مجتمع

فلسفة رابطة قضاة المغرب

و نحن على مشارف انتهاء السنة الأولى من عمر رابطة قضاة المغرب في نسختها الثانية، ولا تفصلنا إلا بضعة أشهر عن عقد مؤتمرها الأول الذي سوف يؤكد بالملموس مدى قوة الرابطة وحضورها المتميز على الساحة القضائية وإخراس تلك الألسن التي لوكت ذات يوم مستهزئة من تأسيسها، لما اعتبرت أن عشرة أشخاص غاضبين قاموا بتلك الخطوة، متجاهلين الجمر المشتعل تحت الرماد والمتمثل في قضاة مجموعة التغيير الذين وضعوا برنامجا واقعيا طموحا لخلخلة الوضع السائد وتحريك بركة الماء الراكدة منذ عقود، تماشيا مع إرادة الدولة في إصلاح القضاء.
ليس هذا هو موضوع المقال وإنما موضوعه إبراز فلسفة الرابطة التي أهلتها أن تكون معادلة صعبة على الساحة القضائية الوطنية كما صرح بذلك رئيسها الأستاذ نور الدين الرياحي في عدة مناسبات؛ فلسفة الرابطة التي تقوم على حفظ كرامة القاضي واستقلال القضاء، هذا الاستقلال الذي تتخذه الرابطة مبدأ وليس شعارا تتغنى به على المنصات الرسمية و غير الرسمية والحال أن أصل الداء معلوم ويبدأ من نفسية القاضي وسلوكه وعلاقته بزملائه ومحيطه.
إن الرابطة وهي منتشية بانضمام عدد كبير من القاضيات والقضاة من مختلف الأعمار والدرجات ممن وضعوا ثقتهم فيها و وجدوا فيها جدية في العمل ومصداقية في كل أعضائها ونية صادقة في المساهمة في إصلاح العدالة بكل موضوعية وواقعية واعتدال دون مزايدات ولا مبارزات ولا البحث عن المشاجب الوهمية لتعليق مسألة المساس باستقلال القضاء، تسعى إلى تأطير قضاتها الشباب وتعويدهم على الاعتزاز بالنفس وعدم الانبطاح والتملق والتعبير بكل حرية عن الرأي وقبول الرأي الآخر والحوار الإيجابي المبني على حرية إبداء الرأي والاستماع للآخر وهدم الحواجز النفسية ومد الجسور بين الأجيال المتعاقبة على القضاء، في جو من الاحترام المتبادل و المعاملة بالمثل و على قدم المساواة بين جميع الزملاء على اختلاف أعمارهم و درجاتهم
وإن العامل النفسي والاعتزاز بالنفس وعدم قبول إذلالها ونبذ التملق والانبطاح أحد الركائز الأساسية لاستقلال القاضي، فلا استقلال مع الولاء والتشيع والتملق وإذا كنا لا ننكر على جمعيات أخرى تشاطرنا هذا التوجه كنادي قضاة المغرب، مع فارق حول المنهجية والوسائل، فإن المطلوب مضاعفة الجهود في هذا السياق للإقناع بضرورة نبذ الولاء الأعمى، هذا الولاء اللعين الذي يضرب استقلال القضاء في الصميم. إنه لمن المؤسف أن يبقى بيننا من يجتر رواسب من الماضي المبني على الولاء و التخندق داخل مجموعات جهوية عنصرية.
لازالت صورة راسخة في ذهني تعود إلى يوم 26 نونبر 1985 وهو التاريخ الذي أحفظه عن ظهر قلب يوم استقبلنا صاحب الجلالة المغفور له الحسن الثاني بقصره العامر بالرباط، ونحن في أوج شبابنا وأدينا اليمين بين أيدي جلالته، حينما خاطبنا جلالته وأوصانا تغمده الله برحمته بقوله:” لا تخافوا في الله لومة لائم”. وكانت هذه العبارة كافية للدلالة على أن الضامن لاستقلال القضاء هو الملك، لم يكن الخطاب موجها للقضاة فحسب وإنما لكل من يعنيه شأن القضاء، وهي حقيقة يجب أخذها بعين الاعتبار، فجلالة الملك ضامن لاستقلال القضاء، واستقلال القضاء رهين بعدم الخوف وما يتولد عنه من ولاء وتملق وانبطاح نقطة انتهى.
عبدالهادي الأمين
الكاتب العام لرابطة قضاة المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock