الطريق رقم 10 الرابطة بين الرشيدية وتنغير تقتل ! أم ترثي صغيرتها وكأنها خنساء فركلة !!!
بقلم: الطيب طاهري
كانت فاطمة الزهراء مفعمة بالنشاط والحيوية وهي تستقبل بداية أسبوع جديد، استيقظت، كعادتها مبكرا والفرحة لا تكاد تسعفها وارتدت ملابسها المدرسية، وقبل أن تندفع نحو مدرستها قبلت أمها بابتسامة عريضة تعلو وجهها الملائكي.
أخذت فاطمة الزهراء محفظتها وغادرت نحو قاعة الدرس، وفي طريقها وجدت صديقاتها ينتظرنها. تشكل سرب الحمائم وتوجه نحو نور العلم والمعرفة. كانت بشوشة هذا اليوم، وكانت حركاتها البريئة توحي بصفاء الطوية ونقاء الوجدان.
مر صباحها هذا اليوم على غير عادته، وكله نشاط وحيوية وعند مغادرتها لمدرسة موسى ابن نصير التي تتابع فيها دراستها بالسنة الثالثة، التأم من جديد سرب القطا وتوجه نحو التجمع السكني ليختفي داخل منازل اصطفت على ضفاف هذا الطريق السفاح.
كان باب منزل فاطمة الزهراء موصدا عندما عادت إليه بعد يوم دراسي مميز، بدأت في طرق الباب حتى كلمتها أمها، وبمجرد أن رأتها تعانقتا بشكل قوي وغريب وبدأت الصغيرة بيديها الناعمتين تحاول الوصول إلى حضن أمها الدافئ، تسلل شعور غريب إلى هذه الأخيرة، وحاولت فهم ما يجري دون جدوى، بدأت الدموع تنزل من عينيها وتنهمر على رأس هذه الغريبة الأطوار هذا اليوم، إذ لم تكن تعرف أن هذا العناق هو عناق الوداع الأبدي.
داخل فناء الدار، اجتمعت العائلة لاحتساء الشاي وتناول وجبة الغداء، وكانت فاطمة الزهراء، وبابتسامتها المتفتحة كالوردة في صباح يوم ربيعي والتي تكاد لا تفارق وجهها الصبوح، تتنقل كالفراشة وتتفنن في توزيع خدماتها. ولان قلب الأم لا يكذب أبدا، فقد انتابها توجس وحيرة اتجاه ابنتها. انتهت العائلة من طقوس شرب الشاي وتناول الغداء، فانصرف كل إلى غايته، أما فاطمة الزهراء فقد اصطحبت أقربائها الصغار إلى روض للأطفال بجمعية النخيل “تامردولت”. انتهت الجولة الأولى من هذا المشوار بسلام بعد أن اطمأنت على أقربائها وعادت أدراجها وهي لا تطلب رد القضاء ولكن اللطف فيه.
وبينما فاطمة الزهراء تقطع الطريق باغتتها سيارة من الحجم الصغير، توقفت عقارب الزمن، ونزلت دمعتين باردتين من أمها وانتابت جسدها المتعب قشعريرة لم تألفها من قبل، نهضت من مكانها بسرعة طفولية وهي تردد تراتيل وأدعية ربانية، تضاعفت خفقات قلبها المنهك، حينها فقط أيقنت أن خطبا كبيرا قد حدث، السرعة المفرطة حسب شهود عيان، غياب التشوير الطرقي، الازدحام، ساعات الذروة،… وأشياء أخرى كثيرة، كلها مسميات لواقع واحد حالك ومظلم، تغتصب فيه البراءة. في هذه النازلة فاطمة الزهراء هي الضحية، وقبلها العشرات من أبناء فركلة سحلوا تحت العجلات ولا حياة لمن تنادي. انتشر خبر استشهاد فاطمة الزهراء، وراح الكل يتغنى بأخلاقها العالية ولكن الأكيد أن دماء زكية قد نفذت إلى أعماق هذا الطريق السفاح العطشان إلى المزيد من حصد الأرواح مادام الاستخفاف بحياة الناس هو السائد لدى الطغمة المتحكمة في رقاب البلاد والعباد.
انتشر الخبر وعم الحزن والأسى كل بيوت القصر بفقدان عائلة فاطمة الزهراء إحدى فرشاتها، وفقدان سرب القطا إحدى حمائمه التي راحت تحلق في سماء خاو من النجوم والسحب، أما أم فاطمة الزهراء التي اجتمعت حولها نساء القصر لمواساتها، فراحت ترثي صغيرتها وكأنها خنساء فركلة وحولها تسقى ارض الواحة بدموع من فقدوا فلذات أكبادهن عبر هذا المحور المميت من الطريق وعلى مصيدة قنطرة “كدية السبع” أو على قنطرة الموت. نقط سوداء طالما نوه إليها الفاعلون المحليون.
أمام هذه الفاجعة التي لا يحمد عنها إلا هو جل جلاله، أقف أنا الراوي/ الشاهد / حنظله، لأناجي أحرار وطني لعل أنين أم فاطمة الزهراء وثكالى وأرامل ضحايا هذا الطريق السفاح توقض فيهم نخوة المسؤول الأصيل وتقودهم إلى رفع الظلم والحيف على منطقة تركت تصارع مصيرها وكأنها جزء من معادلة يصعب فك طلاسمها.



