مقالات و آراء

العنف الإجتماعي والعنف المضاد ..قراءة في حادث الاعتداء على قائد ملحقة إدارية بتمارة

عبد الحق عندليب

أصيب المغاربة بذهول شديد إثر انتشار فيديو يوثق الاعتداء بالضرب على قائد ملحقة إدارية بمدينة تمارة من طرف سيدة بائعة متجولة.
فقد انهالت السيدة المعنية بالضرب على القائد حيث وجهت له لكمات مباشرة على مستوى الوجه بعد أن حاول القائد حجز هاتفها النقال الذي كانت تستعمله لتصوير مشاهد من المواجهة الكلامية التي دارت بين القائد ومعاونيه من جهة وعدد من أفراد عائلة المعتدية من جهة ثانية والذين احتجوا على القائد بسبب احتجاز السلعة التي كانوا يعرضونها للبيع في أحد الشوارع العمومية. وقد لاحظ الجميع أن القائد ضبط نفسه ولم يقم بأي رد فعل عنيف تجاه السيدة المعتدية حسب ما أظهرته كل الفيديوهات المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا المشهد جعل جل المواطنات والمواطنين يتضامنون مع القائد وفي المقابل يستنكرون ما قامت به السيدة البائعة المتجولة من اعتداء. وبغض النظر عما خلفته هذه الواقعة من ردود أفعال، أغلبها يصب في اتجاه التعاطف مع القائد الضحية، لابد أن نتوقف قليلا وبهدوء وبأعلى درجات التجرد والموضوعية والنزاهة الفكرية من أجل قراءة الحدث والبحث عن أسبابه العميقة وكذلك تقدير أبعاده وما يمكن أن يترتب عنه من عواقب ومضاعفات إن لم نقم جميعا بمعالجتها المعالجة الضرورية واللازمة البعيدة كل البعد عن دغدغة العواطف أو التهييج المجاني أو النزوع نحو تشديد عنف الدولة أو عنف القوات العمومية في مواجهة بعض المشاكل وفض بعض النزاعات.
أولا: هناك ظاهرة انتشرت في بلادنا بشكل كبير تتجلى في تكاثر الباعة المتجولون أو ما نسميهم بالفراشة، حيث نجد مجموعات كبيرة من الشباب العاطل في كل المدن المغربية يلجؤون الى هذه الحرفة من خلال احتلال أماكن وفضاءات وشوارع وأزقة وممرات لعرض بضاعتهم للبيع. ومن بين هذه البضائع نجد الخضروات والفواكه والأسماك واللحوم والملابس وأدوات المطبخ وغيرها من السلع. ويتسبب ذلك في عرقلة السير والجولان من جهة وإحداث الضجيج من جهة ثانية وتراكم الأزبال والنفايات من جهة ثالثة، حيث يتضرر من هذا الوضع مستعملو الطرقات وسكان الأحياء المجاورة وبالأساس والتجار أصحاب المحلات التجارية الذين يعانون من المنافسة الشديدة ويشعرون يالحيف لأنهم يؤدون ثمن كراء محلاتهم التجارية وواجبات الضرائب.
أمام هذا الوضع يلجأ السكان وأصحاب المحلات التجارية المتضررين إلى توجيه شكايات إلى السلطات المحلية للتدخل من أجل حمايتهم وحماية حقوقهم، مما يدفع هذه السلطات إلى التدخل بين الفينة والأخرى مستعينة بالقوات العمومية لإجلاء الباعة المتجولون عن الفضاءات العمومية التي يحتلونها، وهو ما يؤدي في الكثير من الأحيان إلى استعمال العنف من طرف هذه القوات والذي قد يترتب عنه في بعض الأحيان عنف مضاد من طرف الباعة المتجولين قد يدفع السلطات المحلية إلى التراجع عن أداء مهامها لاعتبارات أمنية وإنسانية، لتصبح النتيجة في نهاية المطاف هي استمرار هدر حقوق مستعملي الطريق وحقوق ساكنة الأحياء وحقوق التجار وبالتالي الاستسلام للفوضى.
فقبل الخوض في البحث عن الأسباب الكامنة وراء انتشار ظاهرة الباعة المتجولين وما يترتب عنها من احتلال للملك العمومي وأضرار يتحملها المواطنات والمواطنون استحضر واقعتان أساسيتان، أذكرهما في هذه المناسبة لما لهما من وقع ومضاعفات وانعكاسات ذات كلفة سياسية واجتماعية واقتصادية بالغة.
الواقعة الأولى، هي واقعة الشهيد البوعزيزي في تونس الذي أضرم النار في جسده بسبب احتجاز سلعته من طرف قوات الأمن التونسي، حيث شكل انتحار الشاب البوعزيزي الشرارة الأولى لاندلاع ثورة الياسمين التي أدت في نهاية المطاف إلى هروب الرئيس زين العابدين بنعلي وإسقاط نظامه وذلك بعد أسابيع من المواجهة بين قوات الأمن والمواطنات والمواطنين والتي أسفرت عن سقوط مئات الضحايا.
أما الواقعة الثانية فتتعلق بواقعة الشهيد الشاب محسن فكري ابن مدينة الحسيمة الذي طحنته شاحنة جمع الأزبال حين حاول انقاذ سلعته من الأسماك التي تم حجزها ورميها في حاوية شاحنة الأزبال. فقد تطور هذا الحادث المأساوي إلى اندلاع مظاهرات صاخبة عمت شوارع مدينة الحسيمة وعددا من المناطق المجاورة ليتحول المشهد إلى حراك اجتماعي واسع تخلله عنف وعنف مضاد بين المتظاهرين وقوات الأمن وانتهى بشن سلسلة من الاعتقالات في صفوف شباب أحس بنوع من الحكرة في معالجة مشاكله مما دفعه الى الخروج إلى الشوارع للتعبير عن احتجاجه حيث رفع شعارات منددة بالفساد وبانتهاك حقوق الإنسان وبغياب سياسات عمومية اجتماعية حقيقية تهتم بأوضاع المواطنات و المواطنين.
فقد كانت لأحداث الحسيمة وما جاورها كلفة سياسية وحقوقية وأمنية باهظة، أما تداعياتها فلا زالت مستمرة رغم العودة الى الهدوء والإستقرار المشوبين بالحذر.
لنعود إلى موضوعنا المتعلق بالاعتداء على رجل السلطة بمدينة تمارة. إن الحدث في حد ذاته يدق ناقوس الخطر، لأن ظاهرة الاعتداء على رجال السلطة هو درجة عالية من الحقد والغل الذي يختزنه الشباب العاطل عن العمل و الذي يحاول بشتى الطرق البحث عن أية وسيلة لضمان حقه في العيش الكريم.
فمعالجة هذه الحالة النفسية والاجتماعية لا يمكنها أن تتم بالاعتماد فقط على الزجر والعنف المؤسساتي، بل بمعالجة الأسباب الإجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تنتج البطالة والفقر وانسداد الآفاق.
من هنا فإن ظاهرة الباعة المتجولون وما يتسببون فيه من أضرار أمنية واقتصادية واجتماعية وبيئية، ظاهرة أنتجتها الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات التي أعطت الأهمية للتوازنات الاقتصادية على حساب التوازنات الاجتماعية والسياسية والتي منحت الامتياز للرأسمال المالي والاقتصاد المتغول على حساب حاجيات الفقراء و الطبقات المعوزة والمتوسطة.
إن انتشار الفقر وتوسع دائرته له انعكاس مباشر على حق الأطفال المنحدرين من الطبقات الفقيرة في التمدرس وفي الصحة و في السكن اللائق وفي الشغل. فعندما يحرم هؤلاء الأطفال والشباب من هذه الحقوق فإنهم ينقطعون مكرهين عن الدراسة للبحث عن أية وسيلة للعيش بما فيها احتلال الملك العمومي و التمرد على القوانين بل وعدم احترام المؤسسات وسلطة الدولة.
لذلك فإن حادثة قائد تمارة تعتبر ناقوس خطر تجعلنا جميعا نعيد النظر في السياسات التي تنتهجها حكوماتنا في تدبير شؤون البلاد و العباد. فالعنف مهما كان مؤسساتيا أو مبررا من الناحية القانونية الصرفة ومهما استعمل لحماية الأمن وحقوق المواطنات و المواطنين فإنه غير كاف ولا ملائم لحل كل المشاكل وفض كل النزاعات، بل إن الحلول الحقيقية تكمن في معالجة المشاكل الاجتماعية تأسيسا على مبادئ العدل والإنصاف والكرامة الإنسانية، وهذا التوجه في التدبير يقتضي حكومة وبرلمان وجماعات ترابية وسلطات محلية وأمن وقضاء يعملون بشكل منسجم ومتناسق لخدمة مصالح المواطنات والمواطنين والاستجابة لحاجياتهم الأساسية في العيش الكريم، وهذا لن يتحقق إلا بفرز نخب وطنية كفئة ونزيهة تملك تصورات جدية لحل المشاكل الإجتماعية وعلى رأسها معضلة الفقر والهشاشة والتهميش وذلك على أسس العدل والإنصاف والمساوات بين كافة أفراد الشعب دون أي شكل من أشكال التمييز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock