مجتمع

حين تتحول أموال المغاربة إلى غنيمة لكبار المستوردين : فضيحة (لفراقشية ) نموذجا

هنا 24/ عبد الصادق النوراني .

مرة أخرى، تكشف إحدى التحقيقات الصحفية الجادة عن الوجه الحقيقي لما أصبح يعرف في المغرب بـ”اقتصاد الريع”، ولكن هذه المرة تحت غطاء دعم استيراد اللحوم الحمراء، في ملف بات المغاربة يطلقون عليه بسخرية وغضب “فضيحة الفراقشية”. التحقيق الذي أنجزته مجلة TelQuel، والذي ينتظر أن يثير الكثير من الجدل السياسي والحقوقي، يضع الرأي العام أمام أرقام صادمة ومعطيات ثقيلة تكشف كيف تحولت أزمة الغلاء وارتفاع أسعار اللحوم إلى فرصة ذهبية لتحقيق أرباح خيالية لفائدة فئة محدودة من المحظوظين.
فبين سنتي 2022 و2025، جرى توزيع ما يقارب 13,1 مليار درهم، أي حوالي 1300 مليار سنتيم، على نحو 200 شخص وشركة في شكل دعم مباشر وإعفاءات ضريبية وجمركية لاستيراد اللحوم. رقم مهول يكفي، وفق مقارنات بسيطة، لبناء وتجهيز ثلاثة مستشفيات جامعية كبرى كان من الممكن أن تخفف معاناة آلاف المرضى المغاربة الذين يواجهون يوميا هشاشة المنظومة الصحية وطول مواعيد العلاج.
الأخطر في هذا الملف ليس فقط حجم الأموال العمومية التي ضُخت، بل الطريقة التي تم بها تدبير هذا الدعم. فحسب ما كشفه التحقيق، ظهرت شركات “على المقاس”، فيما سارعت شركات أخرى إلى تغيير أنشطتها بشكل مفاجئ فقط للاستفادة من هذا السخاء المالي غير المسبوق. والنتيجة أن المال العام تحول إلى شلال متدفق نحو جيوب فئة محدودة، في مشهد يعكس بوضوح كيف يشتغل منطق الامتياز والزبونية داخل بعض دواليب الاقتصاد الوطني.
التحقيق يسلط الضوء أيضا على الفارق الكبير بين أثمان شراء اللحوم من الخارج، خاصة من إسبانيا، وحجم الدعم الحكومي المقدم للمستوردين، مقارنة مع الثمن النهائي الذي يباع به اللحم للمواطن المغربي. وهو ما يكشف عن هوامش ربح خيالية يصعب العثور على مثيل لها حتى في أكثر القطاعات ربحا. أما المواطن، الذي قيل له إن الاستيراد جاء لحماية قدرته الشرائية وخفض الأسعار، فلم يجد من كل ذلك سوى المزيد من الغلاء واستنزاف جيبه اليومي.
المفارقة المؤلمة أن هذه السياسة لم تساهم في حماية القطيع الوطني، بل زادت من إضعافه عبر تكريس التبعية للاستيراد، كما لم تنجح في خفض أسعار اللحوم بشكل ملموس، بل تزامنت مع واحدة من أصعب الفترات التي عاشها المغاربة، بعدما وجد كثير منهم أنفسهم عاجزين حتى عن اقتناء أضحية العيد السنة الماضية. وهكذا، أصبح الدعم العمومي موجها عمليا لدعم أرباح المستوردين بدل دعم القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي خضم هذا الجدل، تعود الأسئلة القديمة الجديدة إلى الواجهة: من يراقب صرف المال العام؟ وكيف تمنح هذه الامتيازات؟ وما طبيعة العلاقات السياسية والحزبية التي يستفيد عبرها بعض “المحظوظين” من اقتصاد الريع؟ ثم لماذا تتحول كل أزمة اجتماعية أو اقتصادية في المغرب إلى فرصة للإثراء السريع بالنسبة لفئة قليلة؟
إن أخطر ما تكشفه “فضيحة الفراقشية” ليس فقط تبذير مليارات الدراهم، بل تكريس شعور عام لدى المغاربة بأن هناك اقتصادين داخل البلد: اقتصاد يؤدي ثمنه المواطن البسيط من جيبه وقدرته الشرائية، واقتصاد آخر تصنع فيه الثروات السريعة تحت غطاء الدعم والإعفاءات والقرارات الحكومية. وبين الاقتصادين تضيع شعارات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما يواصل المواطن ترديد نفس الأسئلة دون أن يجد صدى حقيقيا أو محاسبة فعلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock