مقالات و آراء

المدخل الحقوقي لمواجهة التغول السياسي

عبدالحق عندليب

(نص الورقة التي كان لي شرف تقديمها للجنة السياسية المنبثقة عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الحادي عشر للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كمساهمة في إعداد المحور المتعلق بالمسألة الحقوقية وذلك ضمن مشروع الورقة السياسية العامة التي صادق عليها المؤتمر)

منذ تأسيسه سنة 1959، ظلت المسألة الحقوقية في صلب المعارك السياسية التي خاضها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من أجل إرساء دعائم الديمقراطية ودولة الحق والقانون في بلادنا. فالعودة إلى أدبيات الحزب من مقررات مؤتمراته الوطنية وبياناته السياسية وبرامجه الانتخابية يتأكد بما لايدع مجالا للشك أن الاتحاد الاشتراكي قد أسس لتوجهاته الفكرية وبرامجه السياسية ومواقفه المبدئية على قيم ومبادئ حقوق الإنسان الكونية من حرية وكرامة إنسانية ومساواة وعدالة اجتماعية ومشاركة سياسية وغيرها. وهكذا فقد ظل الحزب حاملا لراية الإقرار بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتعارف عليها كونيا لكل فئات الشعب المغربي حيث جسد ذلك عمليا من خلال دفاعه المستميت عن الحق في الحياة والأمان الشخصي والحماية القانونية والعدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة الإنسانية وعن حرية التعبير والتفكير والوجدان وعن الحق في التربية والتعليم والصحة والشغل والسكن وغيرها من الحقوق الأساسية المتأصلة في الإنسان.
وإيمانا منه بضرورة إشراك الشعب المغربي في النضال من أجل حقوقه وحرياته الأساسية عمل الاتحاد الاشتراكي على خلق الآليات التأطيرية الضرورية لتمكين كل الفئات الشعبية من التعبير عن همومها والدفاع عن مطالبها العادلة والمشروعة من خلال تأسيس العديد من المنظمات الحقوقية والمركزيات النقابية وجمعيات الدفاع عن حقوق بعض الفئات كالنساء والشباب والفئات المعوزة والعديد من جمعيات المجتمع المدني في مختلف المجالات الاجتماعية والتنموية والثقافية والبيئية. هذه التنظيمات المدنية التي لعبت ولا تزال تلعب دورا محوريا على مدار عقود من الزمن في تأطير المجتمع بتناسق وانسجام مع النضالات السياسية التي خاضها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وفي هذا الصدد يجب التذكير بأن الحزب لم يكتف يرفع شعار حقوق الإنسان أو بخلق آليات للدفاع عن هذه الحقوق في مختلف المجالات، بل انخرط مناضلاته ومناضلوه ميدانيا وبقوة في كل المعارك التي شهدتها الساحة السياسية والاجتماعية والحقوقية، وأدى الحزب في سبيل ذلك أروع التضحيات بلغت حد استهداف حياة قادته ورموزه باغتيال الشهيد المهدي بن بركة والشهيد عمر بنجلون والشهيد محمد كرينة وإعدام الشهيد عمر دهكون، وبإرسال الطرود الملغومة إلى عدد من قادته. كما استهدف القمع السياسي إبان سنوات الجمر والرصاص خيرة قادة الحزب ومناضلاته ومناضليه من خلال شن حملات الاعتقالات التعسفية وتنصيب العديد من المحاكم الصورية والزج بآلاف المناضلات والمناضلين في غياب المعتقلات السرية والعلنية وتعريضهم للتعذيب والطرد التعسفي والنفي الاضطراري وتشريد أسرهم وعائلاتهم، وهي الانتهاكات الجسيمة التي أقرت بها الهيئة المستقلة للتحكيم وهيئة الإنصاف والمصالحة والعديد من المنظمات والهيئات الحقوقية في تقاريرها. وبهذه التضحيات الجسام قدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عربونا عن إيمانه الراسخ بقضايا حقوق الإنسان، بل وبضرورة النضال والتضحية من أجل إقرارها باعتبارها جزء لا يتجزأ من مشروعه المجتمعي الشامل.
وإذا كانت بلادنا اليوم تنعم بقدر هام من الحقوق والحريات الأساسية بعد عقود من الصراع المرير والنضال المتواصل والذي قاده حزبنا، فإننا كحزب وطني تقدمي مؤمن بأن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ لا ندعي بلوغ الكمال في ما تحقق من مكاسب دستورية وقانونية ومؤسساتية في العديد من المجالات المدنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، رغم أهميتها، وهو ما يفرض علينا المزيد من النضال والتضحية لتوسيع هوامش الحقوق والحريات الأساسية الإنسانية. وفي هذا الصدد لابد لحزبنا أن يعمل على استرجاع المبادرة وموقع الريادة في الدفاع عن حقوق الإنسان بإدماج هذه الحقوق في برنامجه السياسي وأن تظل حاضرة ضمن الاهتمامات اليومية والميدانية لمناضلاته ومناضليه وهو ما يقتضي العمل على :
1) تفعيل وتنزيل مقتضيات الدستور المتعلقة بحقوق الإنسان من خلال المطالبة بتعزيز آليات الحماية والنهوض القانونية والمؤسساتية اللازمة.
2) مواصلة العمل من أجل ملاءمة التشريعات الوطنية لروح ومبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا .
3) توسيع دور ومكانة المؤسسات الوطنية للحماية والنهوض بحقوق الإنسان وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمندوبية الوزارية لحقوق الإنسان.
4) إصلاح منظومة العدالة الجنائية وجعل قوانينها ومقتضياتها ملائمة لروح الدستور ومقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
5) رفع كل العراقيل الإدارية التي تحول دون ممارسة الجمعيات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني لحقوقها المشروعة في الوجود القانوني وفي التعبير والمساهمة في تأطير المجتمع وفي القيام بأنشطتها الإشعاعية .
6) إعمال مبدأ المساواة التامة في الحقوق بين النساء والرجال ومناهضة كل مظاهر التمييز والحيف والعنف الرمزي والمادي ضد المرأة وتفعيل كل مقتضيات الدستور التي تقر بالمناصفة الحقيقية وكل مقتضيات الاتفاقيات الدولية لمناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW).
7) العمل على خلق الآليات الضرورية لحماية الأطفال من الاستغلال الجنسي والعنف المادي والمعنوي ومن التشغيل قبل السن القانونية المتعارف عليها دوليا ومن الحرمان من حق التربية والتعليم والعناية الاجتماعية والحماية القانونية.
8) العمل على إصلاح وتحيين وتفعيل خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.
9) العمل على تفعيل حماية الحق في المشاركة السياسية من كل مظاهر الفساد الانتخابي وذلك بردع كل المخالفات التي تمس بنزاهة وديمقراطية الانتخابات .
10) حث الدولة المغربية والحكومة على احترام التزاماتهما الدولية في مجال حقوق الإنسان من خلال المصادقة على كل الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وتفعيلها حيث أضحى المغرب طرفا أساسيا في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. وفي هذا الصدد يجب على الحكومة العمل على تفعيل التوصيات الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة التي قدمها الأعضاء خلال الاستعراض الدوري الشامل الأخير إثر تقديم الحكومة المغربية لتقريرها عن أوضاع حقوق الإنسان في بلادنا.
11) توسيع مجالات الدعم والتواصل مع كل المنظمات الحقوقية الوطنية الجادة وكل التنظيمات المدنية التي تعمل من مختلف المواقع على الحماية والنهوض بأوضاع حقوق الإنسان وذلك من خلال تبني مطالبها المشروعة والدفاع عن تفعيل توصياتها، بل والنزول إلى المعترك من أجل المساهمة الفعالة في تأطير وقيادة معاركها. وفي نفس الوقت العمل على حماية النضال الحقوقي من الاستغلال السياسوي الضيق الهادف إلى تمرير خطابات متطرفة، عدمية وظلامية وفوضية على حساب حقوق الإنسان بمفهومها الإنساني النبيل .
12) الدفاع عن حقوق المغاربة المحتجزين في مخيمات تندوف وجعل هذه المعركة من بين أولويات النضال السياسي والحقوقي لحزبنا وذلك من خلال فضح ما يتعرض له ضحايا النظام الجزائري وضحايا عصابة بوليزاريو من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ومن خلال العمل على خلق جبهة عالمية للمطالبة بتحرير هؤلاء المحتجزين والمعتقلين وتمتيعهم بحق العودة إلى وطنهم الأم وتعويضهم عما لحقهم من أضرار جسيمة ومتابعة الجناة أمام محكمة العدل الدولية.
13) الدفع في اتجاه تحقيق المصالحة وطي صفحة النزاعات وتعزيز الوحدة الوطنية والجبهة الداخلية من خلال إصدار عفو عام وشامل على كافة المعتقلات والمعتقلين على خلفية الأحداث الاجتماعية التي شهدتها بلادنا خلال السنوات الماضية.
14) استكمال تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، واستكمال الكشف عن الحقيقة حول ملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لاسيما الكشف عن مصير وجثة الشهيد المهدي بن بركة قصد العمل على دفنها وفق الشعائر المعمول بها في بلادنا، احتراما لروح الشهيد ومكانته الاعتبارية كزعيم وطني وكرمز من رموز الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock