلالها واستعمالها، على أساس ان الحق في الصورة هو من الحقوق اللصيقة بالشخصية، وأن الصورة عنصر من العناصر التعريفية لشخصية الإنسان، وبالتالي فإن الأصل في نشر صور الأشخاص العاديين أنه غير جائز من الناحية القانونية لتعلقه بالحياة الخاصة للأشخاص كمظهر من مظاهر الحقوق الفردية التي يتعين احترامها وفق المحددات الدستورية والمواثيق الدولية والنصوص القانونية ذات الصلة.
[[ أدرجهما الأستاذ سمير أيت أرجدال، رئيس المحكمة الابتدائية بوادي زم، ورئيس المركز المغربي للمعالجة لتشريعية والحكامة القضائية
في مقاله المعنون بالصورة بين الخصوصية والكونية، المنشور بموقع جديد بريس ]].
ثانيا: الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 89 من قانون 88-13 المتعلق بالصحافة والنشرتنص الفقرة الثانية من المادة محل الدراسة على أنه:” يعاقب على هذا التدخل إذا تم نشره دون موافقة الشخص المعني بالأمر أو دون رضاه المسبقين بالعقوبة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 85 أعلاه المتعلقة بالسب…”
وبناء على هذا، فإن المشرع المغربي رتب المسؤولية الجنائية على التدخل في الحياة الخاصة للأشخاص دون رضاهم، وذلك بمعاقبة الفاعلين الأصليين أو المساهمين أو المشاركين بغرامة مالية تتراوح ما بين 10.000 إلى 50.000 درهم، أما إذا تم النشر بغرض المس بالحياة الخاصة، والتشهير بالأشخاص الذين تم ذكرهم أعلاه، فإن الغرامة تتراوح ما بين 10.000 إلى 100.000 درهم، فالملاحظ إذن أن المشرع اكتفى بعقوبة مالية دون الحكم بعقوبة سالبة للحرية، كما كان عليه الأمر في قانون الصحافة الملغى، علاوة على الحكم بالتعويض في إطار المسؤولية التقصيرية، وفقا لأحكام الفصول 77 إلى 106 من ظهير الالتزامات والعقود، لكن في ظل الفقرة الثالثة من المادة 89 محل الدراسة دون الفقرة الثانية، معنى ذلك، أن التعويض يتم إذا ثبتت سوء النية في النشر الذي يستشف من قول المشرع”… بغرض المس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم…” مع إثبات الحالات المذكورة في الفقرة الأولى.
والحق في التعويض هذا، مكفول لأي شخص يعتبر نفسه ضحية مس في حياته الخاصة، عن طريق مواد سمعية كالمذياع مثلا، ومرئية عبر قنوات تلفزية، أو غيرها، أو حتى عبر وسائل إلكترونية من قبيل شاشات أو صحف أو مواقع أو عبر محاور التواصل الاجتماعي ومثل ذلك كثير…
الملاحظ أيضا، أن المشرع لم يكتف بالخطأ حتى يتم الحكم بالتعويض للشخص المتضرر، في إطار المسؤولية التقصيرية، بل نص على ضرورة قيام الضرر المادي والمعنوي أيضا، وهو ما تتم قراءته من خلال المادة 91 من قانون الصحافة والنشر، حيث أن المحكمة ينبغي أن تراعي ما يلي:”…
– مدى توفر سوء النية —وهذا هو الأهم—؛
– ملابسات وظروف ارتكاب الفعل الضار؛
– عناصر الضرر وحجمه؛
– التناسب بين التعويض وحجم الضرر وفقا للقواعد العامة والخبرة المنجزة؛
– رقم معاملات المقاولة الصحفية…”
فالضرر المادي يمس في غالب الأحيان حقا ماليا أو مصلحة مالية مشروعة للمتضرر.
أما الضرر المعنوي لا يؤدي في حد ذاته إلى خسارة مالية أو نقص في الذمة المالية للمتضرر، بل يمسه في نواحي أخرى قد تتعلق بشخصه، وقد يكون ناتجا عن ضرر مادي.
كما يمكن أيضا، التعويض عن الضرر المرتد، الذي يلحق بالغير من جراء الضرر الحاصل للمتضرر الأصلي، والدليل على ذلك ما جاءت به المادة 87 من القانون المذكور، والتي نصت في بدايتها على أنه: “يمكن لأي شخص يعتبر نفسه ضحية…”
باختصار أقول : أن ارتكاب الفعل المادي وحده فيما يخص الحالات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 89 كاف لقيام المسؤولية الجنائية، دونما التركيز على وقوع ضرر للضحية من عدمه، لذلك نستخلص ما يلي :
( النشر دون الرضى أو الموافقة المسبقين = المساءلة الجنائية).
(النشر دون الرضى أو الموافقة المسبقين + المس بالحياة الخاصة أو التشهير + الضرر = المساءلة الجنائية + التعويض).
بقي أن أضيف في الأخير، من خلال قراءة الفقرة الثانية من المادة 91 من القانون المشار إليه، فإن عبء الإثبات ينقلب على الذي قام بالنشر، خصوصا إذا ادعى أنه حسن النية وكان يمارس مهنة الصحافة، كأن يقيم الدليل أمام القضاء، أن سبب النشر هو المصلحة العامة…
انتهى…



