مقالات و آراء

انتصار المغرب التاريخي على الكاميرون: تكريس لأسلوب كروي عالمي وإنصاف لتدبير قيادي عقلاني.

بقلم : د. عبدالله الشيخ

لقد شكل انتصار المنتخب المغربي على نظيره الكاميروني لحظة كروية دالة تتجاوز حدود النتيجة إلى أفقٍ أرحب من المعنى والمغزى. فهو انتصار يُقر، قبل كل شيء، بتكريس أسلوب كروي مغربي بات واضح المعالم، متماسك البنية، ومفتوحا على العالمية، كما يُنصف في الآن ذاته حكمة القيادة الفنية التي نجحت في تحويل الرؤية إلى ممارسة، والفكرة إلى أثر ملموس على أرضية الملعب.

أظهر المنتخب المغربي، في هذا اللقاء المصيري ، وعيا تكتيكيا عاليا يتأسس على توازن دقيق بين الانضباط الدفاعي والنجاعة الهجومية. لم يكن التفوق اعتباطيا أو اندفاعا عاطفيا ظرفيا، بل ثمرة عمل منهجي طويل، تُرجم في حسن تموضع الخطوط، والقدرة على الانتقال السلس بين الدفاع والهجوم، والتحكم في نسق المباراة وفق مقتضيات اللحظة و تداعياتها. أمام منتخب الكاميرون المعروف بقوته البدنية وسرعته في الارتداد، اختار المغرب اللعب بقوة ناعمة ، يراهن على قراءة الخصم واستنزاف اندفاعه، قبل توجيه الضربات الحاسمة في التوقيت المناسب.

في هذا السياق، يتجلى الأسلوب الكروي المغربي بوصفه مدرسة. قائمة الذات و مشروعا متكاملا لا مجرد خطة لعب فرجوي. إنه أسلوب يقوم على ترويض الكرة، وتغليب الذكاء الجماعي على الحلول الفردية المعزولة، مع منح المساحة للإبداع حين تتوفر شروطه. لقد بدا اللاعب المغربي واعيا بدوره داخل المنظومة، مدركا أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الاستعراض، بل في خدمة الجماعة وتحقيق النجاعة. وهنا تتجلى إحدى أهم علامات النبوغ الكروي المغربي: حين يصبح الانتصار نتيجة طبيعية للانسجام، لا غاية تُطارد بأي ثمن.

ولا يمكن الحديث عن هذا الانتصار دون التوقف عند حكمة القيادة التي جسدها بامتياز المايسترو وليد الركراكي. فقد أكد، مرة أخرى، على علو كعبه و على أن القيادة في كرة القدم الحديثة ليست صراخا مفتعلا على خط التماس، ولا رهينة لتغييرات انفعالية، بل هي قدرة على القراءة الهادئة، واتخاذ القرار المناسب، وبناء الثقة المتبادلة بين المدرب ولاعبيه. كم بدا واضحا أن الركراكي لا يفرض سلطته كما يدعي بعض المنفعلين و المهرولين بقدر ما يؤسسها على القناعة، ولا يختزل الفريق في أسماء مرجعية ، بل يصوغه ككيان عضوي متماسك تحكمه روح المسؤولية المشتركة.

إن حكمة الركراكي تتجلى أيضا في مدى قدرته على التوفيق بين المحلي والعالمي؛ بين الخصوصية الكروية المغربية ومتطلبات اللعبة الحديثة. فهو ينهل من المدرسة التكتيكية العالمية، دون أن يفقد الفريق هويته أو يُذوبه في قوالب جاهزة و مسكوكة. ومن هنا يمكن فهم هذا الانتصار بوصفه إنصافا موضوعيا لخيارات جريئة راهنت على الاستمرارية في النقد الذاتي ، وعلى بناء مشروعٍ طويل النفس، بدل التهافت خلف حلول آنية و شكلية لا تصمد أمام اختبارات الزمن و تحدياته.

على مستوى أعمق، يكتسي هذا الفوز المستحق بعدا رمزيايؤكد بلا جدال عالمية الكرة المغربية و سيادتها الأسلوبية. فحين ينتصر المغرب بأسلوبه المنفرد، لا بأسلوب مستعار، فإنه يعلن حضوره كشريكٍ فاعل في إنتاج المعنى الكروي الدولي، لا كمستهلكٍ له فقط. لقد بات المنتخب المغربي يُقرأ تكتيكيا في كبريات الدوائر الكروية، وتُحسب له حسابات خاصة، وهو ما يعكس انتقاله من موقع المفاجأة إلى موقع التأكيد.

كتحصيل حاصل، إن انتصار المغرب على الكاميرون ليس مجرد صفحةٍ مشرقة في سجل النتائج و بورصة الأرقام، بل محطة مفصلية في مسار نضج كروي متواصل شكلا و مضمونا. إنه إقرار بتكريس أسلوب واضح المعالم لا مجال للعبث فيه، وإنصاف لرصانة قيادة آمنت منذ البداية بأن كرة القدم هندسة و علم بقدر ما هي شغف و إيمان، وبأن العالمية لا تُنال بالجحود و المكر و العجعجة و التحليق خارج الأسراب ، بل بالعمل الهادئ، المتقن، والمستند إلى رؤيةو تبصر و روية. في هذا المقام الأدبي، تتجلى قيمة المايسترو، وتتأكد مكانة المغرب النموذجية و المؤسطرة في خريطة الكرة الحديثة. يحق لنا أن نردد عبارة الناقد و الكاتب حسن نرايس التي جادت بها قريحته بمناسبة تألق الفريق الوطني في تظاهرة كأس العالم و تنطبق أيما تطابق على استحقاقنا الإفريقي الي لا يضاهى : فوز المنتخب الوطني لم يكن وليد الصدفة بل كان وليد “الرݣراݣي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock