مقالات و آراء

المعركة الوهمية ..”مع” أو “ضد” التصويت في الانتخابات!

بقلم عادل بن الحبيب

مع اقتراب كل موعد انتخابي يشكل هاجس “العزوف الانتخابي” من قبل المواطنين الذين لهم حق الانتخاب معضلة تأرق الجميع . العزوف عن المشاركة في الانتخابات يعني الامتناع والإمساك والإحجام عن التصويت بدافع شعور اللامبالاة والفتور إزاء ما يدور داخل الحياة السياسية في غياب موانع قانونية تبرر هذا السلوك ، وهي ظاهرة عالمية تقريبا تشكل تهديدا للديمقراطية بالانهيار وفقدان المعنى والشرعية ، فمعظم الانتخابات التي تجري في العالم إنما تجري بأغلبية ضئيلة.

ونحن قبيل الدخول في سنة 2021، التي ستكون سنة انتخابية بامتياز مع انتخابات الغرف المهنية والجماعات الترابية وانتخاب أعضاء مجلسي النواب والمستشارين. يرجع الحديث عن معضلة “العزوف الانتخابي” بالمغرب ،فإذا رجعنا إلى إحصائيات الانتخابات التشريعية لسنة 2016 نجد أن نسبة مشاركة الشباب في المدن الكبرى لم تتعد 20 في المائة، وأن حوالي 70 في المائة من الشباب لا يثقون في الأحزاب السياسية. وسجلت هذه الانتخابات التشريعية مشاركة سياسية ضعيفة بلغت 43 في المائة ،إذ صوت 6 ملايين و750 ألفا من أصل قرابة 16 مليون مغربي مسجل في اللوائح، وفق الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية. وقد ظهر أن هذه النسبة تقل عما تم تسجيله في الانتخابات التشريعية عام 2011 التي سجلت نسبة مشاركة قدرت بـ56 بالمائة.
الانتخابات هي الوسيلة التي بموجبها يختار المواطنون الأشخاص الذين يسندون إليهم ممارسة السيادة أو الحكم نيابة عنهم على كافة المستويات ويترتب على ذلك تطبيق مبدأ الاقتراع لتحديد الاختيارات، وتستمد هذه التقنية من مبدأ سيادة الشعب الذي نادى بها جون جاك روسو.
فبعد موجات التحول الديمقراطي التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، أصبحت معظم دول العالم تجري انتخابات بطريقة أو بأخرى، لكن وعلى حسب بعض التقديرات أن نحو نصف دول العالم فقط تشهد انتخابات توصف بأنها ديمقراطية فعالة من ناحية المشاركة والفعالية.
وبالرجوع إلى تاريخ المغرب الانتخابي، نرى أن هذه الآلية عرفت عدة اختلالات أدت بالضرورة إلى بروز ظاهرة العزوف السياسي المتمثلة في المقاطعة وعدم المبالاة بالاستحقاقات السياسية خاصة وسط فئة الشباب والطبقة الفقيرة باعتبارهما الكتلة الانتخابية الأكبر في البلاد، فضلا عن إقصاء الطبقة المتوسطة وتهميشها سياسيا والضغط عليها اجتماعيا واقتصاديا.
ويمكن تلخيص الأسباب الرئيسية لهذه الظاهرة في النقاط التالية:
1ــ مسؤولية الدولة:
إن التحكم في العملية السياسية عبر توجيهها من ناحية وإفراغها من مضمونها من ناحية أخرى، ولد أجواء عدم الثقة لدى عموم المواطنين، فالعملية الانتخابية هي وسيلة فقط أما الغاية منها هو إحداث تغيير سياسي واقتصادي واجتماعي يستهدف الفرد والمجتمع، وحيث أن ظروف عيش المواطن لم يطرأ عليها أي مستجد فإن ذلك ولد إحساس سلبي لديه حول جدوى الاستحقاق الانتخابي برمته.
فرغم وجود دستور جديد فإن دور المؤسسات السياسية لا زال ضعيفا من حيث الكفاءة والمصداقية والقدرة على التخطيط والتنفيذ.
2ــ مسؤولية الأحزاب السياسية:
إذا كانت الدولة تعمل على احتواء الأحزاب السياسية ، فإن ذلك لا يعفي هذه الأخيرة من مسؤوليتها نحو المواطنين عبر التعبئة الجدية والتأطير السياسي ووضع برامج واقعية وتقديم مرشحين ذوي كفاءة ومصداقية، والعمل الدائم والمستدام وليس الظهور الموسمي المرتبط فقط بالانتخابات.
وهو الأمر الذي يستوجب إحداث ثورة داخل الأحزاب عبر تعزيز الديمقراطية الداخلية وفتح المجال أمام جيل جديد لأخذ المبادرة وتقليص الهوة الفاصلة بين الشعب والأحزاب عبر التواصل الشفاف الخالي من الرغبة في تحقيق وجلب المصالح الشخصية ولغة الخشب وتحصين الامتيازات. إذا تحقق ذلك فإنه من السهولة تعبئة المستهدفين للتسجيل في اللوائح الانتخابية.
3ــ المجتمع المدني وغياب ثقافة المشاركة:
ضعف المجتمع المدني من الأسباب الوجيهة التي يمكن البناء عليها لتفسير ظاهرة العزوف عن التسجيل في اللوائح الانتحابية فعدم قدرة مؤسسات المجتمع المدني على التعبئة وتحسيس المواطن بضرورة تحمل مسؤولياته بما يمكنه من المساهمة في صنع مستقبله السياسي نتج عنه بالضرورة تفشي ظاهرة عدم المبالاة.
فالمجتمع المدني بالمغرب لا يزال هاويا ولم يصل بعد مستوى الإحترافية هذا بالإضافة لإشكالية استقلاليته المرهونة بالاستقطاب والصراع السياسي والحزبي. فهو بالتالي لا يشكل قوة اقتراحية للتأثير على صانعي القرار سواء على المستوى المحلي أو المركزي بسبب ضعف تنمية الوعي السياسي لدى الفاعلين وغياب ثقافة إشاعة قيم المواطنة والمشاركة. هذا فضلا على أن قوى المجتمع المدني لا تتوفر على قراءة موضوعية مفصلة للعبة السياسية لتقف على مكامن الضعف والقوة وتستطيع بالتالي أن تتموقع كشريك فعال من خلال طرح الحلول الإبداعية للمشاكل في شتى المجالات.
4 ــ الآفات الاجتماعية.
إن عدم حدوث اختراق في الواقع الاجتماعي المغربي من حيث معالجة المشاكل الاجتماعية ببرامج فعالة وناجعة تستهدف مجال الخدمات الصحية والتعليمية والمعيشية للطبقة الفقيرة، يجعل هذه الأخيرة تعيش في حالة عدم الاكتراث بما يجري حولها خاصة في المجال السياسي سواء بسبب الشعور والإحساس بأن لا دور لها في الحياة السياسية وأنه من الأجدى التقوقع على ذاتها وتوفير الجهد والوقت لقوت يومها والتفكير في مستقبلها المعيشي وليس السياسي، أو بسبب تفشي ظاهرة الجهل والأمية وغياب الوعي بضرورة المشاركة السياسية مما يجعل هذه الطبقة الاجتماعية المتضررة لا تأبه بالتسجيل في اللوائح الانتخابية إلا عبر استغلال عوزها الاجتماعي ودفعها بطريقة أو بأخرى نحو التسجيل.
هذا الواقع السياسي القديم ـ الجديد، واقع يحتاج إلى تغيير يكرس روح التكامل والشراكة بين الدولة والفاعلين السياسيين والمجتمع المدني بدل الهيمنة والإقصاء، نحتاج تغيير حقيقي شامل متوافق عليه لإخراج البلد من عبق الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
و في هذا السياق ظهرت فكرة التصويت الإجباري الذي خلق جدلا داخل المشهد السياسي المغربي، بين من اعتبره آلية لتكثيف المشاركة في العملية الانتخابية وتمكين المغاربة من ممارسة حقهم، وبين من يرى فيه إجهازا على حرية التعبير لـ”حزب المقاطعين”
ومع أن الفكرة لم تجد لها حاملا، سوى ما ادعي بأن حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي من خلال بعض قياداتهما، تبنيا هذا المقترح ودافعا عنه، فإن الفكرة حظيت بتداول كبير في مختلف وسائل الإعلام، كما ولو أن القصد من عدم وضوح الحامل والجهة المتبنية لها، هو دحرجة بالون اختبار للنقاش العمومي، لجس نبض النخب السياسية ومدى استعدادها للتفاعل مع الفكرة.

ومع أن إثارة هذه الفكرة ليس جديدا، إذ سبق في الولاية السابقة نقاش كبير حوله في مجلس النواب بعد أن طرحت بعض الفرق هذا المقترح، كما تضمنت مذكرات بعض الأحزاب حول القوانين الانتخابية هذا المقترح, في خضم هذا الجدل، خرج الناطق الرسمي السابق للحكومة، مصطفى الخلفي، في تصريح سابق ، ينفي فيه أن تكون الحكومة ناقشت أو قررت التوجه نحو اعتماد “التصويت الإجباري” هذا النقاش حول الموضوع ليس محسوما حتى عالميا باعتبار الجدل الذي يثيره تعارض مبدأين، دستوري سياسي، وحقوقي متعلق بالحريات.

اعتقد أن توسيع المشاركة السياسية لا يكون بالإكراه، وإنما بآليات وممارسات سياسية تفرزها المؤسسات، وبسياسات تقنع المواطنين بجدوى المشاركة، وتدفعهم بشكل متدرج إلى المشاركة، لاسيما إن أحسوا بتقدم في السياسة أو كان للسياسات العمومية أثر إيجابي على حياتهم, المشاركة السياسية وتوسيعها هي عملية بيداغوجية ممتدة في الزمن تعتمد على إقناع المواطن بجدوى السياسة، وشعوره بأثرها الإيجابي على حياته، ناهيك عن تنامي المصداقية في العملية التمثيلية، بالمعني الذي يكون فيه الصوت سببا في ترسيخ تمثيلية حقيقية للشعب، وآلية لارتقاء النخب وسقوطها في الآن ذاته، ووسيلة لتزكية التجارب الناجحة، ومعاقبة التجارب الفاشلة في تدبير الشأن العام.

إننا نعيش في ظل واقع، غير راضين به جميعا وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، وننتقد واقعا كل من زاويته ، لذلك علينا أن لا نزايد على بعضنا البعض في درجة الاقتناع بتغيير هذا الواقع، وبدل أن يضع بعضُنا نفسه ضمن قائمة “مع التصويت” والآخرين ضمن قائمة “ ضد التصويت” ، علينا أن نُبادر إلى الإسراع بمناقشة جدوى بدائل الحل لهذا أو ذاك، أن نخرج من دائرة الاستقطاب الضيقة التي نخنق أنفاس بعضنا البعض ضمنها، إلى دائرة الحلول الواسعة التي تزيد من مساحة الأمل و تؤدي الى دمقرطة الانتخابات .
ولأن الديمقراطية أقل الأنظمة سوءا كما قال رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل وهي مقولة صالحة حتى في زماننا، ولأن المفكرين السياسيين والتجربة السياسية للشعوب لم يتوصلوا لأداة أفضل من الانتخابات للتعبير عن إرادة المواطنين، تبقى الانتخابات النزيهة الآلية الأكثر نجاعة للمشاركة الشعبية ومعرفة إرادة الشعب ولكنها تحتاج لتطعيمها بالحكامة الجيدة وتعزيز مفهوم المواطنة من خلال القضاء على التمييز والشعوبية والطبقية وسلطة المال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock