الطفل قبل الولادة بين مدونة الأسرة و القانون الجنائي
الاستاذ عبد الهادي الامين
إيحظى الطفل قبل ولادته بعدة حقوق تكلفها الشريعة الإسلامية مجسدة في مختلف المذاهب الفقهية و منها الفقه المالكي الذي ينتهجه المغرب ، و يتخذ منه مذهبا لفهم مقاصد الشريعة و مراميها و تفسير أحكامها ، و منه استمدت مدونة الأسرة أحكامها و مضامينـها ، و من ضمن هذه الحقوق حق الوجود و البقاء و النفقة و الإرث و التبرعات ، كما أن القانون الجنائي وضع أحكاما و قواعد زجرية لحماية تلك الحقوق فأين تتجلى حماية الجنين و حفظ حقوقه إلى أن يولد حيا في ظل مدونة الأسرة و القانون الجنائي المغربيين ؟ إن الإحاطة بهذا الموضوع تقتضي دراسته من خلال محورين : المحور الأول يتناول الحقوق المعنوية للجنين و المحور الثاني حقوقه المالية .
المحور الأول : الحقوق المعنوية للطفل قبل الولادة أو حق الجنين في الوجود و البقاء .
* 1- موقف الشريعة الإسلامية من الإجهاض :
اجمع فقهاء الشريعة الإسلامية على تحريم الاعتداء عمدا على الجنين بالإجهاض ، بعد نفخ الروح فيه و بدون عذر شرعي ، و في هذا الصدد نعرض رأي شيخ الأزهر – حمد شلتوت الذي جاء فيه << أما إسقاط الحمل فقد تكلم في حكمه فقهاؤنا و تم اتفاقهم على أن إسقاطه بعد نفخ الروح فيه حرام و جريمة لا يحل لمسلم أن يفعله لأنه جناية على حي متكامل الخلق ظاهر الحياة ، فان ثبت من طريق موثوق به أن بقاءه بعد تحقق حياته هكذا يؤدي لا محالة إلى موت الأم ، فان الشريعة الإسلامية بقواعدها العامة تأمر بارتكاب اخف الضررين ، فكان الإسقاط في تلك الحالة متعينا ، و قرروا بان نفخ الروح فيه ، لا يكون إلا بعد مرور مائة و عشرين يوما استنادا في ذلك إلى حديث ابن مسعود . قال : << حدثنا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) و هو الصادق المصدوق أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح و يؤمر بأربع كلمات ، يكتب رزقه و اجله وشقي أو سعيد ، فو الذي لا الاه غيره أن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، و أن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينها و بينه الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها >>.
أما إسقاط الجنين قبل نفخ الروح فيه فتختلف الآراء حول إجازته و يهمنا هنا رأي المالكية ، الذي يحرم الإجهاض مطلقا لان العلقة و المضغة ابتداء خلق آدمي له حرمته و لا يحل انتهاكها ، إذ يحرم استخراج النطفة من الرحم بمجرد ثبوت الحمل و إتمام التلقيح ، فلا يجوز استعمال ما يفسدها سواء كان ذلك قبل الأربعين يوما أو بعدها و لو كان ذلك باتفاق الزوجين لأنه يفسد الخلية التي إذا تركت نمت و صارت ولدا مكتمل الخلقة .
لم تتعرض مدونة الأسرة لموضوع الجنين وحقه في البقاء باعتبار أن ذلك ليس من اختصاصها ما دام الاعتداء على الجنين أو تقرير مصيره بالبقاء أو الزوال هو من صميم اختصاص القانون الجنائي .
و قد خصص القانون الجنائي لموضوع الإجهاض الفصول من 449 إلى 458 منه تحت عنوان في الجنايات و الجنح ضد نظام الأسرة ، فعاقب كل من أجهض أو حاول إجهاض امرأة حبلى سواء برضاها أو بدونه ، و ذلك بواسطة طعام أو شراب أو عقاقير أو تحايل أو عنف أو أية وسيلة أخرى ، بالحبس من سنة إلى خمس سنوات و غرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم ، و إذا نتج عن ذلك موتها فتصبح العقوبة المقررة هي السجن من عشر إلى عشرين سنة .
كما عاقب كل من يعتاد ممارسة تلك الأفعال ، بل أن المشرع عاقب مجرد الإرشاد إلى الوسائل التي تحدت الإجهاض أو النصح بها أو مباشرة ذلك .
إلا أن المشرع الجنائي لا يقرر العقاب على الإجهاض متى استوجبته ضرورة المحافظة على صحة الأم ، متى قام به علانية طبيب أو جراح بإذن من الزوج ، و لا يطالب بهذا الإذن إذا ارتأى الطبيب أن حياة الأم في خطر ، غير انه يجب عليه أن يشعر بذلك الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم ، و إذا تعذرت موافقة الزوج أو عاقه عائق فلا بد للطبيب أو الجراح من الحصول على شهادة مكتوبة من الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم ، يصرح فيها بان صحة الأم لا يمكن المحافظة عليها إلا باستعمال مثل هذا العلاج .
و تعاقب كل امرأة أجهضت نفسها أو حاولت ذلك أو قبلت أن يجهضها غيرها أو رضيت باستعمال ما أرشدت إليه أو ما أعطى لها لهذا الغرض .
و من القرارات الهامة التي أصدرتها محكمة النقض في موضوع التعريف بالإجهاض وتمييزه عن باقي الجرائم الأخرى المتصلة به نسوق القرار عدد 247/4 المؤرخ في 14/2/2007 في الملف الجنائي عدد 4779-6-4-2005 الذي جاء فيه:
<< و حيث إن الإجهاض هو استعمال وسائل أو إعطاء مواد بغاية إيقاف نمو الجنين و إنزاله من بطن أمه قبل أوان ولادته مهما كانت مدة حملها به سواء نتج عنه موتها أم لا في حين أن جريمة التسميم التي تعتبر ضربا من جرائم التعدي على النفس و التي تقوم على القصد الجنائي الخاص الذي يقتضي توافر النية في إزهاق روح المجني عليه يعاقب عليها الفصل 398 من القانون الجنائي إذا اقترفت في حق الأشخاص الأحياء .
و حيث إن المحكمة لما اعتبرت الإجهاض في عداد القتل استنادا إلى أن الجنين قد اكتمل تكوينه ببلوغ الحمل الشهر الخامس و انتهت بذلك إلى أن المادة التي أعطتها الطاعنة إلى الهالكة بقصد إجهاضها تسميم الجنين و أدانتها بجناية التسميم تكون قد أساءت فهم الفصل 398 من القانون الجنائي و عرضت قرارها للنقض .
و يطرح مشكل المرأة المريضة بمرض قاتل قابل للتنقل كمرض فقدان المناعة المكتسية (السيدا) مثلا ، فالمرض قد ينتقل للجنين و يلازمه بعد ازدياده حيا ، مما يقتضي وضع نصوص قانونية واضحة للتعامل مع مثل هذه الحالات و إن كان البعض لا يرى موجبا للإجهاض في هذه الحالة قياسا مع حالة المريض نفسه المصاب بنفس الداء الذي لا يمكن قتله.
و إذا كان الأمر يبدو واضحا في حماية الجنين الموجود داخل رحم أمه ، فان تطور العلم و الطب الحديث افرز حالات قد تطرح إشكالا في المجال العملي و تستوجب تدخل المشرع لوضع حلول لها و يتعلق الأمر بأطفال الأنابيب ، و هو الحمل الذي ينتج من إخصاب اصطناعي أو تلقيح الحيوان المنوي للرجل لبويضة المرأة خارج الرحم و بعيدا عن كل اتصال جنسي مما يطرح أشكال اعتبار طفل الأنابيب في هذه المرحلة جنينا جديرا بالحماية القانونية ، و الواقع أن الاتصال الجنسي أو انعدامه لا يمكن أن يكون معيارا أو شرطا لتجريد الجنين من الحماية طالما أن ذلك الاتصال هو مجرد وسيلة للإخصاب و بالتالي فان طفل الأنابيب في مرحلة التكوين يكون محقا في الحماية و إن اختلف الرأي حول فترة ما قبل إدخاله للرحم إذ أجاز البعض إمكان إتلافه دون أن يعتبر ذلك إجهاضا .
و الرأي الراجح هو الذي يعتبر الإجهاض المحرم قانونا هو الإخراج العمدي للجنين من رحم الأم قبل الموعد الطبيعي للولادة بغية التخلص منه و في مسألة أطفال الأنابيب فلا وجود للرحم و إنما مجرد أنبوب اختبار و بالتالي فإنه حسب النصوص القانونية المعمول بها لا حقوق للجنين في هذه المرحلة و لا حماية له و التخلص منه في هذه الحالة لا يعتبر إجهاضا مجرما، و على أي يجب أن يتدخل المشرع لتدارك هذا النقص في التشريع بنصوص صريحة .
و تدخل المشرع لسد هذا النقص و رفع كل لبس في الموضوع يقتضيه ما أثبته العلم كون تلك الأجنة و إن لم تدلف لها الروح إلا أن التجارب العلمية تؤكد أن بها حياة لتزاوجها و انقسامها التلقائي .
كما أن التطور العلمي جاء بفكرة استخدام الأجنة كمصدر لزراعة الأعضاء، و هو آمر يبدو غير أخلاقي إذ لا يمكن أن يتصور استعمال الأجنة القابلة للحياة كقطع غيار أو مصدرا للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر.
المحور الثاني: الحقوق المالية للطفل قبل الولادة
1- الحق في النفقة :
إن أساس حق الجنين في النفقه يستمد من قوله تعالى : " إن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " فالآية الكريمة تعرض لنفقة الجنين خلال فترة الطلاق لأنه عند الزواج و أثناء فترة المعاشرة الزوجية ، لا يطرأ أي إشكال في الإنفاق ما دامت النفقة تقع على كاهل الزوج ، و اختلف الفقهاء في تحديد ما إذا كانت النفقة تجب للزوجة على الحمل أم هي حق للحمل وحده ، فذهب رأي إلى وجوب النفقة على الزوجة للحمل فقط ذلك انها لا تجب عليه مع عدمه و هو رأي المالكية .
و ذهب رأي إلى انها تجب للحامل لأجل الحمل ، لان الزوح تجب عليه نفقة الزوجة مقدرة ، و لو وجبت للحمل لقدرت بقدر كفايته كنفقه الأقارب و هو رأي الحنابلــــة و الشافعية .
و قد نصت مدونة الأسرة في المادة 196 في فقرتها الثانية على أن المطلقة طلاقا بائنا إذا كانت حاملا تستمر نفقتها إلى أن تضع حملها ، إذا لم تكن حاملا ، و يستمر حقها في السكن فقط إلى أن تنتهي عدتها .
و قد أحالت مدونة الأسرة في المادة 202 على مقتضيات القانون الجنائي في حالة التوقف عن النفقة ، عندما نصت على أن كل توقف ممن تجب عليه نفقة الأولاد عن الأداء لمدة أقصاها شهر دون عذر مقبول تطبق عليه أحكام إهمال الأسرة و هي الجريمة المنصوص عليها في الفصول من 479 إلى 483 من القانون الجنائي.
2- الحق في الإرث .
الإرث هو انتقال حق بموت مالكه بعد تصفية التركة لمن استحقه شرعا.
و يستحق الإرث بموت الموروث حقيقة أو حكما و بتحقق حياة الوارث و يشترط لاستحقاق الإرث أن يكون الحمل حيا موجودا عند موت الموروث بان يأتي لأقل مدة الحمـل و أن لا يتعدى أقصاها و أن تستمر حياته و لو لحظة بعد موت الموروث .
إن اقل مدة للحمل هي ستة أشهر للاجتهاد المشهور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه و به قال مالك و الشافعي ، أما أكثر مدة للحمل فقد اختلفت الآراء الفقهية في تحديــده و ذهب مالك في مشهور قوله إلى خمس سنوات و قال مالك لا حد لأكثره و أن جاوز عشرة أعوام .
لكن مدونة الأسرة حددته في سنة واحدة . و معلوم انه متى تبت النسب ترتب عنه الحق في الإرث ، و النسب يثبت للأب بالفراش إذا ولد الجنين بعد مضي ستة أشهر من تاريخ عقد الزواج و أمكن الاتصال ، كما يثبت نسب الولد بالفراش إذا ولد داخل سنة من تاريخ انتهاء العلاقة الزوجية ، و يستوي العقد الصحيح و الفاسد في ترتيب ثبوت النسب إذا كانت الولادة داخل المدة المحددة قانونا .
