مقالات و آراء

الأستاذ الباحث محمد المنصوري يكمل: من التقعيد الفقهي إلى التقعيد الأخلاقي 3/3.

إن الإجابة عن السؤال الذي سبقت الإشارة إليه، أي: كيف السبيل لتحصيل هذه الأخلاق التي تعتبر إداما لاستثمار الفقه في الحياة بشكل حي وفعال؟ يحسن أن تتحرى شيئا من الموضوعية حتى لا يقع المرء في التعصب المقيت. ولا سبيل لمعالجة هذا السؤال إلا بالرجوع لما قرره علماؤنا الأجلاء، فالناظر في سيرهم ليستوقفه الحضور القوي لتلك العلاقة بين سلوكهم الفقهي والأخلاقي والانسجام الحاصل بينهما، وسأقتصر على ذكر نموذجين فقط على سبيل المثال لا الحصر، وهما الإمام الغزَّالي والإمام مالك.

* فحجة الإسلام أبو حامد الغزالي الذي بحث ونقب عن السعادة في إطار قلق معرفي وبحث منهجي، كانت له صولات وجولات مع مختلِف المناهج العلمية والطرق المعرفية التي كانت سائدة في زمانه، إنها تجربة لخصها في قوله: ” وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرق، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد إلى بقاع الاستفسار، وما استفذته أولا من علم الكلام، وما احتويته ثانيا من طرق أهل التعليم القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام، وما ازدريته ثالثا من طرق التفلسف، وما ارتضيته آخرا من طريق التصوف “[1]

فإن الله عز وجل “إذا أراد بعبده خيرا بصره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه، فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق من بينها، أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلع على خفايا الآفات، ويتبع إشاراته في مجاهدته، وهذا شأن المريد مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه، فيعرفه أستاذه وشيخه بعيوب نفسه، ويعرفه طريق علاجها…”[2]

وقد انتقد الامام مناهج الفقهاء في التعليم انتقادا لاذعا فجعلوا يَنْفُرون ويُنَفِّرون منه، ففي أبواب العبادات مثلا، في باب الطهارة، فإن حدود حديث الفقهاء عنها لا تزيد عن الحديث عن الماء وطهارته وعن طهارة البدن الظاهرية والحسية، وهو الأمر الذي تجاوزه الغزالي إلى الحديث عن أسرار الطهارة ” فتفطن ذووا البصائر بهذه الظواهر أن أهم الأمور تطهير السرائر، إذ يبعد أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الايمان» عمارة الظاهر بالتنظيف، بإفاضة الماء وإلقائه وتخريب الباطن وإبقائه مشحونا بالأخباث والأقذار. هيهات هيهاتّ (…) والطهارة أربع مراتب:

تطهير الظاهر عن الأحداث.

تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام.

تطهير القلب عن الأخلاق الذميمة.

تطهير السر عما سوى الله تعالى، وهي طهارة الأنبياء والصديقين.

والطهارة في كل رتبة نصف العمل الذي فيها، ففي كل رتبة تخلية وتحلية[3]، والتخلية نصف العمل لكون الآخر موقوفا عليه، وإليه أشار الله تعالى بقوله: ﴿قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ [سورة الأنعام الآية: 91]؛ فقولُه: ﴿قل الله ثم ذرهم﴾ تخلية عما سوى الله تعالى، وكذلك القلب لا بد من تخليته من الأخلاق الذميمة، ثم تحليته بالأخلاق المحمودة، وكذلك في الجوارح لا بد من تخليتها من الآثام ثم تحليتها بالطاعة، وكل واحد من هذه المراتب شرط للخوض فيما بعده؛ فتطهير الظاهر ثم تطهير الروح ثم تطهير القلب ثم تطهير السر، فلا ينبغي أن تظن أن المراد بالطهارة تطهير الظاهر فحسب، فيفوتك ما هو المقصود، ولا تظن أن هذه المراتب في الظاهر تدرك بالمنى وتنال بالهوينا، فإنك لو شمرت له طول عمرك فربما تفوز فيه ببعض المقاصد”[4].

والصلاة عنده لم تعد تعني تلك الحركات والسكنات المعهودة كما يتحدث عنها الفقهاء وإنما أضحت حديثا عن الخشوع والاطمئنان ” ونحن الآن (…) نقتصر على ما لا بد للمزيد منه من أعمالها الظاهرة وأسرارها الباطنة، وكاشفون عن دقائق معانيها الخفية، في معاني الخشوع والنية، ما لم تجر العادة بذكره في فن الفقه”[5].

والصيام، لم يعد يقتصر على الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بل أضحى “الصوم ثلاث درجات، صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

أما صوم العموم فهو: كف البطن والفرج عن أداء الشهوة.

وأما صوم الخصوص فهو: كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام.

وأما صوم خصوص الخصوص فهو: صوم القلب عن الهمم الدنية، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية. فإن قلت: فمن اقتصر على كف شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني، فقد قال الفقهاء: صومه صحيح (…)، فاعلم أن فقهاء الظاهر يثبتون شروط الظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة، لا سيما الغيبة وأمثالها، ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما تيسر على عموم الغافلين المقبلين على الدنيا”[6].

* أما إمامنا مالك إمام دار الهجرة فقولته المشهورة: «من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق» تجمع كل ما قيل؛ “فتزندق الأول لأنه نظر إلى الحقيقة مجردة عن الشريعة، فقال بالجبر وأن الإنسان لا خيار له في أمر من الأمور، فهو يتمثل قول القائل:

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتـــــــل بالمــــاء

فعطل بذلك أحكام الشريعة والعمل بها، وأبطل حكمتها والنظر إليها.

وتفسق الثاني لأنه لم يدخل قلبه نور التقوى، وسر الاخلاص وواعظ المراقبة، وطريق الخشية والمحاسبة، حتى يحجب عن المعصية ويتمسك بأهداب السنة.

وتحقق الثالث لأنه جمع كل أركان الدين: الإيمان، والإسلام، والإحسان، التي اجتمعت في حديث جبريل عليه السلام”[7]، فــ” لا أخلاق إلا بفقه، إذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه. ولا فقه إلا بأخلاق، إذ لا عمل إلا بصدق وتوجه لله تعالى. ولا هما إلا بإيمان، إذ لا يصح واحد منهما دونه. فلزم الجميع لتلازمهما في الحكم، كتلازم الأجساد للأرواح، ولا وجود لهما إلا فيها، كما لا حياة لهما إلا بها”[8].

في الحقيقة إن موضوع التقعيد الأخلاقي في الفقه ومكانته فيه، لمن المواضيع المهمة التي لا بد وأن يعلمها أي واحد من المسلمين، ناهيك عن الطلبة الباحثين، والتي لا زالت تحتاج إلى تعميق البحث فيها وسبر أغوارها. فإذا قال ابن رشد -رحمه الله تعالى-: “فصل المقال في ما بين الفلسفة والشريعة من اتصال”، فإنا نقول: “فصل المقال في ما بين الطريقة والشريعة والحقيقة من اتصال”، وهذا يؤكده تمام التأكيد حديث جبريل عليه السلام المشهور الذي يرويه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عند تقسيم الدين إلى ثلاثة أركان، لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر: ﴿إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم﴾[9].

فركن الإسلام: هو الجانب العملي؛ من عبادات ومعاملات وأحكام تضبط سلوك الأفراد والجماعات فيما بينهم.

وركن الإيمان: وهو الجانب الاعتقادي القلبي؛ من إيمان بالله، وبملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره.

وركن الإحسان: هو الجانب الروحي القلبي؛ وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

ذلك أننا نجد في بعض الكتابات المختلفة التي حاولت أن تكتب في هذه العلاقة بين التشريع والأخلاق؛ نجدها تَعمَّلَت تقديم الفقه بنوداً قانونية تؤخذ وتطبق بنوع من الاجتزاء المزمن وبنوع من الجفاف في التطبيق.

والحمد لله رب العالمين
الـهــــــوامــــش:
[1] المنقذ من الضلال، الغزالي، ص: 23.
[2] إحياء علوم الدين، الغزالي، ج3، ص:33.
[3] منهج التخلية ثم التحلية، هل ما يزال هذا المنهج يقوم بدوره في تعمير الباطن كما الظاهر لنيل السعادة (الأبدية) في عصرنا الحالي كما في العصور الغابرة، أم العكس هو الصحيح؟، إن عصرنا هذا يشهد أزمة روحية خانقة تسيطر عليها الحياة المادية الجوفاء حتى أصبح الفرد فينا همه وشغله الشاغل هو إرضاء نفسه وشهواتها التي لا تنحصر. في وضع كهذا هل يمكن أن يبقى هذا المنهج فعّالا؟ وما الحل لرأب هذا الصدع؟ هل الفرد في استعداد لأن يتخلى بالكلية عما اعتادته نفسه ـ”والنفس كالطفل إن تهمله شب على ** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم“ـ وأن يقبل على تحليتها بالكلية كذلك؛ الأمر صعب إذا ما صرنا إلى تطبيقه، وحتى لو تحقق فلن يتحقق إلا بعد طول زمان. إذن وجب قلب هذا المنهج ليصير منهجا للتحلية ثم التخلية، فإذا استشعر المرء وذاق حلاوة الإيمان وجدد النية والعزم، واعتبارا للفطرة التي أودعها فيه مولاه جل وعز ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾، وأن النفس تحن إلى أصلها، فهو بلا شك سيتحلى، وسيسهل عليه عندها أن يتخلى.
[4] الإحياء، الغزالي، ج1، ص: 111 / مختصر الإحياء، الغزالي، ص: 29 – 30.
[5] الإحياء، الغزالي، ج1، ص: 129.
[6] المصدر نفسه، ج1، ص: 207-209.
[7] قواعد التصوف للشيخ زروق، القاعدة:4، ص: 22/23 مع اختلاف في اللفظ.
[8] المصدر نفسه، القاعدة:4، ص:22.
[9] أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، والإمام أحمد في مسنده في باب: الإيمان والإسلام والإحسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock