علاقة النيابة العامة بالنظام العام

اعداد : رضوان سند
– مقدمة
لا مجال لشك في إن قوانين المجتمع تعكس مضامين النظام العام وإلا كانت سهلة الخرق والمجاوزة والتهرب من أحكامها ، فاللجوء إلى فكرة النظام العام بما تتمتع به هذه الفكرة من خواص تجعلها عصية على المخالفة ، تحت علة إنها تعبر عن معتقدات الجماعة وأفكارها ، باعتبار أن فكرة النظام العام ذات خصوصية تتمثل في استنادها إلى طبيعة النزعة الاجتماعية والسياسية التي تنبعت منها بحيث تأخذ لون النظام الاجتماعي والسياسي السائد في مجتمع معين في زمن معين.
فالنظام العام هو الضوابط التي توصل التصرفات والقواعد القانونية المسنونة إلى غاياتها فهو الذي يحدد مشروعية هده التصرفات وتلك القواعد فادا تعلق الأمر مثلا بانعقاد عقد ما ، فان توازن التزامات الطرفين في هذا ، وتعادل شروطه من النظام العام بحسب الفلسفة القانونية السائدة في مجتمعنا فادا اختل توازن هدا العقد أو كانت شروطه مجحفة على فاعلي احد عاقديه تدخل المشرع أو القاضي لإعادة توازنه ، أو إبطال الشروط المجحفة فيه ، استجابة لتداعيات النظام العام ، أو إذا تم المساس بالسكينة أو الصحة العامة مثلا، فإنه يتم تدخل النيابة العامة من أجل احترام ذلك و المحافظة عليه ، اما وقائيا أو علاجيا.
علاوة على قيام القضاء بشقيه الجناح الرئاسي أو النيابي باعتماد تدابير و الإجراءات التي من شأنها احترام حقوق الإنسان الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية و البيئية، مادامت هاته الحقوق تؤسس لنظام عام في توازن بين الدولة و المجتمع.
– و من تم نشير إشكالية مقالنا كمايلي:
إلى أي حد تستطيع النيابة العامة التدخل من اجل حماية النظام العام الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و السياسي سواء أكان تدخلا وثقائيا أم علاجيا؟
لذا نرتئي تبعا لطبيعة الموضوع و الإشكالية أعلاه اعتماد تصميم ثنائي مفاده مطلبين
اثنين :
– المطلب الاول : الدور الوقائي للنيابة العامة في الحفاظ على النظام العام
– المطلب الثاني : الدور العلاجي للنيابة العامة للحفاظ على النظام العام
– المطلب الأول : الدور الوقائي للنيابة العامة في الحفاظ على النظام العام
ويمكننا إبراز الدور الوقائي لنيابة العامة بخصوص مجال النظام العام والحفاظ عليه عبر اعتماد فقرتين
-حيت نعالج مدى ارتباط الشرطة القضائية بمؤسسة النيابة العامة في انجاز الابحات التمهيدية حفاظا على النظام العام في فقرة أولى .
فيما نتطرق إلى تبيان علاقة النيابة العامة بقاضي التحقيق تحقيقا للنظام العام في فقرة موالية .
و نبرزها تبعا لمايلي:
– الفقرة الأولى: مدى ارتباط الشرطة القضائية بمؤسسة النيابة العامة في انجاز الابحات التمهيدية حفاضا على النظام العام
– الفقرة الثانية : علاقة النيابة العامة بقاضي التحقيق للحفاظ على النظام العام
– الفقرة الأولى: مدى ارتباط الشرطة القضائية بمؤسسة النيابة العامة في انجاز الابحات التمهيدية حفاضا على النظام العام
إذا كان المجتمع عبارة عن أفراد و جماعات معنوية و طبيعية، في صورة مجموعة متكاملة ، يتألف منها هذا المجتمع، ضمن بلد معين و دولة معينة، فإن الجرائم التي قد ترتكب بحق أحد إفراده لا تتوقف أثارها عليه فحسب ، بل تتجاوزه لتشكل اعتداء على أمن المجتمع و قيمه و عاداته و أعرافه، بحيث للمجتمع حقه في ملاحقة الجاني من أجل حماية أفراده من الأشرار العابثين بأمن مجتمعهم و استقراره.
و هذه الملاحقة تأخذ صفة عمومية مما يخول تسميتها بالدعوى العمومية ، و يسمى القاضي الذي يحركها بلغة العصر الحديث بالنائب العام في دول و بالمدعي العام لدى دول أخر، فيما يأخذ اسم الوكيل الملك أو الوكيل العام و نوابه بصفتهم أعضاء للنيابة العامة في المملكة المغربية، و الذي من شأنه أن ى يمثل الحق العامي و حماية المجتمع، حمية لمبادئه و لكل ما يندر ج ضمن النظام العام على مختلف الأصعدة اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها، إذ من حق النيلبة العامة مباشرة الدعوى العمومية باسم المجتمع، و تطالب بتطبيق القانون على وجه سليم تبعا للمادة الدستورية رقم 110 من دستور المملكة ليوليوز 2011.
