وجهة نظر حول ما أثير من نقاش حول المحاكمة عن بعد

أناس يمني قاضي بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية
لقد أثير النقاش مؤخرا حول انعقاد المحاكمات عن بعد في القضايا ذات الطبيعة الزجرية المتعلقة بالمعتقلين بين مؤيد لها ومعارض، إلا أن ما يثير الاستغراب بعد ما تجلى للعيان وبالبيان سبب اللجوء إلى هذه المحاكمة، والذي أصبح لا يخفى عن أحد بسبب ما أحدثه الانتشار الكبير والمفاجئ للوباء الفتاك “كوفيد 19 المستجد” من تهديد للسلامة الجسدية للإنسان عبر سرعة انتقاله و مساسه بحقه في الحياة الذي يسموا على جميع الحقوق الكونية وتقليصه لحريته في التجول، هو تمسك بعض الأراء المعارضة لهذه التجربة المحمودة بالقول بانعدام شروط ومبادئ المحاكمة العادلة أحيانا أو مساسها بها أحيانا أخرى، وأن ما أثار لذى البعض شديد رفضهم بالدرجة الأولى لهذه المحاكمة ادعائهم مساسها بمبدأ الحضورية، أي عدم إحضار المتهم من مكان اعتقاله، ومثوله أمام المحكمة متمسكين بحرفية النص، الذي لن تكون مزايا تطبيقه على أي حال أكبر من الضرر المحقق الذي قد يترتب إن طبق حرفا في هذه الظرفية الاستثنائية، مع العلم أن عدم إحضار المتهم أمام المحكمة ووقوفه أمامها، يستعاض به عن طريق ربط اتصال مباشر مرئي وصوتي بين هيئة المحكمة و المتهم بالمؤسسة السجنية عن طريق وسيلة حديثة للنقل المباشر يصطلح عليها تقنية visioconférence تتيح لجميع الأطراف رؤية ومتابعة وسماع ما يجري في المحاكمة بصورة مباشرة، كما أن المحكمة تقوم ابتداء بالتحقق من هوية المتهم حسب ما تستوجبه مقتضيات المادة 304 من ق م ج ، وتمكنه من حقوق الدفاع عبر إشعاره بمقتضيات المادة 385 من قانون المسطرة الجنائية ” من كون له الحق في طلب أجل قصد تهيئ دفاعه واختيار محام ..” ، تحت طائلة البطلان عند مخالفة ذالك، وبتعبير أخر فإن المحاكمة عن بعد، تتحقق فيها وحدة الزمان بين الهيئة القضائية والمتهم دون وحدة المكان – (المتهم بالمؤسسة السجنية والهيئة القضائية بالمحكمة) – وإذا كان مبدأ الحضورية (أو الوجاهية) الذي سبق بيانه بإيجاز قرر لتوفير المواجهة بين خصوم الدعوى العمومية والدعوى المدنية التابعة إن وجدت، فإن ذالك متأتي ومتحقق في المحاكمة عن بعد، الأمر الذي لا يستدعي معه التوجس والرفض لهذه المحاكمة، وضمانا لحقوق المتهم فالمحاكمة عن بعد توفر مبدأ أخرا لا يقل أهمية عن سابقه، وهو مبدأ الشفوية الذي يقتضي إنجاز المحكمة لإجراءاتها بكيفية مسموعة (سماع المتهم و الشهود وأوجه الدفاع و ملتمسات النيابة العامة) والذي يمكن اعتباره حجز الزاوية لما له من دور بالغ في توجيه رأي المحكمة وتشكيل اقتناعها الوجداني، وهو المهم والمتوفر في هذه المحاكمة عن بعد، بالحضور السمعي والمرئي للمتهم، وترتيبا على ما تقدم فإن حضورية الخصوم أساسها وفلسفتها هو الوصول إلى تحقيق مبدأ شفوية المحاكمة، إذن فمبدأ الحضورية جعل (بالضم) لتحقيق مبدأ الشفوية، وإذا تحققت شفوية المحاكمة فمبدأ الحضورية يكون متحققا بالنتيجة، بالرغم من عدم حضور المتهم الفعلي، مما يكون معه هذين المبدأين متحققين في المحاكمة عن بعد ولا تأثير لعدم توفر وحدة المكان بين المتهم والهيئة القضائية على شروط المحاكمة العادلة بمفهومها الحقوقي والكوني، أما بخصوص توفر مبدأ العلنية من عدمه، فيتحقق بترك باب القاعة التي تنعقد فيها المحاكمة مفتوحا، وأن عدم حضور العموم للتتبع المحاكمة كنوع من الرقابة الشعبية على عمل القضاة، تفرضه حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها ولا يمكن بأي حال أن يكون ذالك سببا في القدح فيها بعدم العلنية، وفيما يخص مبدأ التدوينية فالهيئة القضائية وبطبيعة الحالة تتشكل من كاتب للضبط من بين أعضائها فهو يشهد على كل ما يروج بالجلسة عبر تدوين ذالك بمحضر رسمي طبقا لمقتضيات المادة 442 من ق م ج، كما يتم حفظ تسجيل إلكتروني لهذه المحاكمة قصد الرجوع إليه عند الحاجة، وعلى كل حال فمهما كانت دواعي الانتقادات التي وجهها الرافضون للمحاكمة عن بعد متمسكين بحرفية النصوص فإن نافلة القول هي أن العدل فوق القانون والإنصاف فوقهما معا والرحمة فوق الجميع، هذه الأخيرة التي تجسدت من خلال تبني المحاكمة عن بعد في هذه الظرفية الحساسة من طرف جميع المتدخلين في إنتاج العدالة في بلدنا الحبيب.
ونسأل الله تعالى أن يرفع عنا هذا الوباء بحرمة هذا الشهر الكريم وأن يحفظ ملكنا أمير المؤمنين بما حفظ به الذكر الحكيم.



