في الحاجة إلى مدرسة عمومية مواطنة وفعالة .

هنا 24 / عبد الصادق النوراني.
ليسمح لي أهل الإختصاص من صديقاتي وأصدقائي نساء ورجال التعليم أن أتطاول على مجال يخصهم وأدلو بدلوي بهذا الرأي المتواضع لينضاف إلى سلسلة الكتابات التي تناولت هشاشة منضومتنا التربوية في مجالاتها المتعددة ، والتي تعطف لا محالة على إعادة بناء مدرستنا العمومية ببرامج ومناهج تربوية هادفة تراعي تنوع ثقافاتنا وخصوصياتنا كبلد بعمق تاريخي وحضاري مشرق صدر العلم والمعرفة للعالم منذ القدم إلى يومنا هذا .
فكل تلك الكتابات والنقاشات التي همت قطاع التعليم كانت فقط من أجل إعادة مجد المدرسة العمومية في أفق إنتاج نخب مثقفة تعيد الإعتبار لتاريخنا الفكري والعلمي والثقافي وبالتالي إعطاء تلك الصورة الحضارية التي تستحقها بلادنا بين الأمم والمجتمعات .
فهل ياترى مدرستنا العمومية براهنيتها وواقعها المتأزم قادرة على تأسيس هذه الإرادة لركوب التحدي وخلق هذا المبتغى ؟
في الحقيقة أحالني هذا السؤال مباشرة وبدون تفكير على جزء من متضمن كتاب (مستقبل الثقافة في مصر ) لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين رحمه الله حينما يسترسل بين دفات هذا الكتاب في حلم جميل جدا فيرى مصر ( وقد انجاب عنها الجهل وأضلها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعا ) ، بل وجعل من المدرسة في هذا الحلم مجالا متعدد الوجوه ؛ فهي تعلم القرأة والكتابة لتنشأ المثقف الذي يبني المجتمع الحديث حيث يشارك المواطنون سياسيا في بنائه لأن علاقة المجتمع الحديث بالسياسة تعيد تعريف المدرسة لا لأن تكون مكانا لمحو الأمية ، بل مجالا لتوليد الوعي الفكري والثقافي والإجتماعي والسياسي وكذا قدرة الإنسان على كسب الأخلاق الفاضلة والوطنية إضافة إلى العقل المستنير أسوة بمواطناتنا ومواطنينا خريجي التعليم العمومي في سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي .
وقد أكاد أجزم في ضل السياسات الحكومية المتوارثة منذ التسعينات إلى الآن وما أفرزته من توترات ومشاكل متعاقبة كان آخرها نظام التعاقد أن مدرستنا العمومية غيرقادرة على إنتاج أطر تربوية قادرة على رفع هذا التحدي أو على الأقل محو تلك الصورة التقليدية بين المعلم والتلميذ المبنية تربويا في كثير من الأحيان على العبودية الموروثة في جدلية العلاقة بينهما . هذا إضافة إلى البرامج التعليمية التي تجسدها المقررات التربوية على كثرتها ومشاكل البنيات التحتية التي يعكسها مشكل الإكتضاض وكذا المشاكل العديدة الحاصلة في تدبير الموارد البشرية.
فإلى متى سنضل نحلم بنظام تعليمي بمدرسة عمومية قادران على رفع تحدي إعادة المجد المفقود لهذه المدرسة التي هي تجسيد حي لمقولة : التعليم قاطرة المجتمع.



