اختتام فعاليات النسخة 2 لملتقى إيلاف التصوف الدولي بالداخلة بإبراز الأدوار الروحية المتجددة لإمارة المؤمنين

اختتمت بمدينة الداخلة، يوم الأحد 26 يوليوز 2026، فعاليات الدورة الثانية لملتقى إيلاف التصوف الدولي، الذي نظمته جمعية إيلاف التصوف الدولي بجهة الداخلة – وادي الذهب، بشراكة وتنسيق مع المجلس العلمي الجهوي والمندوبية الجهوية للشؤون الإسلامية، خلال الفترة الممتدة من 24 إلى 26 يوليوز 2026، تحت شعار: “إمارة المؤمنين وأدوارها الروحية المتجددة”، وذلك بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، على عرش أسلافه المنعمين، وفي سياق تفعيل مضامين الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى السادة العلماء بمناسبة مرور خمسة عشر قرناً على ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وشهد الملتقى مشاركة نخبة من العلماء والباحثين والأكاديميين، إلى جانب حضور وازن من المهتمين بالشأن الديني والتصوف، في تظاهرة علمية وروحية هدفت إلى إبراز المكانة المركزية لمؤسسة إمارة المؤمنين في حماية الثوابت الدينية للمملكة وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال وتعزيز الأمن الروحي.
وانطلقت فعاليات الملتقى يوم الجمعة 24 يوليوز باستقبال الوفود المشاركة بمطار الداخلة، حيث توافد العلماء والباحثون والضيوف من مختلف المدن المغربية في هذه المحطة العلمية والروحية.
وخلال الجلسة الافتتاحية، أكد الأستاذ أحمد مسيدة، مدير ملتقى إيلاف التصوف الدولي، أن اختيار موضوع الدورة يأتي تزامناً مع الاحتفاء بعيد العرش المجيد، ويجسد تشبث المغاربة، وخاصة أبناء الأقاليم الجنوبية، بالعرش العلوي المجيد، مبرزاً أن مؤسسة إمارة المؤمنين ظلت عبر التاريخ ركيزة لوحدة الأمة المغربية وحصناً للأمن الروحي، بما تضطلع به من أدوار دينية ووطنية وحضارية.
واحتضنت قاعة الغرفة الفلاحية بمدينة الداخلة، يوم السبت 25 يوليوز، الندوة العلمية الرئيسة للملتقى، التي عرفت حضوراً جماهيرياً كبيراً امتلأت به القاعة، وشارك في تأطيرها عدد من العلماء والباحثين المتخصصين في الفكر الإسلامي والتصوف.
وأكد الدكتور محمد التهامي الحراق، الباحث والأكاديمي المتخصص في الفكر الإسلامي والتصوف، أن احتضان الداخلة لهذه التظاهرة يمنحها بعداً روحياً متميزاً، بالنظر إلى تاريخ المدينة وموقعها الحضاري وروح الضيافة التي يتميز بها أهلها، موضحاً أن مؤسسة إمارة المؤمنين تمثل نموذجاً مغربياً فريداً في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، وفي صيانة الوحدة المذهبية والروحية والحضارية، كما أسهمت في ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح والانفتاح، وفي تقديم مقاربات دينية رصينة لقضايا معاصرة ترتبط بالتربية والهجرة والبيئة والتنمية.
من جهته، أبرز الدكتور عدنان زهار، عضو المجلس العلمي المحلي بالجديدة، أن الندوة شكلت مناسبة للتذكير بما تنعم به المملكة المغربية من استقرار ديني في ظل مؤسسة إمارة المؤمنين، مؤكداً أن الإمامة العظمى أصل شرعي أجمع عليه علماء الأمة، وأن المغرب حافظ على هذا النموذج التاريخي بما يحقق وحدة المرجعية الدينية وصيانة المجتمع من مختلف مظاهر الغلو والانحراف.
أما الدكتور محمد المهدي منصور، الأستاذ والباحث في الفكر الإسلامي والتصوف، فقد تناول في مداخلته البعد الروحي لمؤسسة إمارة المؤمنين، مسلطاً الضوء على العناية المولوية بالشأن الديني، خاصة في مجالات التربية والأخلاق والتزكية، مؤكداً أن التصوف السني يقوم على بناء الإنسان وترسيخ القيم الإسلامية، وأن الزوايا والمؤسسات العلمية تؤدي أدواراً مكملة في تحقيق هذا المقصد تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين.
وتخللت أشغال الملتقى جلسات علمية ومدارسات فكرية ناقشت عدداً من القضايا المرتبطة بالتصوف والفكر الإسلامي، من بينها تراجم المناقب وضوابطها العلمية، والتعليل في شعر العارفين وأدبهم، والمشيخة في الطريق الصوفي وأسسها، والحسبة داخل المؤسسات والزوايا الصوفية، وهي موضوعات شكلت أرضية لحوار علمي بين الباحثين، وأسهمت في تعميق البحث في عدد من الإشكالات الفكرية والتربوية المرتبطة بالتصوف.
وعلى المستوى الروحي، احتضنت الداخلة مساء السبت أمسية مديحية كبرى، افتتحت بوصلة للمديح الحساني جسدت خصوصية التراث الثقافي والديني بالأقاليم الجنوبية، تلتها وصلة مديحية لمجموعة الذاكرين برئاسة الدكتور محمد التهامي الحراق، وسط أجواء إيمانية طبعتها محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والذكر والسماع. كما اختتمت الأمسية بالدعاء الصالح لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وقراءة برقية الإخلاص والولاء المرفوعة إلى السدة العالية بالله، إلى جانب تنظيم حفل تكريم لعدد من الشخصيات التي ساهمت في إنجاح هذه الدورة.
وفي اليوم الختامي، قام المشاركون بزيارة مقر الزاوية القادرية المسيدية، حيث كان في استقبالهم شيخ الزاوية الشيخ سيد الحافظ مسيدة، وشهد اللقاء تلاوة آيات من الذكر الحكيم، ومجلساً للمديح النبوي والسماع، كما تعرف الوفد على الجهود المبذولة في خدمة القرآن الكريم، وعلى مشروع إنشاء مركز قرآني يهدف إلى نشر تعليم كتاب الله وخدمة حفظته.
وأشاد المشاركون بما يقوم به الأستاذ أحمد مسيدة، رئيس جمعية إيلاف التصوف الدولي، من جهود تنظيمية في الإعداد للملتقى والإشراف على مختلف تفاصيله، بما أسهم في نجاح هذه التظاهرة العلمية والروحية وإخراجها في مستوى يليق بمكانة مدينة الداخلة.
واختتم البرنامج مساء الأحد بتنظيم درسين دينيين بعد صلاتي المغرب والعشاء، في إطار الشراكة مع المندوبية الجهوية للشؤون الإسلامية، حيث احتضن مسجد النصر درساً علمياً ألقاه الدكتور محمد المهدي منصور، فيما ألقى الدكتور عدنان زهار درساً بمسجد بدر تناول فيه محبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحضور عدد كبير من المصلين ورواد المساجد.
وأكد المشاركون في ختام الملتقى أن هذه الدورة كرست مكانة مدينة الداخلة فضاءً للحوار العلمي والإشعاع الروحي، وأسهمت في إبراز الأدوار المتجددة لمؤسسة إمارة المؤمنين في حماية الثوابت الدينية للمملكة وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، كما أبرزت الدور الذي يضطلع به التصوف السني في التربية والإصلاح وبناء الإنسان، بما يعزز مكانة المغرب نموذجاً في خدمة الإسلام المعتدل وتعزيز الأمن الروحي على المستويين الوطني والدولي.



