حين تتحول السلطة إلى سؤال أخلاقي: عن الكرامة التي صودرت قبل الممتلكات.

بقلم: عبد المغيث لمعمري
في مدينة تفترض فيها الإدارة أن تكون مرآة للقانون، لا سوطا عليه، يخرج بيان المرصد الوطني لمحاربة الرشوة وحماية المال العام لا بوصفه مجرد موقف حقوقي، بل كصرخة فلسفية تعيد طرح السؤال القديم الجديد متى تنقلب السلطة من أداة لحماية الإنسان إلى وسيلة لمصادرته؟
ليست الواقعة، في جوهرها، نزاعا إداريا عابرا إنها لحظة كاشفة، حيث يجد المقاول “المصطفى العمودي” نفسه أمام مفارقة قاسية
يمارس حقا مرخصا، فيعاقب عليه. يصلح، فيمنع، يحمل هويته، فتسلب منه، وكأن القانون، بدل أن يكون سقفا يحتمي تحته المواطن، تحول إلى باب يغلق في وجهه متى شاءت إرادة السلطة.
حين تحجز بطاقة تعريف وطنية لأكثر من عشرة أيام، لا يصادر مجرد وثيقة؛ بل تعلق هوية كاملة في الهواء، فالهوية ليست بطاقة بلاستيكية، بل اعتراف الدولة بوجودك القانوني، سلبها ولو مؤقتا، هو تعليق لحقك في الحركة، في المعاملة، في الوجود نفسه داخل منظومة الذي يفترض أنه تحميك. هنا، لا تعود المسألة تقنية أو إجرائية، بل تمس جوهر الكرامة الإنسانية.
أما مصادرة أدوات العمل، فهي ليست مجرد إجراء إداري، بل تعطيل لزمن الإنسان المنتج. وكأن اليد التي تبني تكبل، لا لخطأ ثبت، بل لإرادةٍ لم تفسر، في هذه اللحظة، يصبح العمل – الذي هو في الفلسفة شرط الحرية – رهينة قرار لا يخضع لمنطق واضح، وهنا تحديدا، يبدأ الخلل، حين تفقد السلطة مبرراتها العقلانية، وتتحول إلى قوة عارية من التبرير.
المرصد، في توصيفه لما جرى بـ”البلطجة الإدارية”، لا يكتفي بلغة الاحتجاج، بل يستدعي مفهوما عميقا ،حين تتجرد الإدارة من بعدها المؤسساتي، وتتصرف كقوة فردية، فإنها تفقد مشروعيتها الرمزية قبل القانونية ،فالدولة لا تقوم فقط على القوانين، بل على الإحساس الجماعي بأن هذه القوانين تطبق بعدل ،وعندما يكسر هذا الإحساس، يبدأ التآكل من الداخل.
ثم يبرز سؤال أكثر حساسية ،هل يمكن أن تتحول عرقلة الأشغال المرخصة إلى مساحة رمادية تزرع فيها شبهات الابتزاز أو سوء استعمال النفوذ؟ هنا، لا يدين البيان واقعة فقط، بل يحذر من منطق كامل قد يتسلل إلى الإدارة حين تغيب الرقابة الفعلية ،لأن الخطر ليس في الخطأ ذاته، بل في قابليته للتكرار.
في العمق، ما يطالب به المرصد ليس مجرد تحقيق إداري أو تعويض معنوي ،إنه يطالب بإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والسلطة. علاقة لا تقوم على الخوف، بل على الثقة، لا على الغموض، بل على الشفافية ،فمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ليس شعارا سياسيا، بل قاعدة أخلاقية تضمن ألا تتحول السلطة إلى امتياز شخصي.
إن رد الاعتبار للمقاول لا يعني فقط إعادة أدواته أو بطاقته، بل إعادة الاعتراف به كذات قانونية كاملة، غير قابلة للتعليق أو التجميد بقرار فردي، لأن الدولة، في معناها الأعمق، ليست ما تملكه من قوة، بل ما تضمنه من حقوق.
في النهاية، تضع هذه الواقعة المجتمع أمام اختبار صامت، هل نريد إدارة تخيف أم إدارة تنصف؟ هل نريد سلطة تمارس حضورها بالقوة، أم بشرعية القانون؟
فالسلطة التي لا تراجع نفسها، تتحول تدريجيا إلى نقيضها. والقانون الذي لا يحترم من حراسه، يفقد معناه لدى مواطنيه، وبين هذا وذاك، تبقى الكرامة الإنسانية هي المعيار الأخير… إما أن تصان، أو يسقط كل شيء.




