مقالات و آراء

استقلال السلطة القضائية وتغول الإدارة القضائية

إن أهمية هذا الموضوع تكمن في ما تعرفه الساحة القضائية من تحركات خاصة على مستوى التشريع عقب دستور 2011 الذي رمى بحجرة في بركة القضاء الراكدة منذ عقود من حيث التشريع، فآخر القوانين المنظمة تعود لبداية السبعينيات من القرن الماضي اللهم بعض التعديلات الطفيفة التي طالت بعض النصوص القانونية، من هنا تأتي أهمية السؤال حول استقلال السلطة القضائية كمطلب مشروع، وتغول الإدارة القضائية كتخوف مباح.
إن استقلال القضاء معناه تساوي المتقاضين أمام القضاء وعدم غلبة أحدهم على الآخر إلا بما يقدمه من أدلة وحجج ترجح مركزه القانوني، كما يعني أيضا ألا أحد فوق القانون، وأن هذا الأخير يطبق على الجميع دون تمييز، وهو ما يعني أيضا المحاكمة العادلة، ولتيسير ذلك لا بد أن يكون القاضي مستقلا بذاته بعيدا عن كل تأثير خارجي سواء كان سلطة رئاسية أو نفوذا سياسيا و في منأى عن أية جهة كانت تمارس عليه ضغوطا تزيغه عن تطبيق القانون تطبيقا سليما، وأن يحتكم إلى ضميره والقانون عند نظر الدعوى.
استقلال القضاء بصفة عامة، والقاضي على وجه الخصوص، هو ما يبعث الاطمئنان داخل المجتمع بين أفراده ومؤسساته، ويخلق الثقة في الدولة مما يشجع على الاستثمار سواء الخارجي أو الداخلي ويخلق الأمن القضائي الذي هو جزء من الأمن العام الذي يجب أن ينعم به البلد من أجل تقدمه ورفاهيته.
ولما كانت مؤسسة القضاء هي في واقع الأمر مجموعة من الأشخاص ذوي تكوين معين، موزعون بين من يتولى الحكم مباشرة ومن يتولى التدبير والتسيير، فإنه ينبغي هنا التمييز في الاستقلال بين قضاء الحكم والإدارة القضائية، فالأولى يجب تحصينها أكثر ومنحها كل الضمانات التي تخولها أداء مهمتها على الوجه الأكمل، والاستقلال مطلوب بل واجب ومؤكد، وكلما اتسعت دائرة الاستقلال هنا كلما كانت النتائج إيجابية وتحقق الأمن القضائي، أما الإدارة القضائية فإن استقلالها يجب أن يكون محدودا ومحاطا بسياج من القوانين والضوابط حتى لا تزيغ عن مهامها وتصبح خطرا على استقلال القاضي والقضاء بصفة خاصة و الدولة بصفة عامة.
إن الخلط بين استقلال القضاء واستقلال الإدارة القضائية أمر خطير، فلا ينبغي أن يتخذ من مطلب استقلال القضاء ذريعة لاستقلال الإدارة القضائية التي يمارسها القضاة أنفسهم، إذ أن استقلالها عن جميع مؤسسات الدولة وممارستها لسلطاتها بشكل مطلق بدون رقابة من الدولة أو على الأقل بدون معايير محددة، سوف يؤدي إلى تغولها ، وإذا تغولت كان ضحيتها أبناؤها القضاة قبل غيرهم.
إن الاستقلال التام للسلطة القضائية من جانب الإدارة القضائية، و وقوع هذه الأخيرة بيد مجموعة متجانسة يجمع بين أعضائها رابطة الولاء سوف يؤدي إلى تغولها، وبالتبعية سوف يحد من استقلال القضاء، قضاء الحكم ويعيق ديناميته لبلوغ الأهداف التي سطرتها الدولة لإصلاح القضاء، وعبرت عنها الإرادة الملكية في أكثر من مناسبة.
الحل قبل إطلاق العنان لأية قوانين تروم استقلال السلطة القضائية هو أولا التمييز بين استقلال قضاء الحكم واستقلال الإدارة القضائية ووضع قواعد وضوابط للحد من سلطة هذه الأخيرة و الحيلولة دون استئثار الجماعات ذات التوجه المشترك بها و التحكم فيها ، ولا يكون ذلك إلا بإعادة النظر في الخريطة القضائية الحالية بإعداد تقارير موضوعية حول الإدارة القضائية و تقييمها من أعلى الهرم إلى أدناه، وإخضاع المسؤوليات القضائية والتدبير القضائي لمباراة يتبارى بشأنها من يرى في نفسه أهلية للتسيير وفق برنامج محدد ومضبوط منسجم مع دفتر تحملات تضعه الدولة مسبقا خاص بكل محكمة على حدة يبين مشاكلها وحاجياتها، ويتقدم كل مرشح بملف يتضمن تصوراته الخاصة لتجاوز الصعاب وتحقيق النتائج المرجوة، يكون في آخر المطاف موضوع مساءلة ومحاسبة مع إخضاع الإدارة القضائية لمراقبة الدولة تفاديا لظهور مؤسسة تستغل استقلال القضاء لتمارس وصايتها عليه و تضع القضاة رهائن تساوم بهم الدولة و يكون مصيرهم مرتبط بأهوائها.
وختاما، فإن الدعوة لاستقلال القضاء كمبدأ، لا ينبغي أن يصرفنا عن التمييز في عمقه بين استقلال قضاة الحكم واستقلال الإدارة القضائية، فالأول يجب أن يكون مستقلا استقلالا تاما حتى عن الإدارة القضائية، وألا يخضع لتحكمها، وبين استقلال هذه الأخيرة الذي يجب أن يكون مقننا تقنينا محكما و تحت مراقبة الدولة، وألا تترك لهواها تفاديا لتغولها الذي قد يكون خطرا على استقلال القضاء نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock