ليلة فاتح ماي.. مجلس الحكومة يمهد لقانون مفصل على مقاس الباطرونا

بقلم الأستاذة نجوى الشيبة_محامية بهيئة طنجة
بعد حوالي 23 سنة على دخول مدونة الشغل حيز التنفيذ بمقتضى الظهير الشريف الصادر بتاريخ 11 شتنبر 2003، تحت رقم 1.03.194 بتنفيذ القانون رقم 65.99، وليلة فاتح ماي، ومع انشغال العمال بالاستعداد لإحياء ذكرى عيدهم العالمي، تحرك مجلس الحكومة في اتجاه معاكس، من أجل تهيئ الأرضية لتمرير مشروع القانون رقم 032.26 والذي ستغير بمقتضاه المواد 62، 63، و64 من مدونة الشغل، وهي مواد تتعلق بمسطرة الفصل التأديبي، تلك المسطرة التي يتوقف عليها مستقبل الأجير المهني والاجتماعي، فقرار الفصل ليس مجرد إجراء عادي، بل هو لحظة حاسمة قد تنهي سنوات من الاستقرار، وتفتح الباب على مصراعيه أمام البطالة والهشاشة وتراكم الديون بشكل قد يقلب حياة الأسرة رأسا على عقب.
وإذا كان الإصلاح والتعديل من مطالب العمال، فإنه لا يستساغ لا عقلا ولا منطقا ولا عرفا أن يؤتى بإصلاح لفائدة الباطرونا، وضد العمال، ويناقش في مجلس الحكومة ليلة عيد الشغل، في رسالة استفزاز واضحة لعشرات الآلاف من العمال، قد تؤدي الى تصاعد الاحتجاجات وزعزعة السلم الاجتماعي، لأن هذا اليوم يفترض أن يكرس لحماية المكتسبات، لا لتقليصها، ومشروع القانون المطروح على طاولة مجلس الحكومة يتضمن مقتضيات خطيرة جدا، تشكل تراجعا عن الحقوق المكتسبة للأجراء يمكن اجمالها في ثلاث نقط رئيسية.
1. رفع أجل الاستماع للأجير من ثمانية أيام الى ثلاثين يوما
لم يكتفي المشروع بتمديد الأجل الذي يحق خلاله للمشغل الاستماع للأجير بأيام أو مضاعفته كأقصى تقدير، بل عمد الى رفعه بشكل جد مجحف من 8 أيام الى 30 يوما، وزاد من حيفه عندما نص على أن هذا الأجل لا يبتدئ إلا من تاريخ اكتشاف المشغل للخطأ المقترف من طرف الأجير.
وكأن واضع المشروع لم يكتفي بالحالة النفسية التي يكون عليها الأجير طيلة ثمانية أيام التي يقضيها تحت رحمة المشغل، منتظرا قراره بسلوك المسطرة التأديبية أو التجاوز عنها، ليقرر تمديد هذا الأجل إرضاء للباطرونا بعدما كرست محكمة النقض قاعدة مفادها أن الاستماع للأجير بعد أكثر من ثمانية أيام من تبين ارتكابه للخطأ الجسيم يجعل المسطرة معيبة، ويعتبر الطرد الذي تعرض له الأجير طردا تعسفيا مع ما يتبع ذلك من أحقيته في التعويض، وذلك من خلال رفع الأجل الى أربعة أضعاف (30 يوم)، وجعل بداية احتسابه رهينة بعلم المشغل بالخطأ، حيث سيفتح الباب على مصرعيه أمام المشغل للتذرع بكونه لم يعلم بالخطأ إلا بعد مرور أسابيع أو أشهر، سيكون الأجير ملزما خلالها بالاشتغال تحت رحمة مشغله، مع ما يتبع ذلك من توتر وضغط نفسي.
2. منح الأجير حق الاستعانة بأي أجير آخر
تنص المادة 62 في صيغتها الحالية على أنه من حق الأجير المستمع اليه أن يحضر جلسة الاستماع مؤازرا بمندوب الأجراء أو الممثل النقابي بالمقاولة حسب اختياره، وأضاف المشروع للأجير المستمع اليه إمكانية الاستعانة بأي أجير آخر، وقد يبدو من الوهلة الأولى أن هذه النقطة في صالح الأجير، وأن المشروع قد وسع دائرة الاختيار، إلا أنه بالرجوع للدور المنوط بالأجير المؤازر خلال جلسة الاستماع، المتمثل في الدفاع عن الأجير المستمع إليه ومؤازرته خلال هذه الجلسة، وما يقتضيه هذا الدور من التكوين والجرأة، والحصانة، نجد أن هذه المهمة لا يمكن أن يقوم بها إلا من تمرس في العمل النقابي، وشمله القانون بالمقتضيات الحمائية كتلك التي يتمتع بها مندوبوا الأجراء والممثلون النقابيون عملا بمقتضيات المادتين 457 و472 من مدونة الشغل، والتي من شأنها أن تحميهم من انتقام المشغل.
وعليه، فإن ما نص عليه المشروع من تخويل حق المؤازرة لأي أجير، بدون أي تكوين أو حصانة من شأنه أن يفرغ هدا الدور من قيمته، ويكرس مؤازرة شكلية فقط.
3. رفع أجل تسليم مقرر الفصل من 48 ساعة الى عشرة أيام
تضمن المشروع تمديد أجل تبليغ مقرر الفصل من 48 ساعة إلى عشرة أيام، مع النص على انطلاق هذا الأجل من تاريخ الاستماع، وليس من تاريخ اتخاذ المقرر، وهو ما يعتبر تراجعا على حق مكتسب للأجراء على امتداد أكثر من عشرين سنة، علاوة على ما يتضمنه هذا المقتضى من تمديد إضافي لفترة يقضيها الأجير تحت رحمة مشغله، اذ يمكن لهذا الأخير أن يعقد جلسة الاستماع في اليوم الثلاثين، ومن حقه انتظار عشرة أيام أخرى لتبليغ الأجير بمقرر الفصل.
وختاما يبدو أن ثقة وجرأة واضع المشروع كبيرة جدا لدرجة إقدامه على طرح مقتضيات ماسة بحقوق الأجراء في ليلة فاتح ماي الذي يعتبر يوم تعبئة، دون أي اكتراث لما قد يترتب عن ذلك من ردود أفعال.