و من هنا يظهر أن النيابة العامة يناط بها الاضطلاع بالدور الوقائي قيد الذكر إلى جانب الدور العلاجي الذي سوف نرجؤه في حينه، حيث لها وظيفة استقصائية في حماية النظام العام بملاحقة و التحقق مع كل العتاة أو المحدثين للاضطراب اجتماعي معين، بالاستعانة بضباط الشرطة الفدارية أو القضائية حسب ما يتطلبه المقام وواقع الحال.
و تأسيسا على كل ما سيبق نحبذ توضيحه وفقا لمايلي:
أولا : الشرطة و النيابة العامة أي ارتباط بينهما و أي دور لهما في حماية للنظام العام
تقوم النيابة العامة ببعض الوظائف القانونية الأخرى إلى جانب الاستقصاء للجرائم – بمساعدة الجهات الأخرى من الأجهزة الأخرى- التي أسندت لها بموجب القانون و الممثلة في رجال و نساء الأمن من الشرطة الإدارية و القضائية و أعوانهم، بحيث يختص كل جهاز باختصاص معين، محدد قانونيا/ كما يقوم في نفس الوقت بالتصدي لمن سولت له نفسه الإخلال بالنظام العام معتديا على الحق العام الذي هو حق الأفراد بجميع مجالات هذا الحق، بحيث يحول ممثل النيابة العامة دون وقوع الاعتداء ألجرمي ، و ذلك تبعا للتسلسل الرئاسي و اختصاصات حددتها القوانين المنظمة ، لاسيما المادة 25 من النظام الأساسي للقضاة المعدل بالقانون التنظيمي المنظم لسلك القضاء الذي استمد قوته من توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة الذي وقعه جلالة الملك سنة 2013، إذ تشير المادة السالفة الذكر إلى أن قضاة النيابة العامة يوضعون تحت سلطة و مراقبة الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، و الكل يعتريه في الهرم النيابي القضائي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض المغربية، و رئيس قسم النيابة العامة بها، حسب المرسوم رقم 17/33 ، القاضي بنقل الانتداب من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل ممثلة في شخص وزير العدل إلى السيد الوكيل العام المذكور.
ناهيكم على أن الشرطة القضائية تقوم بالضبط القضائي وقائيا و علاجيا بالبحث والتحري إن الجريمة وتعقب مرتكبيها وتقديمها للجهات المعنية تحث إشراف النيابة العامة ، لكن الشرطة الإدارية لها ارتباط شبه تام بالسلطة التنفيذية ، فمثلا تقوم بتنظيم الحياة العامة بيئيا وطرقيا ، بحث تسهر بالليل وبالنهار على امن المواطن وسلامته باعتبارها سلطة التزام وجبر على تنفيد القانون ، لهدا لها جانب تستند إليه وهو السلطة التنفيذية ، ولهدا اختصها المشرع بحق استعمال القوة ، وبين أجهزة الضبط الإداري والضبط القضائي تنسق متكامل ، بحيث تقوم أجهزة الضبط الوقائي بتنظيم المرور مثلا ، وإذا ظهر لها انه ثمة هناك ممنوعات بحوزة شخص ما فإنها تقوم بإشعار الشرطة القضائية لتستكمل تحرياتها بخصوص دلك، إذا كان الأمر يستدعي الوضع تحث تدابير الحراسة النظرية لمتطلبات البحث فانه عليها ان تشعر النيابة العامة لكي تصدر تعليماتها في الموضوع أو تمتنع عن دلك ، سيرا مع حالة الضرورة والنظام العام حسب سلطة الاشراف التي تحضى بها ، وسلطة الملائمة والتكييف القانوني الذي تضطلع به .
ثانيا : البحث التمهيدي والنيابة العامة وتعليماتها للشرطة بهدف الحفاظ على النظام العام :
فضباط الشرطة القضائية يباشرونا اعمالهم من تمكين النيابة العامة من مباشرة عملها لاحقا واتخاد قرارها في شان تحريك الدعوة العمومية . وغاية احد نواب وكيل الملك هو مدها للسلطة القضائية بعناصر التقدير الملائمة لواقعة الأفعال الجرمية المثارة .
وإذا أرادت النيابة العامة الانتقال الى عين المكان ، مسرح الفعل الجرمي لتعاين شخصيا الواقعة وملابستها لتكوين قناعتها و اعطائها تكييفها السليم ، فان الشرطة القضائية أمامها مجموعة من الخيارات الإجرائية المنوطة بنظام الحراسة النظرية بما فيها الأمر بإيقاف شخص مفيد في القضية موضوع البحث خاصة ان اغلب الجرائم تثير ضوضاء وتكون فرصة لتجمع الفضوليين فيخالط المجرم غير المجرم مما يجعلها كشرطة معنية بتعليمات النيابة العامة ان تامر بعدم مغادرة المكان سيما بعض الأشخاص الذين يثيرون عناصر الاشتباه فيهم ضمانا لمناخ عام فيه مواصفات الأمن العام والاستقرار والسلم الاجتماعي والقيام بكل ما من شانه ان يحدث خطورة جسيمة أو يزعج عملية التحريات اهتداء إلى تحقيق العدالة الجنائية المرجوة .
الفقرة الثانية : علاقة النيابة العامة بقاضي التحقيق للحفاظ على النظام العام :
إذا كانت النيابة العامة هي التي تباشر عملية البحث والاستنطاق والتحقيق فانه وفي غضون سنة 2002 سلك المغرب اشواط جديدة في الإصلاح القضائي بالرغم من مكامن الضعف التي كانت تتخلله ، إذ سيتم أحداث مؤسسة قاضي التحقيق كجهاز منحه المشرع اختصاصات عدة سواء تعلق الأمر بالبحث التمهيدي بصفته تلك ، باعتباره ضابط سامي إلى جانب وكيل الملك والوكيل العام للملك لدى محاكم الاستئناف أو تعلق الأمر بالتحقيق الإعدادي وما ارتبط به من تدابير ، وكل إجراء يباشره قاضي التحقيق تمهيديا أو تحقيقيا يعد كان لم يكن إلا بعد أخد ملتمس من النيابة العامة أو يوجه إليها ، كل ذلك من اجل الحفاظ على متطلبات النظام العام قصد تفادي للإخلال بمبادئه.
لكن بالرغم مما منحه المشرع المغربي لقضائي التحقيق من صلاحيات فان النيابة العامة ظلت وستظل متمتعا بحصة الأسد فيما يخص في جميع مراحل الدعوى العمومية أو الخصومة سعيا نحو تدعيم المركز القانوني القوي للنيابة العامة.
إلا انه إذا كانت النيابة العامة أعطاها المشرع المغربي سلطة تقدير حالات الاستعجال وتقدير مفهوم النظام العام فان قاضي التحقيق سحب بساط السلطة التقديرية والملائمة منه بشكل كبير .
المطلب الثاني : الدور العلاجي للنيابة العامة في الحفاظ على النظام العام
لئن كنا قد أشرنا سلفا إلى دور النيابة العامة الوقائي من خلال إشرافها على ضباط الشرطة القضائية و علاقات بالتوازن اللازمة فيما بينها و بين قاضي التحقيق و إلا فإن من حق هذا الأخير أو كلاهما اللجوء إلى الطعون الممكنة أمام الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف ضمانا للنظام العام ، فإنها ذات دور بارز عندما تعالج الملفات بحيث تقوم بتكييفها واحالتها المباشرة على قضاء الحكم أو تقوم بالمتابعة في حلالة سراح أو تقوم بمستنتجاتها بعد وضع القضية أمام القضاء .
وان النيابة العامة وهي تباشر وتعالج بدورها الملفات فإنها لا يظل تدخلها حكرا على الملفات دات الطبيعة الزجرية بقدر ما تتدخل في الملفات الأسرية أيضا ، والمدنية والتجارية كتدخل أصلي أو انضمامي حسب حالات دلك .
وتبعا لمفهوم النظام العام فان المشرع أعطى للنيابة العامة سلطتها التقديرية في الامتناع عن تمديد فترة الحراسة النظرية وعدم إعطائه للمحامي حق الاتصال فيما بيبنه وبين موكله ودلك في الحالات التي تتطلبها مبررات الضرورة ومبادئ النظام العام اللازم حمايتها تبعا للمادة 66 من قانون المسطرة الجنائية .
فضلا عن تقديم النيابة العامة لمتلمس سرية الجلسات كاستثناء يقدمه إلى رئيس الهيئة القضائية تحث مبرر إن هناك حالة خطورة محتملة قد تسهم في تلاشي النظام العام منها مثلا جرائم الإرهاب وجرائم الاعتداء الجنسي وجرائم الأحداث ،
والى جانب دلك فان حقوق الدفاع لطالما وإنها من النظام العام التي لا ينبغي الإخلال بها بتاتا مثل الحق في التزام الصمت وإشعار عائلة المشتبه فيه وكدا حقه في الاتصال بالمحامي ولو في إطار المساعدة القضائية ، فان النيابة العام ملزمة بتتبع عمليات البحث التمهيدي بل وحتى عمليات قاضي التحقيق وإلا فان من حق كل المتدخلين في الدعوى من متهمين ومشتبه فيهم بالطعون أمام الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف .
و في ختام هذا المقال يمكن ان نشير الى مايلي:
يمكن أن يكون مشروع قانون المسطرة الجنائية المرتقب أن يأتي حاملا بشارة خير بخصوص توضيح العلاقة القائمة بين كل من المؤسستين النيابة العامة و قاضي التحقيق، من أجل تحديد معايير اعتبار فعل ما ضمن النظام العام من عدمه و من تم ضمان الدفاع عنه و عن المصلحة العامة دون مساس بحقوق الدفاع و ضمان فلسفة التوازن بين المقاربة الحقوقية و المقاربة الامنية .
3