كما يثبت النسب و بالتالي الحق في الإرث بالاتصال بشبهة و هو الاتصال غير الشرعي بين رجل و امرأة، مع اعتقاد الرجل شرعية الاتصال نتيجة غلط في الواقع أو في الشخص أو في الحكم الشرعي كما في الزواج الفاسد 2. و ينسب الحمل للخاطب إذا تبين بان المخطوبة حملت أثناء فترة الخطوبة و في حالة إنكار الخاطب للحمل فانه يمكن اللجوء إلى جميع الوسائل الشرعية في إثبات النسب 3 و نصت المدونة في المادة 157 صراحة على استحقاق الجنين بعد ولادته حيا للإرث ، و ذلك بتنصيصها على انه متى تبت النسب و لو في خارج زواج فاسد أو بشبهة أو بالاستلحاق تترتب عليه جميع نتائج القرابة و الإرث .
و من قرارات محكمة النقض في الموضوع ، القرار عدد 382 المؤرخ في 16/7/2008 الملف الشرعي عدد 30-2-1-2008 الذي جاء فيه :" النسب الثابت بالفراش لا يمكن الطعن فيه من طرف الزوج إلا عن طريق اللعان أو بواسطة خبرة طبية تفيد القطع ، بشرط إدلاء الزوج بدلائل قوية على صدق ادعائه ، و المحكمة لما اعتبرت ما ادعاه الزوج من الشك في تصرفات زوجته و تناولها منع الحمل و غيابه المتكرر عن المنزل - و إن ثبت – لا يشكل دلائل قوية للطعن في نسب الولدين اللذين ولدا على فراشه ، و المحكمة حين استغنت بذلك على إجراء الخبرة الجينية تكون قد استعملت سلطتها التقديريـة – " (قضاة المجلس الأعلى عدد 71) .
و من قرارات محكمة النقض أيضا القرار عدد 246 المؤرخ في 07/05/2008 في الملف الشرعي عدد 154-2-1-2007 (نفس المجلة السابقة) و الذي جاء فيه << نفي النسب من حق الأب و لا تنتقل الدعوى به إلى ورثته من بعده ، إلا إذا أقامها في حياتــه ، و الثابت أن الورثة التمسوا الحكم بنفي نسب البنت و التشطيب عليها من دفتر الحالة المدنية مع أن الهالك سبق أن أقر بها و كان وليها في عقد زواجها ، و المحكمة لما اعتبرت الدعوى غير مقبولة تكون قد طبقت القانون تطبيقا سليما ."
3- الحق في التبرعات
واكبت مدونة الأسرة الفقه الإسلامي و أقرت حق الجنين في الوصية عندما نصت المادة 282 انه تصح الوصية لمن كان موجودا وقتها أو منتظر الوجود. كما نصت المادة 304 على انه من أوصى لحمل معين و توفي فلورثته منفعة الموصى به إلى أن ينفصل حيا فتكون لــه. و جاء في المادة 307 انه إذا مات الموصى له بعد أن انفصل حيا استحق وصيته و عُدَ ما استحقه من جملة تركته.
الخاتمــة:
من خلال ما سبق يتضح أن الطفل قبل ولادته أو الجنين يتمتع بحقوق تكفلها مدونة الأسرة مستمدة من روح الشريعة الإسلامية و قواعد الفقه في انسجام مع روح العصر و بحماية قانونية من خلال القانون الجنائي ، إلا أن التطور العلمي و التكنولوجي و تقدم المجتمع و تشعب العلاقات الاجتماعية و ما ينجم عن ذلك من تطور يحتم مواكبته بنصوص حديثة ترفع كل أشكال بخصوص التعامل مع الجنين و يبقى الرهان على القضاء قائما لسد الثغرات التي تعثري النصوص القانونيـة و تقديم اجتهادات تسد كل نقص و تكون أساسا لكل تعديل يشمل مدونة الأسرة أو القانون الجنائي.



