مجتمع

كلمة السيد محمد صالح التامك في الذكرى الثامنة عشرة لإحداث المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

مكتب القنيطرة/عزيز منوشي

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه،

حضرات السيدات والسادة،

يسعدني أن أرحب بكم جميعا في هذا الحفل السنوي الذي نخلد من خلاله الذكرى الثامنة عشرة لإحداث المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وهي مناسبة نستحضر فيها مسارا حافلا بالعطاء، ونتوقف عند محطة جديدة من مسار التحديث والإصلاح الذي يشهده هذا القطاع في سياق وطني متسارع التحولات على مستوى السياسة الجنائية وأدوار المؤسسات السجنية.

وتكتسي هذه الذكرى طابعا خاصا لتزامنها هذه السنة مع افتتاح هذه المؤسسة السجنية الجديدة التي نتواجد بها اليوم السجن المحلي ابن جرير، والتي تشكل إضافة نوعية للخريطة السجنية الوطنية، وتجسيدا ونموذجا ملموسا للرؤية الاستراتيجية الرامية إلى تحديث الفضاء السجني وأنسنته، وتعزيز شروط الأمن، وتوفير بيئة ملائمة لإعادة التأهيل والإدماج.

ثمانية عشر عاما من العمل المتواصل، ولمسار استطاعت فيه المندوبية العامة أن تقطع مع الصورة النمطية السلبية حول السجون، عملت خلالها على التوفيق بين متطلبات الأمن والانضباط ومهام الإصلاح وإعادة الإدماج، وحرصت على جعل المؤسسة السجنية فضاء وورشا للإصلاح والتقويم، وحلقة أساسية في المنظومة الأمنية والحقوقية لبلادنا، مستنيرة في ذلك بالتوجيهات الملكية السديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، الذي وضع كرامة السجين وحقوقه في صلب بناء دولة الحق والقانون.

حضرات السيدات والسادة،

إننا لا نقف اليوم لسرد الأرقام والإحصائيات، بل لنستقرئ دلالات التحول العميق في تدبير القطاع وفق رؤية استراتيجية قائمة على التدرج في الإصلاح والانفتاح على التجارب المقارنة، واعتماد مقاربة شمولية توازن بين البعدين الأمني والإنساني والتأهيلي.

فقد آمنت المندوبية العامة منذ إحداثها بأن منطلق الإصلاح هو توفير بيئة عمل لائقة، حيث تم في هذا الصدد تنفيذ برنامج طموح لتجديد الحظيرة السجنية عبر بناء سجون من الجيل الجديد تستجيب لأرقى المعايير الدولية المعمارية والأمنية، ورافق ذلك قرار بإغلاق المؤسسات المتهالكة ما مكن من تعزيز مكتسبات تحديث وتوسيع البنيات التحتية السجنية.

وفي نفس السياق وتعزيزا لإجراءات أنسنة ظروف الاعتقال، تمت مواصلة تحسين جودة التغذية والنظافة لضمان كرامة وسلامة المعتقلين، فضلا عن ترسيخ المقاربة الحقوقية في تدبير الشأن السجني عبر تعميم وتكثيف برامج التكوين في مجال حقوق الإنسان وتمكين السجناء من آليات التشكي والتظلم، مع الحرص على اتخاذ إجراءات صارمة ضد أي تجاوزات.

وعلى مستوى الرعاية الصحية، تعمل المندوبية العامة على إرساء استراتيجية شاملة للصحة بالسجون، من خلال تطوير الخدمات الطبية والنفسية وتجهيز المؤسسات بوحدات حديثة وتعزيزها بالأطر اللازمة، رغم الإكراهات المرتبطة بندرة الموارد البشرية الطبية.

أما في مجال التأهيل وإعادة الإدماج، فقد تم توسيع برامج التعليم والتكوين المهني والحرفي، وتنويع الأنشطة التأهيلية، بما يساهم في رفع نسب الاستفادة وإعادة الإدماج، مع تعزيز الأمن داخل المؤسسات عبر تحديث وسائل المراقبة وتكثيف عمليات التفتيش.

حضرات السيدات والسادة،

سعيا نحو إدارة أكثر فعالية وشفافية، اعتمدت المندوبية العامة مقاربات حديثة ترتكز على الحكامة والنجاعة، وتم تحديث التنظيم الهيكلي وتوسيع استعمال الوسائل التكنولوجية في التسيير الإداري وتدبير المعطيات، إلى جانب تعزيز الشراكات الوطنية والدولية.

وفي سياق التحولات التي تعرفها السياسة الجنائية، تمت مواكبة مستجدات قانون المسطرة الجنائية المرتبطة بالعقوبات البديلة والمراقبة الإلكترونية، وكذا تنزيل القانون المتعلق بتنفيذ العقوبات البديلة الذي دخل حيز التنفيذ في غشت 2025.

كما أصبح التطور الذي تعرفه المنظومة السجنية محط اهتمام دولي، من خلال احتضان المملكة لعدة مؤتمرات دولية، منها مؤتمر الجمعية الإفريقية للسجون بسجن تامسنا في ماي 2025، والمؤتمر الدولي حول تصميم وتكنولوجيا السجون بالرباط في أبريل 2026.

حضرات السيدات والسادة،

إن الموارد البشرية تظل الدعامة الأساسية لأي إصلاح، وقد أضحى موظف السجن فاعلا محوريا في معادلة الأمن والإصلاح، حيث جاء النظام الأساسي الجديد مكسبا تاريخيا أنصف موظفي هذا القطاع، من خلال تحسين الأجور والتعويضات وتثمين المسار المهني.

وفي إطار استكمال هذا الورش، تم إحداث مؤسسة الأعمال الاجتماعية لموظفي إدارة السجون وإعادة الإدماج، والتي ستشكل نقلة نوعية في تحسين الوضع الاجتماعي للموظفين وأسرهم.

حضرات السيدات والسادة،

إن ما تحقق من مكتسبات هو ثمرة عمل جماعي وإرادة إصلاحية متواصلة، ورهاننا اليوم هو بناء إدارة سجنية حديثة، تجعل من الأمن ركيزة، ومن الإصلاح غاية، ومن كرامة الإنسان مبدأ لا يقبل المساومة.

كما نثمن عاليا الجهود الكبيرة التي تبذلها نساء ورجال هذا القطاع، ونستحضر بكل تقدير أرواح شهداء الواجب، ونتمنى الشفاء العاجل للمصابين أثناء أداء مهامهم.

وستواصل المندوبية العامة التزامها بدعم موظفيها، وتعزيز الحماية المهنية، والتصدي لمختلف الاعتداءات، مع تطوير شراكاتها وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي الختام، أجدد شكري لحضوركم، وأرفع أسمى آيات الولاء والإخلاص لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock