مقالات و آراء

قراءة تحليلية عملية في الصور التقليدية للجريمة المنظمة

إعداد : رضوان سند

تعتبر الجريمة المنظمة مشروعا إجراميا ضخما، يقوم على العديد من الأنشطة الإجرامية، التي يتطلب ارتكابها توفر عنصر تعدد الأشخاص المساهمين، والاستمرارية، وهرمية التنظيم والتبعية، الصارمة الغير قابلة للتشاور أو التفاوض .
و في سبيل بيان أنشطة الجريمة المنظمة قد قام الاتحاد الأوروبي بوضع 11 معيارا، و من جملتها معيار يتعلق بتحديد حصري لأنشطة الجريمة المذكورة.
و من تم تمارس العصابات أو الجماعات المنظمة أنشطة عصرية حديثة، و من هذه الأنشطة: جرائم الحاسوب والشبكة المعلوماتية وما تلاها من جرائم غسل الأموال وتزوير البطائق من قبل عصابات الجريمة المعلوماتية المنظمة، هذا مع قيام هذه العصابات بأنشطة أخرى، ذات طبيعة تقليدية، مثل الاتجار
في المخدرات.
بمعنى ، أن الصور إما صور تقليدية للجريمة المنظمة أو صور حديثة.
و نحن هنا سوف نركز على الصور التقليدية للجريمة قيد الدراسة في هذا المقال، مؤجلين مناقشة الصور الحديثة الى حين تحرير ممقال اخر، و عليه،فإن عصابات الجريمة المنظمة تضطلع بمجموعة من الأنشطة تشكل صورا للجريمة المنظمة في شقها التقليدي، مثل الاتجار بالمخدرات والاتجار بالأسلحة وغيرها، باعتبارها جرائم مستهدفة للأموال، هذاا، إلى جانب الجرائم المتعلقة بالاتجار بالبشر و تهريب المهاجرين غير الشرعيين.
و عليه سنعرض من خلال ما سيأتي في مقالنا هذا للجرائم المرتبطة بالأموال، ونرجئ الجرائم المرتبطة بالأشخاص.
أولا: الجرائم المرتبطة بالأموال:
من جملة الأنشطة الإجرامية اللصيقة بالجريمة المنظمة في صورتها التقليدية، نجد جرائم الاتجار بالمخدرات والمواد المخدرة والمؤثرات العقلية، مع تطور نوعي في نطاق هذه الجرائم ذاتها، من حيث أساليب ممارستها، سعيا من مرتكبيها إلى الحيلولة دون ملاحقة الجناة من قبل الأجهزة الأمنية والقضائية، وذلك على الصعيد الإقليمي و الدولي.
و بناء على ما ذكر، ارتأينا الوقوف عند كل من :
-​الاتجار المنظم في المخدرات.
-​و الاتجار المنظم بالسلاح .
1-​الاتجار المنظم في المخدرات:
نظرا لأقدمية هذا النشاط الإجرامي، وكثرة الإقدام عليه من قبل الأفراد والجماعات الإجرامية، ذلك، باعتباره من أكثر الأنشطة جلبا للأموال وإدرارا للدخل الوفير، مع ما له من تداعيات خطيرة على جميع المستويات الاقتصادية أو القانونية أو السياسية و الاجتماعية، فإنه كان لابد وأن نحدد بدقة مفهوم الاتجار بالمخدرات، حتى يكون أرضية أولية، لتوضيح مدى العلاقة الممكنة بينه و بين الجريمة المنظمة.
أ‌-​مفهوم الاتجار في المخدرات:.
عند بحثنا في تعريف جريمة الاتجار بالمخدرات، لم نعثر عليه –حسب مطالعتنا البسيطة- ضمن بنود الاتفاقيات ولا ضمن المقتضيات الزجرية في القانون الجنائي أو في النصوص الخاصة ذات الطابع الجنائي.
ولكن برجوعنا إلى بعض التقارير ، سنجد أن الاتجار بالمخدرات غير المشروع، يعد مصطلحا دوليا يشتمل على كل صور الإنتاج والزراعة والجلب والتهريب والترويج .
وعليه، فإن هذه الحمولة التي يكتسيها الاتجار غير المشروع بالمخدرات، تنطوي على مضمون دولي للمكافحة الوقائية أو العقابية.
وتجدر الإشارة إلى أن المغرب بدوره عرف المخدرات والمؤثرات العقلية بالاتجار أو التعاطي، تم بالتصدير و الاستيراد .
و قد دفع هذا الوضع المغرب إلى الانخراط ضمن المنظومة الدولية التي تكافح الاتجار بالمخدرات الغير مشروع، وذلك يتجلى لنا من خلال انضمامه إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الصادرة سنة 1988 م، وإدراجه لبنود الاتفاقية ضمن تشريعه الجنائي .
هذا، مع عدم تساهل السلطات القضائية والأمنية مع هذه الملفات الحساسة المرتبطة بتهديد الأمن الاقتصادي والاجتماعي، خاصة، وأنها قد تكون مرتبطة بملفات أخرى، قد تستعصي مكافحتها وطنيا، إذا لم يرافق ذلك، تجريمها بشكل واضح وملزم على مستوى الاتفاقية أعلاه، مع تجاوز الفراغ الحاصل على مستوى المؤسسات المنوط بها مكافحة هذه الجريمة بمختلف أنحاء بالمملكة المغربية . وإلا فإن المخاطر ستبقى في ازدياد مستمر وتؤثر على جميع مناحي الحياة، لاسيما في ظل تواجد عصابات إجرامية منظمة تكون أكثر اضطلاعا بالاتجار غير المشروع بالمخدرات. وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف مفهوم الاتجار بالمخدرات؛ فإن هذا لم يمنع السلطات القضائية المغربية من التشدد في مثل هذه القضايا، وعدم التساهل بشأنها، بالتمسك بالمتابعة اللازمة في حق المتورطين فيها .
إضافة، إلى أن العصر الحالي يفرض على المنتظم الدولي تكثيف الجهود من أجل التصدي للاتجار بالمخدرات غير المشروع والذي تجاوز الأفراد إلى عصابات الجريمة المنظمة التي تضطلع به بكثرة منذ بزوغ الجريمة المنظمة، فضلا عن لو أنها أضحت تنتعش عبر حدود الدول في شكل عصابات إجرامية منظمة دولية.
ب‌-​مظاهر علاقة الاتجار بالمخدرات بالجريمة المنظمة:
يرتبط الاتجار بالمخدرات غير المشروع، بشكل كبير بالجريمة المنظمة، التي غالبا ما تكون عابرة لحدود الدول.
ليطرح التساؤل هنا حول: كيف يمكن للاتجار الدولي بالمخدرات أن يصبح محط اهتمام عصابات الجريمة المنظمة؟
إن المنظمات الإجرامية؛ تجد في الاتجار بالمخدرات أفضل سبيل لتحقيق الأرباح الضخمة.
و تخترق جريمة الاتجار المنظم غير المشروع بالمخدرات مختلف الهياكل الإدارية، والاقتصادية، والسياسية، والأمنية للدول.
حيث تغري عصابات الإجرام المنظم رجال السياسة المرموقين بوضعهم في الواجهة السياسية الدولية، وتقحم في تنظيمها الإجرامي، أعدادا محترمة من الموظفين والإداريين، مما يجعل أساليبها في العمل والأداء، معقدة الفهم ومستعصية على عملية فك ألغازها بوضوح، من قبل الأجهزة التي تضطلع بالبحث و التحقيق في الجرائم، الأمر الذي لا تكفي معه تدخلات وطنية أو دولية ، حيث ينحصر تعاون بعض الدول لمكافحة هذه الجريمة المنظمة المرتبطة بالاتجار بالمخدرات في حدود جزئية، و بالتالي فإن الإبقاء على هذه التدخلات الجزئية المحدودة لوحده من شأنه إعاقة مكافحة هذه الجريمة، مما يفسح المجال للمنظمات الإجرامية لتنشط فيها ، وتبسط من خلالها نفوذها في مختلف المجالات سعيا نحو السطوة المالية .
ونشير هنا إلى أنه أمام المخاطر المذكورة، قام المغرب بإدراج مضامين ما أبرمه من اتفاقيات ضمن تشريعي الزجري، في محاولة منه لمكافحة الجريمة المنظمة، إلا أنها تبقى دون جدوى، إذا لم يتبن تجريم مختلف صور الجريمة المنظمة، بعدما صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المنعقدة بباليرمو السالفة الذكر، و إدراجها ضمن مقتضيات مجموعة القانون الجنائي، بشكل خاص وصريح.
ونحن هنا إذ نعالج نشاطا إجراميا يعد أحد صور الجريمة المنظمة، لا بأس، أن نعرض لمجهود المشرع المغربي بخصوص المكافحة، حتى ولو كانت غير صريحة وغير خاصة، وقاصرة عن مواكبة التطور الهائل للجريمة المنظمة في وقتنا الحالي.
و نذكر في هذا الصدد، الاتفاقية التي صادق عليها المغرب بعد توقيعها، وهي الاتفاقية المتعلقة بالمخدرات، المبرمة بنيويورك، بتاريخ 4 دجنبر 1961 ، وغيرها من الاتفاقيات إزاء الجريمة المذكورة.
هذا، رغم صدور القانون العربي الموحد عن مجلس وزراء الداخلية العرب، في دورته الرابعة، التي عقدت في الدار البيضاء، بالمغرب، في فبراير 1986، بغية اهتداء الدول الأعضاء به، وذلك عند صياغتها لتشريع تجريمي زاجر لظاهرة المخدرات بمختلف صورها.
إذ يشير هذا القانون، في م 49 منه إلى عملية غسل الأموال المتحصلة من جرائم المصدر المتمثلة في نشاط الاتجار بالمخدرات.
حيث، أكد حينها على ضرورة مصادرة الأموال من قبل المحكمة المختصة، بعد التحقق من عدم مشروعيتها ومن كونها متحصلة فعلا من جرائم المخدرات ، وهو الأمر الذي ستسير عليه التشريعات الوطنية .
خاصة، وأن هذه التنظيمات الإجرامية، تقوم بأعمال تهريب المخدرات -بشتى أنواعها- دوليا، حيث تصل إلى الأطنان ، إذ قدرت الأنشطة التي تمارسها الياكوزا اليابانية، والمتمثلة تحديدا في الاتجار بالمخدرات وتهريبها إلى باليابان، بحوالي 700 كيلوغرام، إلى جانب الاتجار بالكوكايين، والقنب الهندي، و المستعمل من قبل عدد كبير من الأحداث ، كما يلجأ إلى ذلك حتى عناصر التنظيم الإرهابي، والعصابات المنظمة بدورها.
هذا، و نشير إلى أنه مادام الاتجار الغير مشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية يعد في حد ذاته جريمة، ونظرا لطبيعته الدولية، فإن ذلك ينقله من جريمة فردية محلية، و وطنية إلى جريمة دولية عابرة للحدود، و هذا معناه؛ أن الاتجار غير المشروع بالمخدرات سيتحول –لا محالة- إلى جريمة منظمة، وفي هذا السياق، وفي جنوب شرقي آسيا بدول المثلث الذهبي (ميانماو-لاو-تايلاند)، ذكر تقرير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات ومنع الجريمة، أن جماعة عرقية تعيش في شمال شرقي ميانمار، زادت من مساحات زراعة الأفيون لشراء السلاح للدفاع عن نفسها في حالة شن هجمات عليها ، فهل يعد الاتجار بالأسلحة -شراء وبيعا- جريمة منظمة؟.
و هذا ما سنقف عند الإجابة عنه من خلال البحث-فيما سيأتي- في الاتجار المنظم بالسلاح
2-​الاتجار المنظم بالسلاح
يحتل الاتجار بالأسلحة الرتبة الثالثة بعد البترول كرتبة أولى والاتجار بالمخدرات كرتبة ثانية،
ونظرا لأهمية الاتجار بالأسلحة في الحياة الاقتصادية، و ما له من دور خلال فترات التصدي لعمليات الحروب الدولية كان مبررا احتلاله تلك الرتبة المهمة.
لكن، بقدر ما يشكله الاتجار بالأسلحة من اقتصاد قوي وربح وفير للدول، بقدر ما يمثل تهديدا للأمن والاستقرار العالميين و الأمن البيئي.
لكن، الصعوبة كل الصعوبة، والخوف كل الخوف، أن تصبح هذه الصناعات والمعالم في ملكية العصابات المنظمة، وهو الأمر الذي يقع فعله لدى بعض المافيات العالمية.
أ‌-​السياق الخاص للاتجار بالسلاح:
لقد لوحظ، أن السوق العالمية، أضحت تشهد تطورا كبيرا في السنوات الأخيرة. وذلك يرجع لعدة أسباب، منها:
– ضعف الرقابة من جانب بعض الدول على عتادها الحربي، وذلك غالبا، ما يقع في حالة أزمات، تحصل لبعض الدول، العسكرية.
وهو فعلا، الأمر الذي وقع، بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، إذ اتجه جانب كبير من العسكريين الروس، تحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة، إلى بيع أسلحتهم، بأقل ثمن للمهربين.
-​عدم مراعاة قواعد السلوك المقررة دوليا، والتي تحكم بيع السلاح إلى جانب كثرة النزاعات المسلحة، في مناطق متعددة من العالم .
وبالرغم، من أنه لا توجد أرقام إحصائية دقيقة، تعبر عن حجم الاتجار غير المشروع في السلاح، فإنه وفقا لبعض التقديرات، فإن عدد الأسلحة الصغيرة التي يتعامل بها على مستوى العالم، يتجاوز خمسمائة مليون سلاح، وأنه في النزاعات المسلحة، تكون الغالبية العظمى، من الضحايا، مدنيون أبرياء، والعديد منهم من النساء والأطفال .
ونظرا، للخطورة الكبيرة لهذه الأسلحة، والتي تزداد تطورا، يوما بعد يوم، فإنه كان ضروريا، على الدول، أن تتحرك من أجل سد الثغرات التشريعية التي قد تستغلها بعض عصابات الجريمة المنظمة، أو المافيات ، كما هو الشأن لدى بعض الدول كإيطاليا، حيث يكون ميسرا لها أمر التداول بهذه السلع من الأسلحة، في السوق السوداء أو تهريبها عبر الحدود .
ب‌-​علاقة الجريمة المنظمة بالإتجار في السلاح :
ونظرا لأهمية الأسلحة الدفاعية وخطورتها التدميرية وقوتها الاقتصادية وفاعليتها الربحية، فإنه طبيعي، أن تبادر إليها العصابات المنظمة لحماية نفسها من أي هجوم مضاد ومباغث مسلح، كما تلجأ إلى بيع و شراء الأسلحة النووية ومختلف أنواع الأسلحة عبر أسواق مخصصة لذلك.
ولقد حذر العديد من المسؤولين الحكوميين من خطورة وقوع القنابل النووية في أيدي عصابات الجريمة المنظمة، إذ سيشكل ذلك، تهديدا للأمن والاستقرار الدولي و الأمن المجتمعي المحلي .
و قد أدى هذا الوضع بالمشرع الجنائي المغربي إلى تضمين البنود المنظمة باتفاقية مكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة، وكيفية استعمالها، بنصوصه الجنائية بمجموعة القانون الجنائي، سواء تعلق الأمر بالحيازة أو الاتجار أو الادخار أو الاستيراد أو التصدير أو الصنع أو التوسط في ذلك، دون الحصول على الترخيص بذلك، ومن تم استعماله في ميادين غير مشروعة.
هذا، و قد جرم المشرع المغربي تلك الأفعال و عاقب عليها بعقوبات مشددة أو مخفضة حسب الأحوال .
لكن نرى أن تجريم المشرع المغربي لهذه الأفعال قديم جدا، و متجاوز، نظرا لتطور الأسلحة، و ما رافق ذلك من تطور في أساليب ممارسة الاتجار غير المشروع بالسلاح، و الترويج لها عبر الأنترنيت، وبطرق أرقى تعاملا وتداولا واتجارا.
و تبعا لما تقدم، نقترح على المشرع المغربي تجريم الاتجار بالأسلحة، آخذا بعين الاعتبار- عند صياغته لنص جنائي زجري- عصابات الاتجار المنظم بالأسلحة، مع ما يعتمدون عليه من تقنية معلوماتية تشكل مرتعا لممارسة إجرامهم، بشكل مكثف وأسرع، دون ترك دليل إثبات عليهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock