التاريخ لن يغفر لليسار المغربي

فؤاد الجعيدي
خلاصات تقرير الخمسينة الذي سبق وأن أعدته النخب المثقفة المغربية، أفاد من كل تجارب تاريخنا الوطني والمقارنات مع شعوب أخرى أننا نوجد في مفترق الطرق وأن مغربا آخر ممكن.
اليوم يظل نفس السؤال مطروحا.لكن اليوم نكتشف أعطابا أخرى فنخبنا السياسية لم تكن قادرة للتأثير في مجرى الأحداث لتجاوز أوضاع حالة ركود الانتقال الديمقراطي.جزء من الأحزاب الوطنية غدا يشكو من أطراف أخرى وهم شركاء في الحقل السياسي.
البعض يحاول كلما ظهرت له موازين القوى مختلة ولا تخدم مواقعه يجهش علينا بلغة تفيد التآمر على ديمقراطيتنا.
طيب نحن لسنا في العالم الآخر عالم العدالة الإلهية (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)نحن هنا في مجتمع طبقي ويحكمه صراع مرير بين القوى السياسية والتي يفترض فيها أن لا تعبر سوى عن المصالح الحيوية وتستخدم كل الإمكانيات المتاحة لها في عمليات الصراع ولو اقتضى الأمر الضربات من تحت الحزام.
يبدو لي أن القوى السياسية المحافظة في المجتمع. لم تتوفق في إدارة المعركة لفائدتها منذ السابع من أكتوبر.والخرجات التي ظهرت بها لم تحصد منها سوى الريح. ومن جانب آخر ظلت انقسامات اليسار بكل اتجاهاته تعمق الهوة بينها في تحالفات لا تستحضر فيها طبيعة القوى التي تمثلها سياسيا وايديولوجيا واجتماعية.اليسار المغربي انخرط وقبل الانتخابات في رؤى سياسية لم تنجز للقوى المتضررة من الاختيارات التي تنهجها البلاد وهذه الاختيارات باتت تعصف حتى بمصالح الفئات المتنورة داخل المجتمع.جزء أيضا من هذا اليسار وجد الظرف ملائم للخروج بانتقادات سياسية لهذا اليسار الذي يتلاقى معه في جوهر الطروحات أكثر مما يختلف معها.
القوى الليبرالية والمتحكمة في المشاريع المهيلكة للاقتصاد استقطبت وبدهاء في هذه المرحلة الجزء الآخر من اليسار وراهنت على صمته في عدم نسف التوجهات العامة التي عملت على تحرير السوق وتجميد الاجور والتوجه المباشر لضرب مكاسب القوى المنتجة في التقاعد وفرض شروط العمل بالعقدة.
لقد كانت هناك محاولات للإلتفاف على مدونة الشغل ومراجعتها في أفق ترسيخ المرونة في سوق العمل لكن تصدت مرحليا القوى الاجتماعية للقرار غير أن هذا التصدي المرحلي لم يمنع مع نهاية السنة لجوء وزارة التربية والتكوين المهني إلى دخول مرحلة تجريب أشكال العمل الهش.
إن التعاطي مع هذا الأوضاع كان يفترض في النخب السياسية ، العودة إلى الآليات التنظيمية لاستنهاض الهمم وتعبئتها للانخراط في الدفاع عن الديمقراطية بمضامين العدالة الاجتماعية وليس فقط التغني بالتمثيلة العددية التي لا تعتبر الضمانة الحقيقية للمواطنين في العيش الكريم.
إن تنامي السخط على المواقف السياسية للأحزاب وعدم قدرتها على التأثير في الرخاء الاجتماعي والاقتصادي ؛أيقظ من جديد دعوات المقاطعة للاستحقاقات وهي دعوات لن تخدم سوى خصوم وأعداء الديمقراطية في البلاد .
إن التاريخ لن يغفر ليسارنا بكل اتجاهاته عن مدى تخاذله للمضي في خيار الوحدة من أجل إنقاذ البلاد كي لا تعود لسكتة أخرى.



