مقالات و آراء

مفترق طرق .. !

سعاد ماين
قبل أيام كنت أتصفح صور السطوري بموقع الفايسبوك فإذا بي أقع على إحدى صور الأصدقاء مع ابنته مرفقة بمقطوعة موسيقية كنت أستمع إليها .. :

لو كنت تشوفي بنتك شحال شابهاك
نفس النوطة د الصوت لي عندك
ملي كتبكي كنسمعك
ملي كتضحك كنتفكرك
                                  ….
لم أستشعر حتى دمعت عيني عائدة بي لوابل من الذكريات محورها الفقد !
كانت امرأة شابة جميلة شاء القدر ان تصاب بمرض السرطان، فانتشر في جسدها و جثم عليها بكل ثقله و وافتها المنية في عز شبابها تاركة وراءها بنية صغيرة و زوجها الذي كان ظهرها وسندها وقت مرضها..
رحلت المسكينة لدار البقاء تاركة دار الزوال و أورتث زوجها و أهلها ثقبا كبيرا في الروح، ثقبا لن تعالجه سنين العمر كلها..
ذلك الجرح الذي لن يندمل مهما كان حليب منساب من ثدي أم ثكلى .. أو جرح أم أجهضت جنينها و صارت تتحسس الرحم الذي ترعرعت فيه فلذة كبدها وتتمنى لو أنه لا زال راقدا فيه ،لكنه فارغ ! فراغا يملؤها دموعا فلا تبكي…كنافورة تبتلع المياه مرارا و تكرارا ولا تطلق سراحها ..إنها الدموع ذاتها التي تحبس ولا تتزحزح قيد أنملة ، أو كفراغ اتخد شكل رضيع صامت سكن في حضنها إلى الأبد.. وماذا لو كان نطفة لم يشئ القدر اكتمال نموها ! فبقيت كحلم لم يتحقق ،فصارت الأم تتخيل كيف كان سيكون شكله ! أهو ولد او بنت ؟ ربما توائم ! فتضع يدها فوق بطنها وتتحسسه، تتعلق به كثيرا وتتعثر بين طرقات وجهه اللذي تتخيل كيف كان سيكون، والذي حفظ معالمه قلبها فجأة، دونما سابق إنذار.. ربما كان سيكون له عينان بخضرة الربيع، رائحة كرائحة الرغيف الدافئ و ضحكة والِدِه المقتضبة العنيفة، مثل الإنتشاء… فتغرق في تخيلات تمنحها قسطا من الموت اللذيذ…! محرومة من طفل لم تستطع ولادته، قلب بلا جدوى، جسد قفْر ،بطنها تجويف، نهدان خاويان، ويدين مغلقتين، وحين يمر طفل بالقرب منها يتصدَّع جسدها .. يا الله..! كان الله في عون أم دفنت فلذة كبدها وعادت إلى بيت موحش لن تضيئه نجوم الدنيا ولن تدفئه أشعة الشمس كلها فهناك شيء أشد ألما من الموت حرقا ومن وجع الولادة هو فقد الأم لطفلها، مهما كان سنه،..نطفة، جنينا أو شائبا.

لازلت ألحان الأغنية تجتاح طبلتا أذناي..تحيط بي من كل جانب ،وتخترقني كخبر سيئ امتزج مع الهواء الذي استنشقه فيصيبني بتسمم الإحساس، تذكرت صديقة لي عندما توفيت والدتها .. كانت تقول لي : “أمي رحلت ورحل كل شيئ معها..!” شاهدتها وهي تحمل ملابس والدتها كلها وتضعها فوق السرير، تعانقها وتطلق العنان لخياشيمها لتستجمع كل تلك الرائحة التي تتميز بها ، رائحة ممزوجة بالقرنفل والخزامى وإكليل الجبل والحناء والزعتر والورد وكل شيئ يبعث فيها الحياة..وكان عطر أمها الطبيعي هو ما يوقظها كل صباح للذهاب إلى المدرسة ثم بعدها العمل ، كانت تضع يدها فوق رأسها قبل أن تفتح الستائر وتطلب منها بحنو دافق أن تستيقظ، أخبرتني أنها كانت تتجاهلها تارة وتبتسم تارة وتصرخ في وجهها تارة أخرى ..تقول :” يا ليث صوتي أخرس قبل أن أصرخ في وجهك يا ملاكي”. الأرض لا تعيد ما ابتلعته ولا الزمن يأسى لدرب قطعه، والقدر وفي لا يغدر أو ينسى.

أحيانا يرفض عقلنا تقبل حقيقة أن الأشخاص يمرضون ويموتون وأن الأشياء تتغير، أن أحبائنا الذين فتحنا عليهم عيوننا يشيبون ويمرضون ويموتون..فقدنا و فقدت الكثير من الأصدقاء وكذلك شاهدت أصدقاء مقربين يعانون في صمت بسبب المرض سواء النفسي أو الجسدي..
شاهدت شبابا في ريعان شبابهم يقضون ليال طويلة دون نوم بسبب الألم. آخرين ليس بينهم وبين الجنون إلا الكثير من الصبر والمقاومة والإيمان..
شاهدت أحباء لي يُحملون إلى المقابر ولازلت أحيانا غير مصدقة أنهم رحلوا.. أقول دائما في نفسي أنهم هنا.. في مكان ما.. سنلتقي ذات يوم..

وصلت إلى مرحلة من العمر صرت أخشى فيها رنة الهاتف كثيرا خاصة إن كان الوقت متأخرا.. ووعيت فيها أن أغلى كنز هو صحة البدن والأحباب..
ربما كبرت وغزا الشيب شعري كذلك، ودعت أصدقاء وأقارب، عشت معارك مع نفسي ومع الحياة لم أخبر بها أحد أنضجتني قبل الوقت لكن في ذاكرتي  لن أحتفظ إلا بذكريات طيبة وجميلة عن كل أولئك الذين أحبهم.. عندما كانوا أقوياء مبتسمين مفعمين بالصحة والحياة.

الموت ! هذا المارد الذي يخشاه الكل ..حقا لا يقتل الموتى بل يقتل الأحياء، وأنا بدوري حين ستحين ساعتي ، حين سينداح نَفَسِي من العدم ليُترع العُباب ..و تسحب الأرض فوقي أذرع الظلال و يعْجز الفجر عن فتح عيني المغمضتين للأبد و يدثرني الليل إلى ما لا نهاية بالسواد…حقا سيتملكني الحنين ، مخلفة إرث حياتي، لحظات أحلام لمن أحبوني.. نُتف الخلود التي تتخطى الازمان و تلاحق أبدا ذاكرتنا الجائعة …
لا أدري أيها الأقسى لدى الفراق ؟
الحياة كلها قصة حب
خيوطها في قلبي أواصر نشوة مرتعشة
واحدة فواحدة، تنسج كل يوم ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock