مقالات و آراء

على هامش تهافت التدافع

بقلم عبد الحميد بنقاسم.

انها دعوة الى إعادة بناء المعنى المفقود، دعوة من أجل إعادة احياء التفكير وتنشيط الجهاز العصبي وخلخلت الراكد والجامد، دعوة من أجل يقظة متبصرة ذات رسالة مسؤولة تجاه من تعنيهم او يُتولى أمورهم، دعوة الى طرح الأسئلة الغائبة، الأسئلة الأولى، التي ربما تغاضى عنها الكثير قد يكون بدافع التخوف من مرارة الإجابة، او يكون الباعث الخارجي ذو قوى قادرة على تقديم الجاهز في فهم العاجز…
بداية هذا التشخيص تستوجب النبش في الهوامش، لأنه دال أكثر من المركز، او على الأقل يولد لنا معنى يمكننا من استقراء الفراغ القائم، القاتم عفوا بالمركز، وهو نسبي كذلك فالمركز بذاته هامشا لمركزية أخرى نعتبرها كذلك وهكذا تدور سلسلة من الانساق في بنى مركزية وأخرى هامشية تمارس مركزيتها على هامش الهوامش.
فالهامش مكتظ بالتناقضات، ربما صحية الى حد ما على اعتبار ان الاختلاف القائم ميزة تمازج تنتج هوية مشتركة، لكننا هنا بصدد أداء رسالة، وتأديتها لا ينبغي مع فاعلها ان يكون مستعميا عن العلة التي أوجد من أجلها هنا والآن وهنالك وآنذاك، فالاختلاف ينبغي ان يقوم في كيفية تصريف الرسالة أو مسطرة تأديتها على ان لا تنحرف عن مضمونها، وإن كان من اجتهاد (الفاعل) فالاجتهاد لا يلغي العلة الأولى ولا يستخدمها في أنانية مفرطة مبنية على أسس مادية متسيبة، لا تعترف بالأخلاق ولا تراعي الاختلاف القائم في تصرفات فاعلين اخرين، يعبرون عن قناعاتهم المنبثقة من إيمانهم بخدمة البلاد والعباد والإنسانية جمعاء على قواعد العلم والاجتهاد الإيجابي في تيسير التواجد الإنساني. غير ان دعاة الضبط كما يفهمونه من منطلق (التوريط) او على نحو آخر، سلسلة الإنتاج القائمة على التوريط من أجل ضبط الجميع بمنطق لي الذراع أو اختلاق دلالات مغايرة لما هو قائم، من اجل إيقاع من لا يتناسب مع فهم التسيير والتدبير الواقع في محل سلطة الهامش ذوي المركزية الهامشية التي أضحت افظع من ما كانت عليه المركزية في السابق، خصوصا عند مصادفة احد المستفحلين بالتسلط المرضي الذي لا يتوق صاحبه الى إدارة الفريق وعناصره البشرية حسب قدراتهم، بل ويستغل المنشغلين بهموم الارتقاء الشخصي غير المشروع في قيادة المشروع…
وهنا نعود الى الأسئلة الأولى، تلك الأسئلة الغائبة عن وعي الفاعلين، أسئلة الجدوى من وجود هذا المشروع، وهل من احتياجات حقيقية يلبيها لدى المستهدفين منه، وما هي أدوات التحقق من تحقيق الرضى المجتمعي لهذا التدخل او ذاك، وهل الفاعل الهامشي يحمل حقيقة هما تنمويا مجتمعيا ام انه يستخدم الادعاء والتداعي من اجل تصريف الأماني المؤجلة للمستهدفين والتي لا تتحقق رغم تحقق المشروع واستيفاءه لشروطه الموضوعية كما يعلن عنه الفاعل لا كما يلامس المستهدفين الواقع واكراهاته واحتياجاته.
لدى الفاعل الهامشي نزعة مركزية تستفحل في تسلطها المرضي، وهذا الاستفحال يعود الى قواعد الارتقاء السوسيو-مهني غير المعلن، كما أن هناك رهانات فئوية ضيقة يستدعي فهمها تشريح الجسد وفهم اعطابه ومعرقلات انطلاقه وإنتاج خطاب مغاير لما يتم به اخصاء التفكير النقدي المغاير، فالأسس التي ينبني عليها الارتقاء لن تختلف عن ما سبق سرده من سلاسل التوريط والتراكم التوريطي والدفع بالمتهمين الحقيقيين الى مواقع القرار، ليس من أجل خدمة البلاد والعباد بل من أجل خدمة أولياء النعم الذين انعموا عليهم بهذا الموقع او ذاك، فالرضى الوظيفي يرتبط بمدى تمرير تحالف جيو نقابي سياسي باطرونالي، في احترام تام لمساطر الصفقات ظاهريا، في تواطئ تام على مصلحة الوطن والمواطنين والإنسانية جمعاء باطنيا، في اخضاع تام لعقول وضمائر خدمة البشرية والوطن تحت ميكانيزمات يتيحها الموقع الذي يشغله المُتَورِط وبوعي تام بما لديه من صلاحيات، أُوجِدت من اجل الارتقاء الفردي والجماعي وليس من أجل فرض تسلط متسيب يغظ الطرف عن المتورطين في لعبته ويصطاد انصاف الفرص من أجل الإطاحة بمن لا يعزف معه سمفونية القبح والنشاز…
إن الأورام السرطانية التي تصيب البنيات لا تعود بالأساس الى البنيات نفسها، بقدر ما هي خلايا سرطانية ظاهرة تمارس الطهرانية في العلن والتسميم في الخفاء، تتلون مع الألوان الهامشية التي تظهر انها فاعلة في تولي تشريع أمور البشرية، فتارة في هامش معين متحالفة مع الكتاب الأزرق ذو القلم الأسود، وتارة تتحالف مع يمامة زرقاء في هامش آخر، وتارة تتحالف مع آلة الحصد، انها خلايا تهاجم الجسد بجميع الألوان الممكنة وتحاول حصد ما يمكن حصده والتدوين بالقلم من سجلات ومستندات الضغط والابتزاز ما يمكن تدوينه، وتطلق الأمل والسلام بالإدعاء قدر ما يمكنها ان ادعاؤه تحت مسميات الحياد واللا-انتماء.
ان علة هؤلاء تختلف عنا كثيرا، فهم يستخدمون جل الوسائل والممكنات من أجل ابرام الصفقات وتمرير المغالطات والضغط بالمذكرات والابتزاز بالقرارات، ليس من أجل خدمة الوطن والتفكير في سعادة الانسان، بقدر ما هو جشع مستمر في الزمان والمكان من أجل جني المال بالعمولات المقدمة تحت الطاولات، في تحايل تام على المساطير والقوانين، مع تغييب للضمير الإنساني وتحطيم للجيل الجديد الواعد بإرساء قواعد الممارسة النبيلة وعدم الانصياع وراء الترهات، والتحصين المستمر للذات ضد كل قراصنة الهفوات، التي تعتبر في قاموسهم رأسمالا نقابيا تقضى به أغراض الناس ويرتقي به المتماهي مع التسلط والابتزاز، من أجل ترميم خصيه بإستفحال المواقع وقيادة الاستعماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock