مقالات و آراء

الأحداث الإرهابية لـ 16 ماي 2003…ذاكرة تأبى النسيان

"السفاح يقتل مرتين، ففي المرة الثانية يقتل عن طريق النسيان" إيلي فيزيل

عبدالحق عندليب

تحل اليوم الذكرى 19
للأحداث الإرهابية التي ضربت عددا من المواقع بمدينة الدارالبيضاء في ذلك اليوم المشؤوم ل 16 ماي 2003. فمن باب الحق في الذاكرة حتى لا يتكرر ما حدث في الحاضر والمستقبل لابد لنا أن ننتبه ونلتزم الحيطة والحذر مما تقوم به بعض تنظيمات وعناصر “الإسلام السياسي” بين الفينة والأخرى في بلادنا من خلال بعض التصريحات المتطرفة لبعض شيوخ السلفية ورسل الفكر الإخواني أو من خلال تحركات الأجنحة السياسية للفكر الوهابي وفكر إبن تيمية. إن ما تقوم به هذه الجماعات من تحركات ومناورات وظهور مكثف خصوصا على الساحة الإعلامية مستغلين ما حققته بلادنا في مجال حرية الرأي والتعبير كأن تتحول هذه الذكرى الأليمة في بعض المواقع إلى يوم للتضامن مع فلسطين ومع ضحايا الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين أو لاستنكار اغتيال شهيدة الإعلام الملتزم شيرين أبوعاقلة فقط من أجل التمويه والتغطية على ما خلفته هذه الأحداث من ضحايا ودمار وجروح لم ولن تندمل ومن آثار سياسية واجتماعية واقتصادية وحقوقية أرخت بظلالها لعدة سنوات، أقول إن هذه التحركات والخرجات الإعلامية والتمويهات ليست بريئة أو بمحض الصدفة، بل تندرج في سياق محاولة إطباق النسيان عن سبق الإصرار والترصد على ما حدث يوم 16 ماي المشؤوم، وبهذا النسيان يتيح هؤلاء فرصة إعادة الكرة(بتشديد الراء) لا قدر الله. وفي هذا الصدد أذكر من باب الحكمة الاقتداء بما قاله الفيلسوف الأمريكي إلي فيزيل Elie Weissel في قولته الشهيرة أثناء محاكمة النازيين:
“السفاح يقتل مرتين.. لكن في المرة الثانية يقتل عن طريق النسيان”. إن مثل هذه التسخينات الإعلامية لدعاة التطرف والظلامية تؤشر على محاولاتهم المتكررة لإعادة إنتاج تلك الظروف والسيناريوهات التي سبقت الأحداث الإرهابية ل 16 ماي 2003. و هو الأمر الذي يفرض إلى جانب دعم التدابير الأمنية الرائدة التي تتخذها بلادنا الحذر و الاستعداد لمواجهة كافة الاحتمالات التي تنطوي على محاولة جر بلادنا إلى وضع يصبح فيه ما حققه الشعب المغربي من مكاسب سياسية وحقوقية بفضل عقود من الصراع المرير والتضحيات الجسام للقوى الوطنية والديمقراطية في مهب الريح. لذا أرى من الواجب ومن باب الحكمة والحذر الاستفادة من دروس التاريخ بإعادة قراءة واستحضار السياقات التي جاءت فيها تلك الأحداث الإرهابية التي استهدفت بلادنا في يوم 16 ماي من سنة 2003.

فكلنا يتذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي اهتزت فيه مدينة الدارالبيضاء على إيقاع تفجيرات عنيفة استهدفت في نفس اللحظة فندق فرح ومطعم كازا إسبانيا ومقر الرابطة اليهودية ومقبرة يهودية وقنصلية بلجيكا، حيث تم تنفيذ العملية من طرف 12 شابا انتحاريا تتراوح أعمارهم بين 20 و25 سنة، ينحدر جلهم من أحزمة البؤس المتواجدة بحي سيدي مومن ودوار السكويلة بالعاصمة الإقتصادية. وقد استعمل الإرهابيون أسلحة مختلفة من قنابل محلية الصنع وأحزمة ناسفة وخناجر وغيرها حيث سقط إثر ذلك 33 ضحية من المدنيين، بالإضافة إلى الإرهابيين الإثنى عشر الذين فجروا أنفسهم، كما أصيب 100 شخص بجروح متفاوتة الخطورة لازال البعض
منهم يجتر مضاعفاتها الجسدية و النفسية، بالإضافة إلى المضاعفات الاجتماعية والإقتصادية.

