مقالات و آراء

سعاد ماين: الوقوف الصلب على حافة الأمل ..!

سعاد ماين

حين كنت صغيرة، كنت أحلم أن أكون صحافية ..لأنني كنت مهووسة بفكرة أن أعطي شيئا للعالم .. ولا شيء كان يرعبني أكثر من أمرّ في هذه الدنيا مرور الكرام..

كنت بريئة جدا، وربما لا زلت، كنت أعيش تحت وقع صدمات سنة بعد أخرى، وأتساءل كيف للناس أن تعيش طبيعية في هذا العالم المليئ بالظلم واللامساواة و العبودية، كيف للناس أن يغمض لها جفن في ظل هكذا ظروف.. كنت حين أعبر عن امتعاضي بحماس شديد وقوة كبيرة في التغيير، يسخر الناس من براءتي.. بينما كنت أنا أستنكر لامبالاتهم..

بكيت حتى كاد أن يخرج عقلي وأنا طفلة في الابتدائية لأن المعلمة ظلمتني وأعطتني 8 على 10 عوض العلامة الكاملة، خرجت وثرت في ساحة المدرسة وأضربت عن الدراسة وأنا طفلة في الاعدادية حين هددت أمريكا بالدخول إلى العراق، دعيت كل مرة في سجودي أن ينصر الله فلسطين، ويدمر اسرائيل..
آمنت أن هذه الحرقة التي بداخلي لا بد أن تنتج شيئا ولا بد أن يكون لي يد في التغيير…

كبرت قليلا، ووجدت أن حال بلدي أسوء من فلسطين، فوجهت كل اهتمامي لبلدي، لم يكن لي غير سلاح واحد وهو القلم، كانت غرفتي المليئة بالكتب فضاءاً حرا أحببته فأدمنت الكتابة .. اغتسلت بدموع الوجع المثقلة بملح محيطات الوجدان، مارست طقوس الشغف، عانقت قلمي وانهللت من نزفه، كتبت عن المعتقلين، عن الصحراء،حفظت أشعار مطر و معروف، وأدمنت مقالات الماغوط ..كل هذا لكي أطفئ قحط أوراقي…

بعدها اكتئبت فلم أعرفني، فغيرت استراتيجيتي، وقررت أن أجعل من كل تلك الشحن السلبية طاقة ايجابية. دخلت معهد التمريض ومنه اكتسبت وتعلمت أموراً كثيرة حتى وإن كنت قد دخلته على محض الصدفة ..تقدمت إلى الأمام بدافع الرغبة وفتحت قميص أحلامي بأيادي الإرادة ..وها أنا تلك الفتاة الطموحة فراشة ذهبية تطير هناك وتحط هنالك في خدر الأفق.. فإذا بي أفاجئ بصدمة على مشارف الأيام إلى الشهور وصولا إلى السنين صدمة تختزل واقع الصحة ببلادي واقع مزري ومشؤوم ثرنا فأضربنا بكل الأشكال.. تمردنا واعتصمنا أملا في غد أفضل…
..التحقت بالجامعة، ودهشت كم هي مجتمع مصغر للعالم، وآمنت أن التغيير منها يبدأ.. فكان الشعار “من أجل كلية أفضل” أول درجة في سلم الحلم: من أجل مغرب أفضل.. ومن أجل عالم أفضل..

وفي غمرة حماسي وعملي، اكتشفت أن المجتمع لا يقبل أن تحمل فتاة هذه الأحلام، لأن مكاني هو البيت، و مصيري هو الزواج والانجاب، فابتسامتي دعوة للتحرش، وضحكي قلة حياء، ووقوفي فوق خشبة المسرح فتنة، و انفتاحي على الناس انحلال، وصداقاتي مع الجنس الآخر وصمة عار على الجبين ..
كانت قوانينهم تحت غطاء التقاليد والمجتمع، فكفرت بهم.. أو تحت غطاء الدين الذي أحب.. فكفرت بهم أكثر وأكثر..

وهكذا تحولت اهتماماتي وانشغالاتي من العالم والسياسة والحروب، إلى المجتمع والأسرة والدين والمرأة.. فمجتمع يلغي نصفه هو مجتمع معوق لا يستطيع أن يقوم، ومجتمع لم يفهم دين الله، أنى له بأن يفهم الحياة..
يحركني في كل هذا نقطتي ضعف، أستمد منهما كل القوة: رفض الظلم ورفض العبودية. ومن يعرفني يعلم جيدا أن لي تقديسا خاصا لـهذين المفهومين: الحرية والعدل ..

ولأنني في النهاية لست إلا أمة ضعيفة، تنهكني هذه الأحلام.. لأنها لا تخصني وحدي.. بل تخصنا جميعا.. وهي فعلا أكبر مني.. تمنيت كثيرا أن أقتل أحاسيسي.. أن أعيش مخدرة.. لكنني لم أستطع.. لأن هدفي في الحياة ليس منزلا وأطفالا وسيارة.. حياتي أعتبرها رسالة، وكما درسنا في درس التواصل، فلكل رسالة مرسل ومتلقي. و في غياب المتلقي، طبيعي أن أحس بالفشل أحيانا..
أتذكر الأغنية القائلة :

“حلمنا نهار، ونهارنا عمل..
نملك الخيار، وخيارنا الأمل.. ”

وأتساءل مدى صحة هذا الاختيار.. الأمل..

ثم أقتنع أنه ليس خيارا، قد يكون أملا زائفا أو كذبا، لا يهمني،ببساطة هو السبيل الوحيد .. ببصيص الأمل هذا أستمر في العيش، وبدونه….. رحمني الله!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock