نور الدين الناصري يكتب”قراءة في مضامين حلقة حضارة المدن … تصور عمر أمارير بين النجاح والإخفاق”

نورالدين الناصري
هل إنتابكم يوما سؤال عن من نحن ؟ وعن هويتنا الجمعية وطقوسنا المشتركة ؟ وما يميزنا عن غيرنا من سكان المغرب ؟ وهل لنا من الثرات ما يجعلنا نحتفل به ونعيد قراءته ؟ لما إنتظرنا كثيرا ليقول لنا عمر أمارير من أنتم ؟ ويخبرنا أن في قبيلتنا شاهد على عقد وربع ؟ وأن من أجدادنا من شارك في الحروب العالمية ؟
كان لا بد أن أستشكلكم أبناء غجدامة قبل الخوض في مضامين ما جاء في حلقة حضارة المدن على القناة الأمازيغية ، في بحر هذا الأسبوع ، والذي حاول من خلالها الدكتور عمر أمارير ، أن يجيبنا كغجداميين على سؤال الهوية ، كما إستشكلت نفسي قبل عرض هذه الحلقة .
فمند مايزيد عن خمس سنوات ،إنخرطت في محاولة إعادة تدوين بعض العادات والتقاليد المحلية ، إعتمادا على ما تبقى من المسنين الحاملين للعادات والتقاليد المحلية في الصدور ، لشح الأرشيف في هذا الباب ، لأنه لا يمكن دراسة نفسية جماعة من الجماعات ، دون دراسة عاداتها وتقاليدها ، لكونهما تساعد على إدراك الخصائص الأساسية لهذه الجماعة ، وتمكّن من رسم طريق واضح الأهداف لمستقبل أفضل ، فالعادات والتقاليد لا تستند لفرد بعينه، بل تشارك الجماهير في إبداعها وإعادة إنتاجها عن طريق قبولها كما هي ، أوتعديلها لصورتها، وتهذيبها لصياغته لتناسب ذوقها عندما تتداولها، وما احتفاء الجماعة بها إلا لأنها صادرة عن وجدانها الجمعي.، فهي خير وسيلة تلقائية تعبّر بها الجماعات عن ذاتها بكل حرية، وتجرد، ودون أي قيد ، فهي التعبير الفطري الصادق عن أحلام الجماعة، وآمالها، وبؤسها، وشقائها، وهي ظلها الذي يصاحبها عبر الزمن، مهما اختلفت الأحوال والأماكن .
كما تكمن أهميتها في توطيد العلاقة بين ماضي الجماعة وحاضرها، وربط هذا الحاضر بتطلعات الجماعة المستقبلية، ومن هنا تتعاظم أهمية البحث في هذا الباب، وتشتد الحاجة إليها في غجدامة ، ولا سيما أن القائم من الأبحاث قليل وسطحي وبسيط، وعلى ىسبيل المثال بحث الدكتورعلي أمهان ومتحف التاريخ والذاكرة .
لأنه لابد من إستقراء تقاليد وعادات أجدادنا على ضوء الراهنية والمعاصرة ، لنخرج من قداحة ووقاحة فعل الزمان ونتجاوز إشكال التاريخ في تراثنا المشترك ، لا أدعو إلى تمارين روحية وأن نعيشها في الخيال ، لكن أن نجعل منها لوحات فنية تقرأ على ضوء التطور والتقدم ، ولا أدعو إلى العودة إلى ما كان عليه الأجداد لأن هذا مستحيل ، لكن أن لا نحدث قطيعة مع تراثهم ، ونكيفه حتى يتفاعل مع المستجد في حياتنا .
لنعود لبرنامج حضارة المدن بإعتباره موضوع حديثنا ، ونتسآل عن المضمون والشكل ، وهل إستطاع عمر أمارير أن يحيط ببعض من عاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا الجمعية ، وأين تجلى النجاح والإخفاق طيلة دقائق الحلقة .
لا جدل في كون ما جاء في معظم لحظات الحلقة كان مميزا ، بإعتبار ما جاء به الدكتور عمر أمارير مادة دسمة لمثقفي المنطقة ، يجب جعلها أرضية نقاش وبداية تدشين رؤية جماعية للتعريف بأرشيف المنطقة المحفوظ في الصدور ، وهنا أستحضر قولا مشهورا في الأدب العالمي ، أن موت مسن بمثابة رحيل خزينة . في مضامين الحلقة أشياء رائعة ، وتناول ناجح لبعض من مشاهد مما يجعلنا كمهتمين بالثقافة المحلية نشكر القناة الأمازيغية ممثلة في الدكتور أمارير لأن البرنامج وضعنا أما إشكالات الهوية.
شكلا ومضمونا ، كانت بداية الحلقة بالتآريخ النسبي لتاريخ ميلاد عمر بوصرحان ، أكبر معمر في قبيلة غجدامة ، حيت أنه عاش ما يزيد عن قرن وربع من الزمان ، فهو الشاهد والشخصية الرئيسة التي أخدت معظم دقائق البرنامج ، وخلالها تحدث عن أهم الأحداث التاريخية التي عاشها ، والتذكير ببعض من أبناء المنطقة ، الذين شاركوا في الحربين العالمية وحرب الصينية ، وصف موجز لأهم العادات التي تمارس في المنطقة المصاحبة للأعراس والإحتفالات والحراسة الجمعية ” إزمازر ” ، والتذكير بعض الأدوات ذات الحمولة الرمزية ” الكمايت / أقراب /…” ،وبأنواع اللوح في المنطقة المعروفة في المنطقة ، وكذلك بالدور التاريخي لمدرسة سيدي زوين في تفريخ معظم فقهاء المنطقة ، وكذا العلاقات التجارية بين القبيلة ومدينة مراكش ” تامنت/ تينوات /…” .
وبين مشهد وآخر موسيقى تصويرية وإدماج صور لا علاقة لها بالمنطقة وتمويه المشاهد على أنها أهازيج وصور من أرشيف المنطقة ، وتشعب وتكدس المواضيع مما جعل المضمون الثقافي للحلقة سطحيا والتناول كان خطفا موجزا .
والمثير هو القراءة التاريخية لباقيا محل تجاري مهدوم يعود لعائلة في دوار الصور ، وإعتباره بقايا ” لأكادير “، الذي يتخد كمستودع جماعي في الثقافة الأمازيغية ، لأن ما فات الدكتور عمر أمارير أنه لم يكن هناك ” أكادير ” في تاريخ الغجدامين ، لكن في المقابل ويستعملون “تسرافت / المطمورة ” كموستودعات فردية أو خاصة .
هنا تتأتى مسؤولية أبناء غجدامة ، والباحثين في مجال الثقافة ، للرد على مثل هذه الأشياء ، ووضع مثل هذه البرامج تحت مجهر النقد التحليلي، لمعرفة الأهداف والغايات ، لتدقيق في المفاهيم والتأويلات لما قد ينتج عنه من مس لأساس ثقافتنا المشتركة .
هنا يجب أن نعترف أن هناك نواقص ، التي يجب نقدها وفحصها وتصحيحها ولو صوتا وصورة لو إقتضى الأمر ذلك ، لأن الحلقة تتطرق لأرشيف المنطقة ولهوية ساكنتها ، وتعبربالوصف عن بعض من عادات وتقاليد المنطقة ، وقد تؤسس لأي بحث لاحق في الثقافة المحلية ، وبإعتبارها مرجع لأجيال المستقبل ، وأي تغليط في هذا الباب قد يؤدي بنا إلى تزوير تاريخينا الجمعي ، فتناول موضوع العادات والتقاليد يفرض على الباحث الموضوعية والإنزياح عن كل ما قد يبعده عن حقيقتها، وأن يتسمت بالعمق والجد ، ولن يختلف إثنان عن توفر كل هذه الشروط في الدكتور عمر أمارير ، رغم محاولته الظاهرة في إنزال تصوره ومعارفه وثقافته السابقة ، التي حكمت على مجمل الموضوع ليكون تأكيدا وتجسيدا لأبحاثه السابقة حول تاريخ الأمازيغ ، كأن الثقافة الأمازيغية لا تتأثر بالإختلافات الجغرافية .
كما أستغرب شخصيا ، تغيب الدكتور علي أمهان بإعتباره إبن غجدامة الوحيد الذي يتوفر على بحث أكاديمي متميز حول الأثروبولوجيا المحلية ، رغم علاقته الوطيدة بالسيد عمر أمرير ويحملان نفس القضية المتمثلة في الثقافة قبل السياسة .
ختاما يا شباب غجدامة ، ما أحوجنا اليوم إلى إعادة النظر في كثير من الأمور الثقافية , التي تقدم لنا ، كأنها الحقيقة المطلقة ، مما يلزمنا بمراجعتها ، بعين الناقد المتبصر ، وبطريقة جريئة لا تأخذها في الله لومة لائم، ولا تخضع لرؤى جامدة متحجرة ولا مذاهب إديولوجية ، تمعن النظر العقلي ، وتكتشف مواطن الخلل والزيغ ، وتزن الأمور بميزان العقل .



