العالم

العدالة في غرفة الإنعاش… والمتقاضي الضحية الصامتة.

.

بقلم عبد المغيث لمعمري.

بشأن حالة الشلل التام التي يعرفها مرفق العدالة وتداعياتها الخطيرة على حقوق المتقاضين

في ظل الوضع المقلق الذي بات يعيشه مرفق العدالة بالمملكة، وما ترتب عنه من شلل شبه تام في عدد من المحاكم، يتابع المرصد الوطني لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بقلق بالغ حالة الارتباك وضياع حقوق المتقاضين، الناتجة عن الإضراب الشامل الذي يخوضه المحامون احتجاجًا على بعض مقتضيات مشروع القانون رقم 23-66 المنظم لمهنة المحاماة.

وإذ يؤكد المرصد أن الحق في الاحتجاج مكفول دستوريا، فإنه يشدد في المقابل على أن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإلحاق ضرر جسيم بالسير العادي لمرفق حيوي من مرافق الدولة، ولا أن يكون على حساب آلاف المواطنين الذين وجدوا أنفسهم رهائن لهذا الوضع الاستثنائي، في مساس واضح بحقهم الدستوري في الولوج إلى العدالة، وفي آجال معقولة للبت في قضاياهم.

ويسجل المرصد، بإيجابية ومسؤولية، أن مشروع القانون 23-66 يتضمن لأول مرة مقتضيات جوهرية تكرّس مبدأ الشفافية التعاقدية بين المحامي والمتقاضي، إلى جانب إرساء قواعد واضحة للشفافية المالية، بما من شأنه الحد من الشطط والتكتم المعلوماتي، وضبط الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول الديمقراطية.

كما يثمن المرصد الإسهام الإيجابي لمشروع القانون في صون حقوق الدولة المالية، عبر تعزيز الحكامة الجبائية وتوسيع وضبط الوعاء الضريبي، بما يخدم المصلحة العامة ويكرس مبدأ العدالة الجبائية.

وفي هذا السياق، يذكر المرصد بأن الدولة والحكومة مطالبان قانونا بضمان استمرارية المرفق العمومي، وباعتماد تشريع تشاركي متوازن لا يقتصر فقط على ممثلي المحامين، بل يشمل أيضًا ممثلي المتقاضين، باعتبارهم الحلقة الأضعف والجهة الأولى المتضررة من هذا الصراع، وهو ما يفرض خلق إطار ترافعي حقيقي يحمي مصالحهم، بدل تغييبهم عن النقاش رغم كونهم طرفا أساسيا في المعادلة.

وإذ يؤكد المرصد على ضرورة الحفاظ على مكتسب الاستقلالية الوظيفية للمحامي وصون مكانته داخل منظومة العدالة، فإنه في المقابل يرى أن عددا من مقتضيات مشروع القانون الجديد تمثل خطوة إصلاحية جريئة، خاصة ما يتعلق بإلزامية التعاقد المكتوب بين المحامي والمتقاضي، كآلية قانونية للحد من التجاوزات وضمان وضوح العلاقة المهنية.

وانطلاقا مما سبق، يهيب المرصد الوطني لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بكافة القوى الحية والخيرين من أبناء هذا الوطن إلى دعم هذا المشروع التشريعي، باعتباره أول إطار قانوني يسعى إلى إنصاف المتقاضي بشكل فعلي، بوصفه الطرف “الضعيف” داخل مرفق العدالة، عبر توفير ضمانات تحميه من الشطط.

وفي الوقت ذاته، يطالب المرصد الحكومة بمراجعة الصيغة الحالية لمشروع القانون، لاسيما المادة 32 من القانون الجاري به العمل، التي تلزم المواطن بالاستعانة بمحام دون تمكينه من حرية الاختيار، لما في ذلك من مساس بحق التقاضي المكفول دستوريا، وخرق لمبدأ الولوج الحر إلى العدالة.

كما يدعو إلى تمكين المتقاضين، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي المرتبك، من مباشرة إجراءاتهم القضائية بأنفسهم عند الاقتضاء، ضمانًا لاستمرارية البت في الملفات الرائجة، وحفاظا على الحقوق من الضياع.

إن المرصد، وهو يطلق هذا البيان التنبيهي، يدق ناقوس الخطر بشأن ما يعيشه مرفق العدالة من شلل غير مسبوق، ويدعو جميع الأطراف إلى تغليب منطق الحوار والمسؤولية الوطنية، حماية لاستقرار المؤسسات، وصونا لحقوق المواطنين، وترسيخا لدولة الحق والقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock