مقالات/ موسم الهجرة إلى الجنوب

بقلم : مصطفى ختراني
كل المنافذ إلى المحطة الطرقية مغلقة بالمارة وحقائبهم، وصيحات الوسطاء تسمع من بعيد بترددات مختلفة تتسارع أحيانًا وتباطء أحيانًا أخرى، كل ينادي بأسماء مدن عديدة قريبة وبعيدة منبهات الحافلات تكاد تفسد طبلة الأذن تجعلك تكيل ما تيسر من السب والشتم لسائقيها سرا وعلانية. عالم مختلف هذا الذي يختفي وراء هذا السور القصير مجتمع مصغر يضم كل ما تتخيله من انحرافات وآفات اجتماعية.
أي شجاعة هذه التي تمتلك حتى تلقى نفسك في هذا الجحيم الممتلئ بذئاب بشرية لا تراك إلا ضحية قد تمتص بعض من دمك بضع دريهمات لتنتقل مباشرة إلى غيرك. هنا متسول بثياب رثة لا يطيل النظر للمارة، وهناك سارق بئيس يتسلل بين المسافرين وحقائبهم ويتمنى أن يزاحموا ليختفي بينهم ويدس يده في جيوب نصفها مثقوب. هناك بائع تذاكر وقد التصق بعائلة كظلهم ويمدح الحافلة لهم ليصدقوا أنها أفضل ما يكون حتى تكاد تصدق أنها طائرة خاصة تطوي المسافات، ليتسنى له رفع الثمن ويظهر تعاطفه مع رب الأسرة وما دفعه تلقاء عدد أفرادها.
أزيز الحافلات لا ينتهي وصياح الوسطاء لا يترك لك فرصة لتسمع ما يتم اداعه بواسطة مكبر الصوت الخاص بالمحطة، وأنت تتسلق درج الحافلة نحو الأعلى تخلص نفسك من زحام الممر الذي يتوسط الركاب وعيناك تكادا تخرجان من محجريهما في بحث عن مكان فارغ تحجزه بورق جريدة أو بقنينة ماء أو أي شيء تحمله معك تماما مثل ما فعل من سبقك، فأنت لم تعطي بقشيشا إضافيا للوسيط الذي سلمك البطاقة ليعطيك مكانا بالكراسي الأمامية، هذه الأماكن خاصة بمعارفه أو بمن يبدون اسخياء معه ممن يسميهم زبناء حقيقيين، مجتمع لم يألف النظام؛ الأوراق فقط تحمل رقم المقعد والتاريخ والثمن لكنها تحمل خربشة غير مفهومة يسميها الوسيط توقيعا. في كل مكان من هذه الأرض السعيدة تلزمك معارف لتنال حقك أو جزء منه.
امتعتك قليلة اعفتك من سجال يدور بالأسفل هناك على جنبات الحافلة بين زبون ونوع آخر من الوسطاء يرتب الأمتعة ويطلب أجرا على حمل الأمتعة وله سلطة حد منعك من السفر إن اعترضت على ذلك ويرفع السعر بحسب عدد الحقائق، لم تنتهي مغامرتك التي أقدمت عليها مجبرا، ولن تصل لوجهتك حتى تتمنى لو أن الأرض تطوى فتنتهي قصة سفرك التي ليس فيها ما يجعلك تتمناها تطول.
رحلة طويلة تنتظر الركاب قد بدأت لتو، والحافلة تتحرك ببطء نحو الباب كأنها تودع المكان على أمل اللقاء منبهها لا يتوقف عن الرنين كعروس تزف أول مرة لعريسها. كل الوجوه شاخصة تنظر لبعضها البعض، صمت مؤقت يعم المكان إلا من صيحات المتسولين والباعة المتجولين الذين يبعون كل شيء يخطر ببالك : أدوية، قنينات، ماء، عطور، عشوب، يبدأ بالسلام ليتلو بعدها مقدمة يحفظها عن ظهر قلب ليدعوا على نفسه بما لا تأخذك به شك انه محق بكل ما يقول ليبيعك بلسم يداوي ما استعصى على الطب الحديث بثمن بخس،بعد أن يوزع بضع وريقات وأنت متأكد أنه لم يطلع عليها، لا تتخلص من آخرهم إلا بعد مدة ليست بالقصيرة. ليس بالمكان متسع لتمدد ساقيك لتجد نفسك مكبلا كرضيع في قماطه، ساعات طويلة مرت تكاد لا تغمض عينك حتى يفاجئك زمجرة المحرك أو صرخت طفل أخافه سكون المكان أو صوت أحدهم وهو يدس ما طردت أمعاؤه في كيس بلاستيكي أو ما شابه، وتلتقط أنفك روائح مختلفة لركاب يحاولون سد رمقمهم بما استقدموه معهم ورائحة المحرك تكاد تكتم أنفاسك. ساعات طويلة مرت وأنت بين غفوة ويقضة قبل أن تتوقف الحافلة لأخد قسط من الراحة وتكمل بعدها الطريق الطويل نحو الجنوب.
كل الرحلات نحو الجنوب لها قصص متشابهة قد تختلف في تفاصيلها، لكنها حتما تجمع الشوق للوطن ممزوج بعراك أبدي مع متطلبات الحياة.
ترانا سنتوقف يوما عن الترحال!
نغير الأماكن نغير الملابس نغير الأفكار .. نغير كل شيء
ونحن أشد حرصا على أن تظل قلوبنا كما هي …
وأن لا تتغير
لتظل مسكن مريحا لمن يسكنها



