سياسة

عندما يصبح حبّ الوطن مشروطًا برضا المخابرات

مكتب القنيطرة/عزيز منوشي

في خرجة إعلامية تصلح أكثر لفقرة كوميدية سوداء منها لخطاب سياسي، يقرر مسؤول كبير أن يشرح للمواطنين معنى “الوطنية الحديثة”:

اخرج من بلدك، جرّب حظك، ولكن إن لم توافق عليك مخابرات البلد الذي تعيش فيه… فلا تحلم بالعودة.

هكذا، بكل بساطة، تحوّل المواطن إلى ملف أمني متنقل، وجواز السفر إلى “شهادة حسن سلوك استخباراتي”.

لم نعد نسأل: هل يعمل؟ هل يدرس؟ هل يساهم؟

بل السؤال الأهم:

واش المخابرات عاجباها سيرتو؟

يا سلام على السيادة الوطنية!

في هذا المنطق، لا يهاجر الجزائري لأنه يعاني البطالة أو انسداد الأفق أو اليأس، بل لأنه ارتكب “خطأ أخلاقيًا” اسمه التفكير في مستقبل أفضل.

ومن خرج، عليه أن يبقى خارجًا، لا لشيء سوى لأنه تجرأ على اكتشاف أن العالم أوسع من خطاب رسمي وختم إداري.

الغريب أن الدول الواثقة من نفسها تتباهى بأبنائها في الخارج:

علماء، أطباء، مهندسون، عمّال…

أما هنا، فالمهاجر مشروع متهم، إلى أن تثبت براءته من طرف جهاز أجنبي!

يعني السيادة حاضرة في الخطب، غائبة في الواقع، ومؤجرة عند الحاجة.

هذا الخطاب لا يردع الهجرة، بل يشجّعها.

لأن الشاب عندما يسمع:

“حتى لو رجعت، سننظر إليك بعين الشك”،

سيتخذ قرارًا بسيطًا جدًا:

إذن لن أعود.

الوطن لا يُبنى بالخوف،

ولا يُحمى بالتهديد،

ولا يُحبّ حين يُقدَّم كزنزانة كبيرة:

من خرج منها صار مشبوهًا،

ومن بقي فيها مطالب بالصمت.

الخلاصة المؤلمة الساخرة:

الدولة التي تخاف من مواطنيها في الخارج،

هي دولة لم تنجح في جعلهم يشعرون بالأمان في الداخل.

والوطن الذي يطرد أبناءه معنويًا،

لا يحق له أن يشتكي من “الحراقة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock