العميد الرياحي ينعي رمز الصحافة العراقية الذي عشق المغرب : وداعا حبيبنا رمزي صوفيا

الصحفي و الأديب الذي أحب بلادنا و أحب ملوكها و تفاعل مع هموم شعبها و اختارها مرقده الاخير .
يحق علينا في هذه الأيام أن يسري علينا قول الشاعر إلى متى تلسعنا الجراح و نحن نودع رجالا عظاما الواحد تلو الآخر و قد نزل الخبر كالصاعقة و الاستاذ بوجيدة الموثق المشهور ينعي صديق عمره و صديق المغاربة في صفحته على الفايسبوك و هو الذي عرفه منذ سنة 1975 حيث أجرى الصحفي الكبير العراقي الاصل مقابلة صحفية مع المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني عندما كان يدير صحيفة كويتية في باريس و طلب منه جلالته أن يعتبر المغرب بلده الثاني و هو ما دفعه إلى تنفيذ وصية جلالة الملك و استقر ببلادنا التي كان يحبها و يحب ملوكها و شعبها و تفاعل مع أحداثها، رغم أنه كان كثير التنقل في العواصم العربية و العالمية ينسج علاقات مع كبار الفنانين و الفنانات و رجال الأدب و الفن و السينيما و القانون و الديبلوماسية .
و بعد تربع جلالة الملك محمد السادس عرش اسلافه الميامين بسنتين تمكن بحسه الصحفي أن يستشعر عظمة ملك شاب حقق في ظرف سنتين إنجازات عظمى لشعبه ، فبادر إلى تأليف كتاب يتنبأ فيه بمستقبل بلادنا المشرق عارضا المنجزات التي بدأ بها جلالته و لم يخطئه التوفيق كما قال الأستاذ المرحوم عبد الهادي بوطالب و هو يقدم الكتاب إذ وفق فيه بين مقتضيات الأصالة التاريخية التي يرمز إليها استمرار عرش جلالته الضارب في القدم ، و بين الحداثة التي يشخصها شبابه.
و قد تضمن هذا الكتاب شهادات موضوعية لعدد من الشخصيات العالمية المؤثرة التي تناولت الحدث و أجمعت بأن جلالة الملك محمد السادس هو أمل المغاربة .
و قد اهداني الاستاذ رمزي صوفيا بإهداء رقيق لا زلت احتفظ به كتاب : محمد السادس الملك الأمل و هو متفائل رحمة الله عليه بالعهد الجديد الذي عاش فيه ما ربع عمره تقريبا بعدما قضى في عهد جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني ربع قرن أخرى كلها معززا مكرما تحت ظل ملوك المغرب و بين احبائه المغاربة الذين كتب عنهم في مذكراته مشيدا بجهود رجال الدولة و الأطباء و رجال الامن و القضاة و المحامين و السياسيين و الديبلوماسيين و الفنانين و الصحفيين و كل المغاربة بجميع اطيافهم و طبقاتهم الاجتماعية .
و كان رحمه الله بلغته العربية الأصيلة و ثقل مفرداتها و تأنيه في المخاطبة بصوت شجي و إخراج حروفها بجمالية تجعل المستمع اليه و كأنه ينصت إلى زجال او شاعر غنائي ، فكانت كل كلمة تخرج من فمه معبرة عن حب و كان قلمه السيال الذي لم ينضب و لو اسبوعا قبل وفاته يستعرض علينا في الاسبوع الصحفي الجريدة التي اختارها و هو الصحفي الكبير من جيل العظماء لينشر فيها مذكراته الفنية و الاجتماعية و السياسة و التي اطلعت القراء المغاربة على قصص المشاهير من اهل الفن و السينيما و الطرب و الموسيقى التي كان الشرق العربي يزخر بها من محمد عبد الوهاب و فريد الاطرش و عبد الحليم حافظ و عبد الوهاب الدكالي و عبد الهادي بلخياط و اسمهان و ام كلثوم و نجاة الصغيرة و فايزة أحمد و شادية و فيروز و وديع الصافي و جميلات السينيما العربية من فاتن حمامة و مديحة يسري و كاميليا و ماجدة التي جمعته بها قصة حب عنيفة كادت أن توصلهما إلى الزواج ، و التي بعثت له بتعزية يوم وفاتها ، و ليلى طاهر و زبيدة ثروت و سامية جمال التي كان يفتخر بأصولها المغربية ، و هند رستم و ميرفيت امين و بوسي و نورا و الممثلين العرب من عمر الشريف و رشدي أباظة و أحمد مظهر و شكري سرحان و أحمد رمزي و عماد حمدي عمر الحريري و كبار هوليود من كيرك دو جلاس و مارلين مونرو و اليزابيت طايلور و فرانك سيناترا و غيرهم ممن طبع الحياة الفنية و السينيمائية المعاصرة، و الائحة طويلة ممن نقل الينا قصصهم و أسرارهم التي افضوا اليه بها من السياسيين و رجال الأعمال و الاقتصاديين و الأطباء و القضاة و المحامين و عموم الشعب الذين نقل في مذكراته جانبهم الإنساني و الاجتماعي و عبقريتهم في جميع المجالات بأسلوبه السهل الممتنع و المشوق .
لقد أبيت صديقي رمزي صوفيا بعد أشهر معدودات و انت الصحفي العالمي المقتدر أن ترحل من المدينة التي احببتها و قرب البحر الذي كنت تطل عليه من نافذتك من منزلك الجميل الذي اخترته في أعلى الطوابق لتشم هواء بلادك من مكان شاعري يجمع بين علو المكان و اطلالته على مدينة البيضاء التي احببتها و اخترتها لتكون آخر مرقد لك و روحك تصعد إلى بارئها و انت تمسك القرآن بيمناك و الإنجيل بيسارك و تقول لأصدقائك الذين اخلصوا اليك أمثال الدكتور الدومي الذي ترك عيادته ليتفرغ لتمريضك ابنك البار الذي لم تلده و للاستاذ بوجيدة موثقك و امين أسرارك و لأخيك رؤوف :
انني لا أخشى الموت فأنا عربي مسيحي سوف احمل القرآن إلى محمد صلى الله عليه و سلم و الإنجيل إلى عيسى عليه السلام ، و قليل من أصدقائك الذين عرفوا أنك مسيحي الديانة لان اخلاقك و سموها رفعتك إلى ربك مؤمنا صادقا بإنسانيتك و شموخ شخصيتك فحتى ملامح صورتك الجميلة و اناقتك الافتة احتفظت بها إلى آخر رمق من حياتك الطويلة التي كانت عزيزة عليك بجميع اهوائها و همومها .
كان آخر لقاء بك في اربعينية صديقك و ناشر مذكراتك عميد الصحافة المغربية و فقيدها مولاي مصطفى العلوي الذي قدرت فيك عائلته و اصدقاءه وفاءك لروحه الطاهرة إذ رغم ظروفك الصحية العصيبة التي كنت تمر بها ابانها منذ فقط خمسة أشهر أبيت إلا الحضور معنا لإحياء هذه الذكرى الغالية و قلت لي ان مولاي مصطفى ليس من الرجال الذين يكررون مرتين في التاريخ و انت كذلك من العبقريات التي يجب الانتظار طويلا لان تجود بمثلك الأرحام.
و كم كنت متأثرا لما هاتفتني من فراشك تهنؤني على كلمتي المتواضعة و لكن الصادقة في الفقيد ، و كم كنت متأثرا بالرسالة التي بعث بها جلالة الملك محمد السادس الذي سميته أمل المغاربة للعائلة و الاصدقاء في تعزية الفقيد ، و انت على فراش الموت تتابع كل صغيرة و كبيرة و معلومة في الأخبار و تسأل عنا جميعا درجة اننا كنا نحرج احيانا على تأخرنا بعض الشيئ في السؤال عنك .
و قد أثلج صدري ما فعله أحد الدكاترة المغاربة معك بعدما فرط في عيادته اشهرا ليكون بمثابة الابن و الزوجة و الاخ و الأخت و لما طلبت و انت في سكرات الموت دفتر شيكاتك لتوقع له شيكا سميته اتعابا جسيمة لمدة كبيرة من الزمن لا زمك فيها الطبيب ملازمة الابن و البنت ، رفض الدكتور المغربي الذي اعتبرك ابا و اخا و رفض تسلم المقابل بالرغم من اصرارك و سعة مالك، فتأثرت مرة أخرى بكرم المغاربة اخوتك العظام الذين اوصاك المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني بالمقام بينهم و الموت وسطهم و لم تندم على ذلك كما اسررت للعديد منهم و انت في غرفة الإنعاش.
لقد أردت أن ترحل صامتا من هذه الحياة في زمن كرونا و كأن اردت بتعففك أن لا تتعب محبيك في العالم بأسره بتشييعك و اردت لهم أن يحزنوا عنك في صمت .
ترى صديقي العزيز و انت بين يدي ربك الان أليس حب الحياة وهما ؟ أليس الخوف من الموت خطأ؟ هل الرحيل هو حقيقة بؤس ؟ ألا يقود كما تغادر الخطيبة بيتها الابوي إلى سعادة أخرى ؟ كما تساءل شوانغ – تسو .
و مما حز في القلب أن هذه الشخصية التي كانت منازله في العالم بأسره تعج بالزائرين من الفنانين و الصحافيين و الممثلين و رجال الأعمال و السياسيين و الأدباء و الشعراء و عامة الشعوب لم تحضر جنازته إلا بعض المقربين منهم ابن أخيه رؤوف و خديجة التي لازمته طوال حياته و الدكتور الدومي الذي عوضه الابن و البنت و الزوجة جازاه الله و الاستاذ بوجيدة موثقه و صديقه منذ 45 سنة و طبيبة صيدلية و القائم بأعمال سفارة العراق و بعض الأصدقاء يحسبون على رؤوس الأصابع مع الأسف الشديد في المقبرة المسيحية بالدار البيضاء هذا المساء بخضرتها و تنظيمها و حتى بئر سقي القبور ما زالت لوحته الدالة عليه إشارة تحضر و إعتناء برفات الموتى و كان التسامح الذي عمل المرحوم على اشاعته طوال حياته بين الديانات و البشرية جمعاء و كانت كتاباته الصحفية تعكسه كان مخيما على جنازته .
اكيد انك في سعادة أخرى عند ربك صديقي العزيز !
رحمك الله .
وداعا ايها الصديق !
مذكرات نور الدين الرياحي
24 جوان 2020