هذه العمليات الإجرامية لم تأت معزولة عن سياقاتها الدولية، فبمجرد ما تم تسليم أفغانستان لجماعة طالبان المتطرفة على طبق من ذهب بفضل ما تلقته الجماعة من دعم سياسي وعسكري ولوجيستيكي ومالي، تحولت بعض البلدان عبر العالم إلى هدف للعمليات الإرهابية التي دبرتها جماعة القاعدة المستوطنة بأفغانستان ونفذتها أجنحتها الموالية في كل من مصر والسعودية والفلبين وتركيا والهند وبريطانيا وبنكلاديش والجزائر وفرنسا وتنزانيا وكينيا وغيرها من البلدان وذلك على مدار سنوات التسعينات من القرن الماضي والعشرية الأولى من القرن الحالي. ونتذكر في هذا الصدد ذلك التسجيل الصوتي لزعيم القاعدة إبن لادن الذي وضع فيه المغرب والأردن واليمن والسعودية ونيجيريا ضمن الأهداف التي توعد بضربها.

وعلى المستوى المحلي أثبتت الأبحاث والتحريات التي أجرتها المصالح الأمنية الوطنية المختصة أن جماعة السلفية الجهادية المغربية المتشبعة بالفكر الوهابي والتي كان من بين زعمائها المدعو الفيزازي الذي أطلق سراحه بعد عفو ملكي بمعية مجموعة من زعماء السلفية الجهادية بعد قيامهم بمراجعة شاملة لأفكارهم المتطرفة داخل السجون المغربية كعبد الوهاب رفيقي وغيرهم… قلت كانت هذه الجماعة توفر للانتحاريين والإرهابيين التأطير الفكري والإيديولوجي والدعم المعنوي والمادي. كما أن عناصر من جماعة العدل والإحسان وحزب العدالة والتنمية كانوا يدعمون معنويا وسياسيا هذه الجماعات الإرهابية ويتعاطفون من خلال تبرير توجهاتها المتطرفة إضافة إلى أن البعض من عناصر هذه التنظيمات قد تورط فعليا في عملية اغتيال الشهيد عمر بنجلون حيث نفذت عناصر تنمتمي إلى تنظيم الشبيبة الإسلامية المنحل جريمة الاغتيال كما أن عناصر قيادية محسوبة على حزب العدالة والتنمية متورطة في اغتيال الشهيد محمد آيت الجيد الملقب ببنعيسى والتي لازالت المتابعة القضائية تلاحقها. ونتذكر أيضا ما كانت تمارسه هذه التنظيمات من عنف وترهيب ومنع للأنشطة الثقافية التي كانت التنظيمات اليسارية تحاول القيام بها داخل الجامعات المغربية حيث كانت الجماعات المتطرفة تضايق وتقمع كل مخالفيها في الرأي والتفكير والقناعات السياسية و هي الأحداث التي شهدتها هذه الجامعات مدار عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وكل ذلك كان يحدث تحت ذريعة الدود عن العقيدة الإسلامية ومناهضة التغريب والفكر العلماني وغيرها من الطرهات…

وفي هذا الصدد نشير إلى أنه منذ مطلع سنة 2000 بدأت بعض المؤشرات الدالة على تمكن نزعة التطرف والفكر الظلامي من إسقاط مئات الشباب في شراكها متأثرين بثورة الخميني في إيران و ب”انتصار” طالبان في أفغانستان وبأصداء العمليات الإرهابية التي نفذتها القاعدة ودروعها في عدد من البلدان العربية والآسيوية والإفريقية والأروببة. وهكذا استطاع بعض الشباب المتحمس اختراق مجتمعنا من خلال نشر الفكر الوهابي وفكر إبن تيمية المتطرف ومن خلال محاولة فرض تصور متزمت ومتخلف للإسلام باللجوء إلى العنف الرمزي والمادي حيث كان هؤلاء الإرهابيون يستغلون المساجد لاستقطاب الشباب كما كانوا يلجؤون إلى اعتراض سبيل الفتيات والنساء وتعنيفهن بسبب شكل لباسهن وكانوا يهاجمون بعض الأعراس والحفلات الموسيقية وكانوا لعدة سنوات يحتلون الشواطئ ويمنعون غيرهم من الاستفاءة منها، كما أخذوا يمارسون كل أشكال الضغط على المواطنات والمواطنين داخل الأحياء الشعبية لفرض آرائهم المتزمتة ونمط تفكيرهم وسلب حقوقهم وحرياتهم الشخصية. وفي هذا السياق أيضا نتذكر فتاوى التكفير التي أصدرها شيوخ السلفية الجهادية المغربية في حق العديد من السياسيين والمثقفين والفنانين والمدافعين عن حقوق الإنسان وكل من كان يتصدى للفكر الظلامي أو يعارضه.

لقد استغل المتطرفون هبوب رياح الحرية والديمقراطية على بلادنا منذ عقد التسعينات من القرن الماضي والذي توج بإصلاحات دستورية خلال سنتي 1992 و1996 جعلت من حقوق الإنسان في بعدها الكوني من بين الالتزامات الدولية الأساسية للمغرب وبالانخراط في تجربة التناوب التي فتحت الأبواب أمام المعارضة السياسية لتتبوأ سدة تدبير الشأن العام وبمصادقة بلادنا على عدد مهم من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وبتدشين تجربة العدالة الانتقالية من خلال إنشاء هيئة التحكيم المستقبلة ثم هيئة الإنصاف والمصالحة لمعالجة ملفات ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان… لكن يجب الاعتراف في المقابل ومن باب الموضوعية ورصد الأسباب التي شجعت بعض الشباب على ركوب موجهة العنف والتطرف بتفاقم الفقر والتهميش والفوارق الطبقية كنتيجة طبيعية للسياسات التي انتهجتها الدولة المغربية على مدار عدة عقود والتي وضعت بلادنا على مشارف السكتة القلبية بتعبير الملك الراحل الحسن الثاني. إن تظافر هذه العوامل الاجتماعية وغيرها قد شكلت التربة الخصبة لظهور الفكر الظلامي المتزمت وسط آلاف الشباب العاطل والمهمش المنحدر من أحزمة الفقر والبؤس.

ومن باب إعادة قراءة السياقات التي جاءت فيها تلك الأحداث الأليمة ل16 ماي 2019 من أجل الاستفادة من دروسها على ضوء ما تعيشه بلادنا من صعوبات واختلالات على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية أدت وتؤدي إلى ظهور بعض التعبيرات الاحتجاجية ببن الفينة والأخرى فإن أهم درس يفرض نفسه على الدولة وعلى كل الفاعلين السياسيين والمدنيين استخلاصه هو الحيلولة دون ركوب المتطرفين على هذه الاوضاع مستغلين عدالة المطالب الاجتماعية وسلمية وبراءة المحتجين لمحاولة جر البلاد إلى مستنقع العنف وآفة الإرهاب، وهذا يقتضي في نظري الإصغاء إلى نبض المحتجين والمستضعفين والعمل بشكل جدي وجريء على الاستجابة لمطالبهم العادلة. وفي نفس الوقت يجب العمل على توسيع هامش الحريات المؤطررة والمسؤولة وهامش الديمقراطية التشاركية وترسيخ قواعد دولة الحق والقانون ومحاربة الفساد في دواليب و مؤسسات الدولة وتخليق العمل السياسي والاهتمام أكثر بالحقوق الاجتماعية للفئات المستضعفة خاصة منها الحق في تعليم جيد وفي التربية على المواطنة الحقة وفي توفير الشغل للشباب العاطل والسكن اللائق للفئات المعوزة والصحة للجميع. كما يقتضي الوضع على المستوى الفكري والثقافي والتربوي مضاعفة المجهودات لغرس ثقافة المواطنة الحقة وقيم التسامح والاعتدال والتضامن وحقوق الإنسان وزرع الأمل ونبذ العدمية ومحاربة اليأس والسلبية والفكر الظلامي الرجعي وترسيخ قيم الديمقراطية في تدبير شؤون الأحزاب والنقابات والجمعيات والهيئات التمثيلية. ويشكل إجراء الانتخابات بشكل شفاف ونزيه وديمقراطي فرصة أمام الدولة والأحزاب السياسية والمركزيات النقابية والهيئات المهنية لبلورة برامج ووضع تصورات وإبداع الآليات اللازمة لتحقيق هذه الغايات السامية. فهل سيكون الجميع في الموعد لكي نجنب بلادنا مستقبلا كل الأخطاء والهفوات التي يمكن الركوب عليها من طرف المتطرفين والغلاة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock